سلطت مجلة "فورين
أفيرز" الضوء على ما أسمته "
العداء المتبادل بين أقوى دولتين وهما الولايات
المتحدة والصين"، مؤكدة أن هذا العداء يهدد العالم بسباق التسلح والشلل
المؤسسي وإهمال التهديدات المشتركة للبشرية كالتغير المناخي والأوبئة وعدم
الاستقرار المالي.
جاء ذلك في تحليل مشترك
نشرته المجلة، وتطرقت فيه إلى أنه منذ أوائل العقد الثاني من الألفية الثالثة،
تحولت العلاقات بين بكين وواشنطن من انخراط حذر إلى تنافس حاد، وتبنت كلتا
الدولتين تدريجيا استراتيجيات للأمن القومي لا تعتبر الآخر مجرد منافس، بل مُهدد
رئيسي لقيمها الأساسية وشرعيتها السياسية ومصالحها الحيوية.
وحذر ديفيد لامبتون، وهو
أستاذ فخري وباحث أول في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ورئيس اللجنة
الوطنية للعلاقات الأمريكية
الصينية سابقا، ووانج جيسي، الرئيس المؤسس لمعهد
الدراسات الدولية والاستراتيجية وأستاذ كرسي بويا الفخري في جامعة بكين، من خروج
الصراعات عن السيطرة.
وأوضح لامبتون وجيسي في
التحليل المشترك، أن المجتمعات والنظام الدولي يقعنا في دوامة من العداء المدار،
وتراجع الرخاء، وانعدام الأمن، نتيجة عدم وجود ضوابط فعالة لتنظيم
التنافس بين
القوى العظمى، وفي هذه الحالة يصبح التنافس بين بكين وواشنطن هدفا في حد ذاته،
ويدفع ثمنه العالم أجمع.
وتابعا: "سيصبح العالم
مكانا أكثر اضطرابا وانقساما وخطورة إذا اشتدت حدة التنافس بين بكين وواشنطن،
واستمرت الدولتان في تضييق هامش حل المشكلات الجماعي.
ورغم ذلك فإن لامبتون وجيسي
لا يريان هذا المسار الكابوسي حتميا، وإنما يمكن أن تتيح الأشهر القادمة فرصة
نادرة تسهم فيها التطورات السياسية، والضرورات الاقتصادية، والإرهاق الاستراتيجي
لدى كلا الجانبين، في تهيئة الظروف الملائمة لاستقرار العلاقات الثنائية وتطبيعها.
ووفق قولهما، فإننا
"ندرك تماما أضرار شبح المواجهة بين البلدين، لذلك نكره احتمال دخول جيل آخر
في حرب باردة جديدة"، مضيفين أنه "دون تحرك سياسي مدروس وفي الوقت
المناسب، سيسود الجمود والتنافس تلقائيا، ما يزيد من خطر المواجهة ذات العواقب
العالمية".
وأكدا أن المشكلة تكمن في
أن كل طرف ينظر حاليا إلى الآخر من منظور أسوأ السيناريوهات، ففي واشنطن ينظرون
إلى الصين باعتبارها الخصم الرئيسي للولايات المتحدة على الصعيد العالمي، ولتفوقها
التكنولوجي وهيمنتها الاقتصادي ومعاييرها الديمقراطية. أما في بكين فينظرون إلى
الولايات المتحدة باعتبارها القوة التي تسعى لاحتواء صعود الصين، وتقويض الحزب
الشيوعي الصيني، والحفاظ على هيمنة أمريكا أولا على حساب الصين.
وتطرق المحللان إلى الردع العسكري،
مؤكدين أنه أصبح أكثر تعقيدا، نتيجة التحديث السريع للقوات النووية والتقليدية،
فضلا عن توسع القدرات القتالية الجديدة في الفضاء، وتكنولوجيا الفضاء الإلكتروني،
والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتابعا: "سيدفع هذا
التعقيد الدولتين إلى مزيد من التحوط من خلال مضاعفة عدد الأسلحة وتنوعها، وقد بدأ
بالفعل سباق تسلح متصاعد بوتيرة متسارعة، ما يزيد من حالة عدم اليقين والتكاليف".
واستكملا: "صانعو السياسات
والباحثون في كلا البلدين يمتلكون اليوم أدوات تحليلية استثنائية، بما في ذلك
الذكاء الاصطناعي، وهذه القدرة التقنية ضرورية لإدارة العلاقات الدولية بشكل سليم،
لكن حتى أكثر صانعي السياسات تطورا، لا يستطيعون محاكاة حرب حقيقية، لما قد تسببه
من خسائر فادحة في الأرواح".
وختما بقولهما: "لذا،
فإن منع مواجهة دامية بين الصين والولايات المتحدة يتطلب أمرا آخر، وهو ذاكرة
استراتيجية، وخبرة في إدارة الأزمات، وثقة متبادلة تتأسس على مدى عقود".