أثارت ملفات فضائح رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، جدلاً واسعاً حول شبكة علاقاته الواسعة مع شخصيات سياسية واقتصادية وعلمية بارزة، بالإضافة إلى طبيعة أنشطته غير القانونية.
ومع وفاته الغامضة في السجن عام 2019، تصاعدت التكهنات حول احتمال تورطه في عمليات استخباراتية. ومن بين أبرز هذه التكهنات، الادعاءات المتكررة بأنه كان عميلاً لجهاز
الموساد الإسرائيلي.
تستند الادعاءات حول عمل إبستين لصالح الموساد إلى عدة مصادر ووقائع، أبرزها شهادات بعض الأفراد ووثائق مسربة.
شهادة أري بن ميناشي
يُعد أري بن ميناشي، ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق، أحد أبرز الأصوات التي ربطت إبستين بالموساد.
قال بن ميناشي إن إبستين تم تجنيده من قبل الموساد في الثمانينيات، وأن شبكة الابتزاز الجنسي التي أدارها إبستين كانت جزءاً من عملية استخباراتية إسرائيلية لجمع معلومات حساسة عن شخصيات مؤثرة في الولايات المتحدة وحول العالم .
ووفقاً لبن ميناشي، فإن روبرت ماكسويل، والد غيسلين ماكسويل (شريكة إبستين)، كان له دور محوري في تجنيد إبستين، نظراً لعلاقات ماكسويل الأب المعروفة بالموساد .
تصريحات ألكسندر أكوستا
في عام 2019، وبعد اعتقال إبستين، أثار ألكسندر أكوستا، المدعي العام الأمريكي السابق لجنوب فلوريدا ووزير العمل آنذاك، جدلاً بتصريحاته حول صفقة الإقرار بالذنب المخففة التي حصل عليها إبستين عام 2008.
وبحسب تقارير إعلامية، نقل أكوستا عن مصدر قوله: "قيل لي إن إبستين 'ينتمي إلى الاستخبارات' وأنه يجب تركه وشأنه".
ورغم أن أكوستا لم يحدد الجهة الاستخباراتية المعنية، إلا أن هذه التصريحات غذّت التكهنات حول حماية إبستين من قبل أجهزة استخباراتية، سواء أمريكية أو حليفة.
وثائق "إف بي آي" المسربة
كشفت وثائق حديثة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، تم تسريبها بين 2020 و2026، عن معلومات إضافية تعزز هذه الادعاءات.
فوفقاً لمذكرة من "إف بي آي"، ادّعى مخبر سري أن إبستين كان عميلاً للموساد الإسرائيلي، وفقا لما نقلت وكالة "
الأناضول".
وزعم المخبر أن إبستين كان على علاقة وثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، وأنه "تدرب كجاسوس تحت إشرافه".
كما تضمنت الوثائق رسالة بريد إلكتروني من إبستين يمزح فيها قائلاً: "يجب أن توضح أنني لا أعمل لصالح الموساد :)"، وهو ما اعتبره البعض إشارة مبطنة إلى طبيعة عمله.
وكشفت
رسائل بريد إلكتروني مسربة أن ضابط استخبارات عسكرية إسرائيلي نشط، يُدعى يوني كورين، كان ضيفاً دائماً في شقة إبستين في مانهاتن بين عامي 2013 و2015 . كما أظهرت الوثائق طلب إيهود باراك من إبستين تحويل أموال إلى حساب كورين، مما يعزز فرضية وجود علاقة مالية وعملياتية مباشرة مع عناصر استخباراتية نشطة .
عائلة ماكسويل
تُعد غيسلين ماكسويل، شريكة إبستين المقربة، نقطة وصل محورية في هذه الادعاءات، نظراً لخلفية عائلتها وعلاقات والدها، روبرت ماكسويل.
وكان روبرت ماكسويل، قطب الإعلام البريطاني ووالد غيسلين، شخصية مثيرة للجدل، وتكهنت العديد من التقارير بأنه كان عميلاً للموساد.
وقد حظي ماكسويل بجنازة رسمية في إسرائيل حضرها كبار القادة الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء آنذاك إسحاق شامير، الذي وصفه بأنه "فعل لإسرائيل أكثر مما يمكن قوله".
هذه العلاقة الوثيقة بين روبرت ماكسويل والموساد تعزز فرضية أن ابنته غيسلين قد تكون قد ورثت هذه الروابط، أو استخدمتها لتسهيل أنشطة إبستين الاستخباراتية المزعومة.
تقرير "واشنطن بوست" في العام 1991 عن وداع "إسرائيل" لروبرت ماكسويل. (
هنا)
استثمارات وعلاقات شخصية
بالإضافة إلى الادعاءات المباشرة، هناك مؤشرات غير مباشرة تربط إبستين بشخصيات وكيانات إسرائيلية، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد للقصة.
كان إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، على علاقة وثيقة بإبستين، حيث زاره في عدة مناسبات.
كما استثمر إبستين ملايين الدولارات في شركة "Carbyne" (المعروفة سابقاً بـ Reporty Community)، وهي شركة إسرائيلية متخصصة في تكنولوجيا الطوارئ.
كان باراك رئيساً لمجلس إدارة هذه الشركة، ويضم فريقها العديد من قدامى المحاربين في الاستخبارات الإسرائيلية، وخاصة الوحدة 8200.
وكشفت تسجيلات صوتية مسربة أن إبستين نصح إيهود باراك بالاجتماع مع مؤسس شركة "بالانتير"، بيتر ثيل، لاستكشاف تقنيات تحليل البيانات. ومن الجدير بالذكر أن إسرائيل وقعت لاحقاً صفقات مع بالانتير لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، بحسب "
ميدل إيست آي".
يرى البعض أن هذه الاستثمارات والعلاقات تشير إلى وجود مصالح مشتركة تتجاوز مجرد الصداقة أو الأعمال التجارية العادية.
على الرغم من تراكم هذه الادعاءات والمؤشرات، فإنه لا يوجد حتى الآن دليل قاطع وموثوق به يثبت بشكل لا يدع مجالاً للشك أن جيفري إبستين كان عميلاً رسمياً للموساد الإسرائيلي.
وكانت حكومة
الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، نفت بشكل قاطع أي علاقة بين إبستين والموساد.
كما أن التحقيقات الرسمية الأمريكية لم تقدم أي استنتاجات نهائية تربط إبستين بأي جهاز استخباراتي أجنبي.