توصل باحثون، في اكتشاف علمي لافت، إلى أن الطريقة التي يعالج بها
الدماغ البشري اللغة المنطوقة تشبه إلى حد كبير آلية عمل أنظمة
الذكاء الاصطناعي المتقدمة، في نتيجة تفتح آفاقا جديدة لفهم العقل البشري وتعيد النظر في مفاهيم علمية استمرت لعقود.
وكشفت دراسة نشرت في مجلة "Nature Communications" أن الدماغ لا يفهم الكلام بشكل فوري، بل يتعامل معه عبر سلسلة متدرجة من المراحل، تبدأ بتحليل الكلمات البسيطة، ثم تنتقل تدريجيا إلى استيعاب السياق والمعنى الكامل.
وأظهرت النتائج أن هذه الآلية تتطابق إلى حد بعيد مع الأسلوب الذي تعمل به نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة المستخدمة في
تحليل النصوص وتوليد اللغة.
وسجل الباحثون، خلال التجربة، النشاط الكهربائي لأدمغة أشخاص كانوا يستمعون إلى قصة صوتية، ولاحظوا أن مناطق محددة في الدماغ تنشط وفق توقيتات تماثل المراحل التي تمر بها أنظمة الذكاء الاصطناعي أثناء معالجتها للكلام.
وتبين أن المراحل الأولى تركز على الأصوات والكلمات، في حين تتولى المراحل اللاحقة دمج المعاني وربطها بالسياق العام.
وأظهرت
الدراسة أن هذا التشابه كان واضحا بشكل خاص في المناطق المرتبطة بوظائف اللغة، حيث ازداد التقارب بين نشاط الدماغ والطبقات المتقدمة في نماذج الذكاء الاصطناعي كلما انتقل الدماغ إلى مستويات أعمق من الفهم.
وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تتحدى الفكرة التقليدية التي تفترض أن فهم اللغة يعتمد على قواعد ثابتة وبنى جامدة، مؤكدة بدلا من ذلك أن المعنى يتشكل تدريجيا اعتمادا على السياق والخبرة، سواء لدى الإنسان أو داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وأشاروا إلى أن أهمية هذا الاكتشاف لا تقتصر على مجال التكنولوجيا، بل تمتد إلى علم الأعصاب، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة لفهم كيفية تفكير الإنسان، وليس مجرد وسيلة لمحاكاة لغته.
وفي هذا الإطار، أتاح فريق البحث بيانات الدراسة للعامة، بهدف فتح المجال أمام دراسات جديدة قد تسهم في إعادة رسم خريطة فهم العقل البشري خلال السنوات المقبلة.