التايمز: كيف يعيد المرتزقة الأجانب رسم ملامح الحرب الروسية في أوكرانيا؟

الصحيفة قدرت عدد المقاتلين الأجانب بعشرات الآلاف من أكثر من 70 دولة- الأناضول
نشرت صحيفة "التايمز" تقريرا تناول الكيفية التي أسهم بها المرتزقة الأجانب في تغيير ملامح الحرب في أوكرانيا، مشيرة إلى أن الصراع الذي اندلع عام 2022 كحرب بين دولتين متجاورتين تحول، بعد نحو أربع سنوات، إلى ساحة دولية يشارك فيها مقاتلون من قارات مختلفة.

وأوضحت الصحيفة أنه عندما شن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، كانت الحرب محصورة بين موسكو وكييف، إلا أنها سرعان ما اتخذت طابعا عالميا، إذ بات كولومبيون وكوريون شماليون يقاتلون على جانبي الصراع.

وأضافت أن أكبر حرب تشهدها أوروبا منذ عام 1945 أصبحت مواجهة دولية، في ظل سعي الطرفين إلى تعزيز جيوشهما المنهكة بآلاف المجندين والمرتزقة الأجانب من مختلف أنحاء العالم، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، وغالبا من دون رغبة حكوماتهم.


وأشارت الصحيفة إلى أن بعض المراقبين يرون في هذا الصراع صورة لما سيؤول إليه جيل كامل، ولشكل العالم في السنوات المقبلة، فيما يعتبره آخرون فرصة لتحقيق مكاسب مالية تفوق ما يمكنهم الحصول عليه في بلدانهم الأصلية، شريطة النجاة من أهوال الحرب.

ولفت التقرير إلى أن مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع أظهرت مدى سهولة التضحية بالمقاتلين الأجانب، من بينها مشهد لجندي روسي يجبر مجندا أفريقيا، وصف بـ"القنبلة البشرية"، على اقتحام الخطوط الأوكرانية، في مثال صارخ على تعامل موسكو مع هؤلاء المقاتلين.

وكشفت الصحيفة أن المسؤول العسكري الأوكراني ديمترو أوسوف أعلن في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أن روسيا جندت قرابة 18,000 متطوع أجنبي من 37 دولة، في حين لم تعلن أوكرانيا رسميا عدد المجندين الأجانب في صفوفها، وسط تقديرات تشير إلى نحو 15,000 مقاتل من 70 دولة أو أكثر.

وأضافت أن الطرفين يعتمدان على حوافز مالية لجذب هؤلاء المقاتلين، مع تأكيد تقارير أوكرانية أن كثيرا منهم تعرضوا للخداع من الجانب الروسي، لافتة إلى أن الجيش الأوكراني أبلغ نظيره البريطاني بأن نسبة كبيرة من أسرى الحرب في المعارك الأخيرة كانوا من الهنود والأفارقة.

وبيّنت الصحيفة أن المجندين من أمريكا اللاتينية يشكلون نحو 40 في المئة من المقاتلين الأجانب في الجانب الأوكراني، وغالبيتهم من كولومبيا، حيث وفرت عقود من الصراع المسلح الداخلي خبرة قتالية لعدد كبير من الرجال. وذكرت أن مقاتلين كولومبيين من اللواء الآلي المنفصل 47 الأوكراني شاركوا العام الماضي في توغلات داخل غرب روسيا، وواجهوا قوات كورية شمالية أرسلها كيم جونغ أون دعما لموسكو.

وأضافت أن معركة استمرت عشرة أيام في نيسان/أبريل شهدت استخدام الكولومبيين صواريخ "سكيف" المضادة للدبابات المصنعة في أوكرانيا، ما أدى إلى تدمير أربع مركبات مدرعة روسية كانت تقل جنودا كوريين شماليين. وأشارت إلى أن أكثر من 500 كولومبي يعتقد أنهم قتلوا في أوكرانيا منذ عام 2022، وهي أعلى حصيلة خسائر بين المقاتلين الأجانب من خارج أوكرانيا وروسيا.

وتطرقت الصحيفة إلى شهادة إديسون فابيان مينديز، الذي قال إنه توجه إلى أوكرانيا دفاعا عن "سيادتها وحقوقها وحريتها"، لكنها أشارت إلى أن الدافع المالي يشكل عاملا حاسما لكثير من المقاتلين، إذ يصل الراتب الشهري إلى 190,000 هريفنيا، أي ما يعادل 3,395 جنيها إسترلينيا، مقارنة بنحو 260 جنيها فقط يتقاضاها الجندي في كولومبيا.

ولفت التقرير إلى دوافع أكثر خطورة، إذ حذرت المخابرات المكسيكية في تموز/يوليو من أن عناصر من عصابات المخدرات في كولومبيا والمكسيك يتطوعون للقتال بهدف اكتساب خبرة في تشغيل الطائرات المسيرة. وأضاف أن نحو 3,000 مقاتل من أمريكا الشمالية انضموا إلى "الفيلق الدولي" الذي أعلنته أوكرانيا قبل حله لاحقا.

وسردت الصحيفة قصة كارل جونسون، العامل السابق في مجال الرعاية الصحية من كاليفورنيا، الذي ساعد في إجلاء القتلى والجرحى من خطوط المواجهة تحت القصف الروسي، وأسهم عام 2024 في العثور على جثة جيمس ويلتون، أصغر بريطاني قتل في الحرب آنذاك، وكان يبلغ 17 عاما عند مغادرته مدينة هدرسفيلد متجها إلى كييف دون خبرة عسكرية سابقة.


ونقلت عن جونسون، البالغ 53 عاما، مقارنته بين الوضع في أوكرانيا والحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1936 و1939، لكنه انتقد بشدة القيادة العسكرية الأوكرانية، متهما إياها بإرسال الفيلق الدولي إلى هجمات "عبثية وغبية" أدت إلى "إهدار جميع قواتنا".

وأشارت الصحيفة إلى غلينا مانشيغو، المعروفة عسكريا باسم "بيبي دوك"، وهي مواطنة أمريكية استجابت لنداء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رغم اعترافها بأنها لم تكن تعرف موقع أوكرانيا على الخريطة قبل الغزو.

وذكرت أن "الفيلق الدولي"، ورغم أهميته الرمزية في إظهار الدعم الدولي، جرى حله بهدوء في كانون الأول/ديسمبر، وأعيد توزيع وحداته على قوات الهجوم داخل الجيش الأوكراني.

وأضافت أن القيادة العسكرية في كييف بررت القرار بانتهاء دور الفيلق، إلا أن قادة أوكرانيين وأجانب رأوا أن حلّه سيقلص أعداد المتطوعين، مشيرة إلى أن مصدرا قال إن عشرات الأجانب فسخوا عقودهم مع الجيش الأوكراني رفضا للمشاركة في مهام هجومية، واعتبروا القرار "عارا".

وتطرقت الصحيفة إلى مقاتلين أجانب انضموا إلى الجانب الروسي، من بينهم الأمريكي مايكل غلوس، نجل جوليان غالينا، نائبة مدير وكالة الاستخبارات المركزية للابتكار الرقمي، والذي قتل العام الماضي بعد انضمامه إلى وحدة هجومية روسية، وحصل بعد وفاته على وسام لينين.

وأفادت بأن الكوبيين يشكلون الفئة الأكبر بين المقاتلين الأجانب إلى جانب روسيا، مع تقديرات تتراوح بين 1,000 و5,000 مقاتل، رغم نفي هافانا إرسال قوات رسمية. وذكرت أن ما لا يقل عن 45 بريطانيا قتلوا في أوكرانيا، من بينهم جيمس شورت، الذي كان يبلغ 69 عاما عند مقتله عام 2023، وسط غموض يحيط بظروف عدد من هذه الوفيات.

وأشارت إلى قضية هايدن ديفيز، الجندي البريطاني السابق الذي أسره الروس وحكم عليه بالسجن 13 عاما بتهمة العمل كمرتزق، رغم تأكيد بريطانيا أنه أسير حرب ويتمتع بالحماية بموجب اتفاقية جنيف.

كما تحدثت عن بريطانيين قاتلوا إلى جانب موسكو، من بينهم بن ستيمسون من أولدهام، الذي سجن خمس سنوات عام 2017 بعد عودته من شرق أوكرانيا، قبل أن يعود إلى روسيا وينضم إلى جيشها بعد الغزو.

وقالت الصحيفة إن نحو مئة مقاتل من صربيا يقاتلون إلى جانب روسيا، إضافة إلى متطرفين من اليمين المتطرف الأوروبي، بينما انحاز معظم الأوروبيين إلى أوكرانيا، بما في ذلك متطوعون من جزر فارو.

وأوضحت أن أفريقيا تعد ساحة خصبة للتجنيد الروسي، في ظل النمو السكاني وارتفاع نسبة الشباب والمهارات التقنية، مشيرة إلى تقديرات أوكرانية تفيد بوجود أكثر من 1,400 مقاتل أفريقي في صفوف روسيا، كثير منهم تعرضوا للخداع.

وذكرت واقعة اتهمت فيها القوات الروسية بإجبار مقاتل أفريقي، يدعى فرانسيس، على التقدم نحو مواقع أوكرانية بعد زرع لغم على جسده، دون معرفة مصيره.


وتطرقت الصحيفة إلى جنوب أفريقيا، حيث كشفت قضية 17 رجلا قالوا إنهم خدعوا للانضمام إلى قوات الكرملين عن نفوذ شخصيات موالية لموسكو، وأدت إلى انقسام داخل عائلة الرئيس الأسبق جاكوب زوما، بعد اتهام ابنته نكوسازانا زوما-منكيوب لشقيقتها دودوزيل زوما-سامبودلا بخداع رجال للسفر إلى روسيا.

وأضافت أن الكاميرون فقدت مئات الجنود لصالح التجنيد الروسي، وفرضت قيودا على سفر العسكريين، بينما جند أو خدع نحو 200 كيني، من بينهم العداء إيفانز كيبيت، الذي قال إنه أجبر على القتال بعد استدراجه إلى معسكر عسكري في روسيا.

وأشارت الصحيفة إلى أن كوريا الشمالية الدولة الوحيدة التي اعترفت بنشر قوات على خطوط المواجهة دعما لروسيا، إضافة إلى تجنيد مقاتلين من جمهوريات آسيا الوسطى، ومئات من الهند ونيبال واليمن، من بينهم سونو كومار، الذي قتل بعد استدراجه بوعد وظيفة حارس أمن.

ولفت التقرير إلى اتهام الرئيس الأوكراني زيلينسكي للصين بالتغاضي عن تجنيد مواطنيها، بعد اعتقال مقاتلين صينيين في صفوف روسيا، مع تقديرات بوجود 155 صينيا على الأقل، كما ذكرت أن مئات السوريين انضموا إلى الجيش الروسي حتى سقوط بشار الأسد عام 2024.

واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى تحذيرات أستراليا لمواطنيها من السفر إلى أوكرانيا، رغم تسجيل حالات لمقاتلين أستراليين، من بينهم كاليب ليست، الذي فقد في منطقة خاركيف، بعدما رأى في الحرب فرصة لتحقيق حلمه بالخدمة العسكرية.