لومومبا.. صانع استقلال الكونغو الذي قاوم الاستعمار البلجيكي (بورتريه)

كان قوميا أفريقيا مؤمنا بوحدة أفريقيا ولعب دورا جوهريا في تحويل الكونغو من مستعمرة بلجيكية إلى جمهورية مستقلة- عربي21
زعيم ثوري أفريقي صنع اسمه كمناضل ضد الاستعمار لبلاده.

قدراته على الخطابة والحشد وتأثر حركات تحرر أفريقية أخرى به أثارت غضب قوى الاستعمار القديم والحديث.

عاصر الزعيم الثوري الشهير إرنستو تشي غيفارا، لكن لا يوجد دليل على أنه التقى شخصيا معه، أثناء تردد جيفارا على أفريقيا، بالرغم من تقاطعهما الأيديولوجي كرموز مناهضة للاستعمار.

كان قوميا أفريقيا مؤمنا بوحدة أفريقيا، ولعب دورا جوهريا في تحويل الكونغو من مستعمرة بلجيكية إلى جمهورية مستقلة.

كان أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ الكونغو في آخر أيام الاحتلال البلجيكي لبلاده وأول أيام الاستقلال.

ولد باتريس لومومبا عام 1925 في إقليم ستانليفيل بمقاطعة الكونغو الشرقية التي كانت تحتلها بلجيكا وقتئذ، لعائلة تنتمي إلى قبيلة باتيليلا وهي جزء من قبيلة المونغو من النخبة الكونغولية.
عمل وهو طالب في قطاع المناجم لفترة من الزمن، لكن تركها من أجل إكمال دراسته بمعهد متخصص في البريد والبرق والهاتف، في الوقت نفسه درس القانون والاقتصاد واجتاز عدة دورات دراسية.

قاوم لومومبا الاستعمار البلجيكي وأسس الحركة الوطنية عام 1958 وحظي بشعبية واسعة حينما قاد مظاهرات ومواجهات ضد المستعمر.

كما رأس تحرير صحيفة "الاستقلال" وقام بالاتصال بعدة أطراف إقليمية ودولية لتأييد حق بلاده في الاستقلال، وكان يحث الجماهير بخطبه النارية وبمقالاته الحماسية في الصحف المحلية والخارجية ما أدى إلى اعتقاله لستة أشهر.

أفرج عنه لاحقا ونقل من السجن إلى بروكسل بالطائرة، وتم الاتفاق على استقلال الكونغو وإنهاء 80 عاما من الاستعمار البلجيكي.

أجريت انتخابات نيابية عام 1960 وحققت الحركة الوطنية بقيادته انتصارا جيدا، وشكلت أول حكومة كونغولية منتخبة، وقام ملك بلجيكا بودوان بتسليمه الحكم رسميا للحكومة المنتخبة.
وحرص لومومبا على أن تضم حكومته كل القوى الوطنية، وأصدر عدة قرارات عشية استقلال الكونغو لإبعاد البلجيكيين عن إدارة شؤون البلاد.

وحدثت أزمة سياسية أثناء حفل التسليم، بعد أن ألقى الملك بودوان خطابا أغضب الكونغوليون الذين اعتبروه مهينا ويفتقر إلى اللباقة، حذر فيه الوطنيين الكونغوليين من "عدم اتخاذ إجراءات متسرعة أو غير مدروسة تؤدي إلى تدمير المدنية التي خلفها البلجيكيون لهم". الأمر الذي أغضب لومومبا واتجه إلى المنصة فقاطع الملك البلجيكي بخطاب لا يُنسى وسمي بخطاب "الدموع والدم والنار"، تحدث فيه عن معاناة الكونغوليين وما تعرضوا له من ظلم واضطهاد.

ولم تنعم الكونغو طويلا بالهدوء، فقد دخلت في سلسلة من الأزمات، ووجدت حكومة لومومبا نفسها تواجه أزمات كبرى، تمرد عسكري في الجيش، وانفصال إقليم كتانغا أهم إقليم في الكونغو بدعم من بلجيكا، واضطرابات عمالية.

وقرر لومومبا دعوة قوات الأمم المتحدة للتدخل لمساعدته على توحيد الكونغو وتحقيق الاستقرار، ولكنها تدخلت ضده، وانفض عن لومومبا عدد من حلفائه الأساسيين بدعم أمريكي وبلجيكي، وساءت علاقته مع رئيس الجمهورية الذي أقال الحكومة، ولكن مجلس الشيوخ صوت بأغلبية كبيرة ضد القرار.

بقي لومومبا في المعركة وحيدا، فاضطر إلى اللجوء إلى معقل أنصاره في شمال البلاد قرب الغابة الممطرة، ولكن العقيد موبوتو سيسيكو رئيس هيئة الأركان الذي كان حليفا للومومبا سابقا، وتحت التأثير القوي لسفير بلجيكا في الكونغو آنذاك، قد انقلب ضده، واتهمه بأنه متعاطف بل مؤيد للشيوعية، وبخطابه هذا كان موبوتو يبحث عن التأييد والدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.

وتواصلت الفوضى بعد إعلان مقاطعة كازائي انفصالها عن الكونغو ودخولها في اتحاد مع كتانغا، ورغم ذلك لم ييأس أنصار لومومبا الذين شنوا حربا ضد موبوتو فانتزعوا بسرعة ثلثي الكونغو، واستغل موبوتو هذه الفوضى فاستولى على السلطة عام 1961 في انقلاب عسكري هو الأول من نوعه في أفريقيا في ذلك الوقت، وألقي القبض على لومومبا واثنين من رفاقه وأعدموا على يد كتيبة إعدام يقودها ضابط بلجيكي يوم 17 كانون الثاني/ يناير عام 1961.

وتم التخلص نهائيا من الجثث بتقطيعها إلى قطع صغيرة وإذابتها في حامض الكبريت كانت تحمله شاحنة مملوكة لشركة تعدين بلجيكية، وقد اعترف الضابط في لقاء تلفزيوني أجري معه لاحقا بأنه احتفظ باثنتين من أسنان لومومبا "تذكارا" لسنوات عدة، ثم تخلص منهما بإلقائهما في بحر الشمال.

وكادت عائلة لومومبا تواجه نفس المصير لكن وجود الجيش المصري ضمن قوات الأمم المتحدة وفر الحماية لعائلة لومومبا بعد أن ساعدهم المصريون على الهرب بقيادة سعد الدين الشاذلي قائد الفوج المصري في الكونغو، والذي سيصبح فيما بعد رمزا قوميا لانتصار الجيش المصري في حرب عام 1973 ضد "الجيش الإسرائيلي".

لا يعرف للزعيم الكونغولي موقفا شاملا في السياسة أو في الاقتصاد، إنما كان أول كونغولي يقدم رواية لتاريخ الكونغو تعارض الآراء البلجيكية الاستعمارية التقليدية، كما أنه أظهر معاناة السكان الأصليين تحت حكم الأوروبيين، وقدم هوية قومية قائمة على الكرامة والإنسانية والقوة والوحدة.

وبعد 60 عاما وصل التحقيق القضائي الذي فتح في بلجيكا بتهمة "جريمة حرب" فيما يتعلق بفترة حكم لومومبا وإعدامه، مرحلته الأخيرة، وتتهم الشكوى الدولة البلجيكية بأنها "شاركت في مؤامرة واسعة لتصفية لومومبا سياسيا وجسديا". وهي تذكر بأن الجيش البلجيكي نشر 200 ضابط للإشراف على قوات الأمن في إقليم كاتانغا الانفصالي حيث وقعت "جريمة الحرب".

وذهبت محكمة الاستئناف في بروكسل أبعد من لجنة التحقيق للبرلمان البلجيكي التي توصلت في 2001 إلى الإقرار "بالمسؤولية الأخلاقية" لبلجيكا.

في العام التالي قدمت الحكومة البلجيكية اعتذارا باسم البلاد للشعب الكونغولي، وفي عام 2022، أعلن رئيس النيابة الفدرالية البلجيكية أن عائلة لومومبا استعادت "أثرا مباركا " منه، في إشارة إلى إحدى أسنانه التي احتفظ بها من قبل القتلة كنوع من "الذكرى"، وهي سن صادرها القضاء البلجيكي من ابنة أحد مفوضي الشرطة البلجيكية ساهم في إخفاء الجثة.

كان انجاز لومومبا الكبير هو كشفه النقاب عن معاناة السكان الأصليين تحت حكم المستعمرين الأوروبيين.

كان لومومبا فريدا بين زملائه في أخذه طموحات وأحلام كل الكنغوليين في الاعتبار في خطابه، بينما اقتصرت روايات الآخرين على شعوبهم أو مناطقهم الخاصة.

وقبل أيام، وربما دون قصد، لفت المشجع الكونغولي الشهير مبولادينغا، المعروف بـ"تمثال لومومبا"، انتباه العالم من جديد، لمسيرة الثأر الأفريقي الكبير أثناء تشجيعه فريق الكونغو بالبطولة الأفريقية المقامة بالمغرب.

فقد كان يجسد شخصية الزعيم التاريخي للبلاد طوال المباريات، مستغلا الشبه بينه وبين لومومبا، وكان يبقى واقفا طيلة المباراة دون حراك.

مشجع بسيط أعاد إلى الواجهة اسم شخصية تاريخية ناضلت من أجل الحرية والكرامة، ووقفت بشجاعة إلى جانب الشعوب المستعمَرة، وعلى رأسها الثورة الجزائرية.
وينظر اليوم من قبل الكونغو وأفريقيا إلى لومومبا كشهيد لحركة الوحدة الأفريقية.