مع استمرار دوامة
الصراعات وموجات النزوح التي لا تنتهي، وصل أعداد المفقودين في العالم إلى
مستويات غير مسبوقة، خلال السنوات الأخيرة، وذلك في إشارة صارخة إلى أنّ: "الأطراف
المتنازعة تفشل أو تتعمد الفشل في حماية الناس بزمن الحرب".
وبالتزامن مع
اليوم العالمي لضحايا
الإخفاء القسري، المدرج على روزنامة الأمم المتحدة للأيام
العالمية منذ عام 2011، والذي يوافق الثلاثين من آب/ أغسطس، أعلنت
اللجنة الدولية
للصليب الأحمر تسجيلها حوالى 300 ألف شخص حاليا كمفقودين عبر العالم، في زيادة بنحو
70 بالمائة خلال خمس سنوات، وذلك بسبب تزايد عدد النزاعات وموجات الهجرة المكثفة
وتراجع الالتزام بقواعد الحروب.
المدير العام
للجنة، بيار كرينبول، قال إنّ: "هذه الزيادة الكبيرة من السودان إلى أوكرانيا،
ومن سوريا إلى كولومبيا، تمثل دليلاً صارخاً على فشل الأطراف المتنازعة وحلفائها
في حماية المدنيين"، محذّرا من أنّ: "الأعداد المعلَنة ليست سوى رأس جبل
الجليد".
وذكرت اللجنة
الدولية للصليب الأحمر، التي تتّخذ من مدينة جنيف السويسرية، مقراً لها، أنّه
أُبلغ عن فقدان نحو 284 ألفاً و400 شخص بحلول نهاية عام 2024 الماضي، مقارنة بـ169
ألفاً و500 شخص في عام 2019، لافتةً إلى أنّ: "الصراعات المسجّلة في السودان وقطاع
غزة وأوكرانيا من أسباب هذه الزيادة الكبيرة؛ وأنّ العدد الفعلي للأشخاص
المفقودين يعتقد بأنه أعلى من ذلك بكثير".
وذكّرت اللجنة
بأن: "اتفاقيات جنيف، التي أُقرت عام 1949 بعد الحرب العالمية الثانية، تشكّل إطاراً
أساسياً للحدّ من تفاقم هذه الكارثة، لكنها تلاحظ تراجع الالتزام بمبادئها وتنصل
أطراف النزاع من تحمل المسؤولية".
كذلك، لفتت إلى ما وصفته بـ"إمكانية إنقاذ عدد لا يُحصى من
العائلات من المعاناة إذا ما جرى تعزيز التدابير لحماية المحتجزين والتعامل مع
المتوفين بطريقة صحيحة، لكنّها أشارت في الوقت نفسه إلى أنّ: "ثمّة نهايات سعيدة، في
بعض الأحيان، حيث تمكّنت فرقها من العثور على 16 ألف مفقود في العام الماضي".
"المفقودون
في عداد الشهداء"
في قطاع غزة،
تُقدّر الأمم المتحدة أن عدد المفقودين يتراوح بين 8 و11 ألف شخص، معظمهم من
النساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، كما تنوعت حالاتهم ما بين كم دفنوا تحت
الركام ومن اعتقلوا قسرا، فيما تحدّث المرصد الأوروبي لحقوق الإنسان عن وجود أكثر
من 13 ألفاً تحت الأنقاض أو في مقابر جماعية، أما "منظمة أنقذوا
الأطفال" فأكدت أنّ: "هناك ما بين 17 و21 ألف طفل في عداد المفقودين".
ومع صعوبة
التعرّف على الجثامين أو توثيق حالات الوفاة مع شبه انعدام الإمكانيات للبحث
والانتشال، تعقدت جهود تحديد مصير آلاف الأشخاص المفقودين، فيما تتحدث تقارير أخرى
عن تعرُّض أعداد من المفقودين للإخفاء القسري دون توفير أي معلومات عن أماكن
وجودهم، بينما ذكرت منظمات حقوقية محلية أنّ: "من المفقودين مَن يرجح وجودهم داخل
السجون الإسرائيلية".
المفقودون… مأساة منسية في السودان
وبالنسبة للسودان،
الذي يعيش حرباً منذ نيسان/ أبريل 2023 توصف بالأسوأ خلال العصر الحديث، أعلنت
اللجنة الدولية للصليب الأحمر تلقّيها عام 2024 أكثر من 7,700 طلب مساعدة للبحث عن
مفقودين مرتبطين بالنزاع، بزيادة قدرها 52 بالمائة عن العام السابق، كما بلغ عدد
حالات الفقدان المبلغ عنها في أفريقيا أكثر من 82 ألفاً مع تزايد الطلبات من تشاد
وجنوب السودان، اللتين استقبلتا أعداداً كبيرة من الفارين.
العراق أضخم
مستودع للمخفيين
وفقًا للجنة
الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري، يقدَّر عدد المفقودين في العراق ما
بين 250 ألف ومليون شخص مفقود منذ عام 1968، ما يجعله أحد البلدان التي لديها أكبر
عدد من الأشخاص المفقودين في جميع أنحاء العالم، وتقول الهيئة الدولية للصليب
الأحمر إنها تلقت بلاغات بفقدان 43.293 شخصاً في العراق منذ 2003، وحتى الآن تظل
هناك 26.700 قضية غير محلولة من تلك القضايا.
إلى ذلك، هذا الرقم أعلى بكثير من تقديرات
الحكومة العراقية 16.000 مفقود من جهتها، وسط اتهام منظمة هيومن رايتس ووتش لفصائل
مسلحة باختطاف مئات المدنيين وتغييبهم خلال فترة الحرب مع تنظيم "داعش" وفي 25
آب/ أغسطس كشفت وزارة الخارجية العراقية عن أنّ: "نحو ثلاثة آلاف مواطن "من مختلف
المكونات" مفقودون خارج البلاد".
معرفة مصيرهم
قد يستغرق سنوات
وفي سوريا، وثّقت
اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر من 37 ألف حالة فقدان منذ بداية الثورة، وهذا
العدد لا يعكس سوى جزء ضئيل من العدد الحقيقي للمفقودين في سوريا، كما أشارت إلى أنّ: "الأمر قد يستغرق سنوات لمعرفة مصير المخفيين في سوريا؛ وهو ما يطرح
"تحديا هائلا" بعد أكثر من 13 عاماً من حرب مدمرة".
أما منظمة العفو الدولية
فقدرت وجود أكثر من 100,000 شخص في سوريا في عداد المفقودين، وهو رقم مقارب لما
تحدثت عنه الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي قالت إنَّ نحو 112 ألفاً، بينهم
أكثر من 3000 طفل ونحو 7000 سيدة لا يزالون قيد الاختفاء القسري في سوريا منذ
2011.
روسيا
وأوكرانيا.. مفقودون وجثث بلا هوية
أما في
أوكرانيا وروسيا، فقد رصدت اللجنة الدولية في أحدث تقاريرها أكثر من 154,200 حالة
اختفاء من كلا الجانبين، وهو ما عدته مستوى قياسي خطير منذ اندلاع الحرب، وساهمت
اللجنة، من خلال توفير المعلومات، في مساعدة أكثر من 14,800 عائلة على معرفة مصير
أقاربها أو تأكيد هوية أسرى الحرب، في حين بلغ عدد قتلى الطرفين نحو 110 آلاف شخص.
البحار درب للناجين
وقبر للمفقودين
تشير تقارير
المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود حوالي 281 مليون مهاجر دولي في العالم في عام
2020، مقارنة بـ 128 مليونًا في عام 1990 وأكثر من ثلاثة أضعاف الرقم في عام 1970،
منذ عام 2014، وفقا للمنظمة الأممية، فقد 60253 مهاجرا، من بينهم 28248 فقدوا في
البحر الأبيض المتوسط، فيما لقي أكثر من 10,400 مهاجر حتفهم أو فُقدوا في البحر
أثناء محاولتهم الوصول إلى إسبانيا في عام 2024، وفقا لمنظمة "كاميناندو
فرونتيراس" غير الحكومية، وهي إحصائية قالت منظمات حقوقية إنه أقل من الواقع،
حيث لا يُعثر على العديد من القوارب المفقودة في البحر.
الإخفاء أداة الأنظمة
المستبدة للسيطرة
بشأن
المفقودين والمخفيين، تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر: "لا يوجد تعريف
لمصطلح الشخص المفقود بموجب القانون الدولي، ولكن بالنسبة لها هو كل شخص يحتاج إلى
تحديد مكانه لأسباب خارجة عن إرادته".
وأوضحت اللجنة
أسباب الارتفاع الهائل في عدد المدنيين المفقودين في بعض المناطق خلال العقود
الأخيرة مثل "غزة والبوسنة والهرسك ورواندا وسوريا والعراق وأوكرانيا"،
مشيرة إلى التحول غير العادي في مجال النزاعات المسلحة الحديثة، فيما قارنت كيف
يتم الإبلاغ عن مقتل 10 مدنيين مقابل كل مقاتل قُتل في الحروب التي اندلعت منذ
منتصف القرن العشرين، فيما كانت النسبة تسعة قتلى من المقاتلين مقابل كل مدني
يُقتل في الحرب العالمية الأولى، متهمة الأنظمة الاستبدادية استخدام ممارسة الإخفاء
القسري كأداة للسيطرة الاجتماعية والسياسية.
"غيابهم يؤلم
عائلاتهم"
من مقرها في
قصر قديم بجنيف، تواصل فرق الوكالة المركزية للمفقودين التدقيق في الوثائق وإجراء
الاتصالات للعثور على الأشخاص، وبموجب القانون الدولي الإنساني، يبقى للعائلات
الحق في معرفة مصير أحبائها، فيما يقع على عاتق الدول واجب توفير هذه الإجابات متى
توفرت.
وقالت اللجنة: "لنتذكر أن وراء كل رقم أما أو
أبا أو طفلا أو شقيقا يترك غيابهم جرحا لا يمكن للأرقام أن تعبّر عنه، محملة الدول
وأطراف النزاعات المسلحة المسؤولية الأولى عن منع حالات الاختفاء، والكشف عن مصير
المفقودين، وتقديم الدعم للأسر".