دعا مفوض
الأمم المتحدة
السامي لحقوق الإنسان، فولكر ترك، السلطات
المصرية إلى "وضع حد لممارسة تسمح باحتجاز
منتقدي الحكومة، تعسفيا ولفترات طويلة، حتى بعد قضائهم مدة عقوباتهم أو بلوغهم الحد
الأقصى للاحتجاز الاحتياطي"، مؤكدا أن هذه الاستراتيجية - التي أصبحت تُعرف باسم
(التدوير) - استهدفت المدافعين عن
حقوق الإنسان، والنشطاء، والمحامين، والصحفيين، والمتظاهرين
السلميين، والمعارضين السياسيين.
وقال المفوض السامي،
في بيان أصدره الثلاثاء الماضي: "يجب على الحكومة المصرية أن توقف فورا هذه الممارسة
المسماة بالتدوير، وأن تطلق سراح جميع من خضعوا لها"، منوها إلى أن هذه
الممارسة "يبدو أنها تُستخدم للتحايل على حقوق الأفراد في الحرية والإجراءات القانونية
الواجبة والمساواة أمام القانون".
وتتضمن هذه الممارسة،
وفقا لمفوض حقوق الإنسان الأممي، توجيه السلطات تهما جديدة للأفراد عندما يوشكون على
إكمال مدة عقوبتهم في السجن أو عندما يصلون إلى الحد الأقصى للفترة القانونية للاحتجاز
الاحتياطي، مما يحول دون إطلاق سراحهم.
وشدّد مفوض الأمم المتحدة
السامي لحقوق الإنسان، على ضرورة "أن تضمن السلطات المصرية عدم استخدام الإجراءات
القانونية، وبشكل خاص تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب أو غيرها من القوانين الجنائية،
لمعاقبة الأفراد على ممارسة حقوقهم الإنسانية الأساسية"، موضحا أن "هذه الممارسة
بمثابة أداة تستخدمها الحكومة المصرية لقمع مَن يُنظر إليهم على أنهم منتقدون لسياساتها
أو معارضون لها".
وفي هذا الإطار،
أجرت "عربي21" مقابلة خاصة مع المتحدث باسم مفوضية
الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ثمين الخيطان، والذي أعرب عن شعوره بالقلق
العميق إزاء ممارسة "التدوير"، والتي باتت السلطات المصرية تلجأ إليها
على نطاق واسع خلال السنوات الماضية في القضايا ذات الدوافع السياسية.
وأوضح الخيطان أن
"ممارسة (التدوير) تنتهك الضمانات الدستورية والقانونية المحلية، كما تنتهك التزامات مصر الدولية في مجال حقوق
الإنسان، ولا سيما بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لأنها تؤدي
إلى احتجاز تعسفي لأجل غير مسمى، وتقوض الحق في محاكمة عادلة واستقلال القضاء، وتُشكّل
إساءة استخدام للإجراءات القانونية".
وكشف المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية
لحقوق الإنسان، أن لديهم "برنامج تعاون تقني مشترك مع مصر
سمح بفتح قنوات للحوار حول مختلف المواضيع المتعلقة بحالة حقوق الإنسان، بما في ذلك
مسألة التدوير. وقد أثرنا هذه المسألة عبر القنوات الخاصة والعلنية، ونأمل أن تتخذ
السلطات المصرية إجراءات لوضع حد لهذه الممارسة في أقرب وقت ممكن".
وحول السبل
الناجعة لإجبار النظام المصري على وقف انتهاكاته المتواصلة لحقوق الإنسان، قال
الخيطان: "مع انخراط كل الجهات المعنية على أعلى المستويات، ومع المزيد من الدفاع
عن حقوق الإنسان، ورفع القدرات المؤسسية، هناك فرص لمواصلة تعزيز حقوق الإنسان في مصر".
وزاد: "يمكن أن
تتم الاستفادة من العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف لتصويب المسار (الحقوقي في
مصر). وفي الوقت عينه، يجب أن تستمر منظمات المجتمع المدني في إيصال أصوات الضحايا،
وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وزيادة الوعي لحشد الجهود ومعالجة الانتهاكات"،
متابعا: "لقد دعونا السلطات المصرية مرارا وتكرارا إلى الإفراج عن جميع الأفراد
المحتجزين لممارستهم السلمية لحقوقهم الإنسانية".
واستطرد المتحدث باسم
مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، قائلا: "نعلم أن ما يمر به الضحايا
وعائلاتهم مؤلم ومحبط وظالم للغاية. لا ينبغي لأحد أن يعيش في حالة من عدم اليقين والخوف
والظلم بسبب الاحتجاز السابق للمحاكمة الذي لا نهاية له".
وتاليا
نص مقابلة "عربي21" مع المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق
الإنسان:
كيف تقيّمون
ظاهرة «التدوير» التي يتعرّض لها العديد من المعتقلين السياسيين في مصر؟
نحن نشعر بقلق عميق إزاء ممارسة "التدوير" التي تسمح
باحتجاز منتقدي الحكومة بشكل تعسفي ولفترات طويلة، حتى بعد انقضاء عقوباتهم أو انتهاء
فترة الحبس الاحتياطي القصوى. وقد استُهدف مدافعون عن حقوق الإنسان ونشطاء ومحامون
وصحافيون ومتظاهرون سلميون ومعارضون سياسيون بهذه الممارسة.
يقوم "التدوير"
على توجيه السلطات لتهم جديدة ضد الأفراد عندما يكونون على وشك إكمال عقوباتهم السجنية
أو عند بلوغهم أقصى مدة قانونية للاحتجاز السابق للمحاكمة، وبالتالي يحول ذلك دون إطلاق
سراحهم. وعادة ما توجه هذه التهم الجديدة بموجب قوانين "مكافحة الإرهاب"،
وتكون غالبا مشابهة لتلك التي سبق أن اتُهموا أو أدينوا بها، وتفتقر في الغالب إلى
أساس موضوعي.
ما أبرز
الانتهاكات القانونية والحقوقية المترتبة على ممارسة «التدوير» بحق المعتقلين السياسيين؟
لم يكن ينبغي في الأصل
احتجاز أو سجن معظم الأشخاص المُستهدفين بممارسة التدوير، لأن التهم الموجهة إليهم
غالبا ما تتعلق بممارستهم لحقوقهم المشروعة في حرية التعبير والتجمع السلمي. وقد أصبحت
هذه الممارسة أداة تستخدمها الحكومة المصرية لقمع مَن تعتبرهم منتقدين لسياساتها أو
معارضين لها. كما أنها تستخدمها للتحايل على حقوق الأفراد في الحرية والمحاكمة العادلة
والمساواة أمام القانون.
إلى أي مدى
يتعارض «التدوير» مع الدستور المصري والمواثيق الدولية التي صادقت عليها مصر؟
تنتهك ممارسة "التدوير"
الضمانات الدستورية مثل الحق في الحرية. هي ممارسة غير مشروعة تستخدمها السلطات المصرية
عادة للتحايل على القيود القانونية المفروضة على مدة احتجاز المعتقلين دون محاكمة،
كما ينص على ذلك قانون الإجراءات الجنائية المصري.
تنتهك ممارسة التدوير
كذلك التزامات مصر الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما بموجب العهد الدولي الخاص
بالحقوق المدنية والسياسية، لأنها تؤدي إلى احتجاز تعسفي لأجل غير مسمى، وتقوض الحق
في محاكمة عادلة واستقلال القضاء، وتُشكّل إساءة استخدام للإجراءات القانونية.
ما الآثار
النفسية والاجتماعية التي تخلّفها هذه الممارسة على المعتقلين وأُسرهم؟
هذه الممارسة لا تنطوي
على آثار قانونية فقط، بل تسبّب أضرارا اجتماعية ونفسية عميقة للضحايا وأسرهم؛ إذ يقعون
في دوامة لا نهاية لها، مما يولّد حالة من عدم اليقين والقلق والشعور باليأس.
ما انعكاسات
استمرار «التدوير» على صورة مصر داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؟
خضعت مصر هذا العام
الجاري لمراجعة مجلس حقوق الإنسان من خلال الاستعراض الدوري الشامل (UPR). وتلقت 343 توصية لتحسين حالة حقوق الإنسان
في البلاد، وأيدت مصر الغالبية العظمى منها، وقد تم التطرق إلى مسألة "التدوير"
بشكل صريح في العديد من التوصيات التي دعت مصر إلى إنهاء هذه الممارسة، ووضع حد للإفراط
في استخدام الحبس الاحتياطي، وضمان التوافق مع حقوق المحاكمة العادلة.
الخطوة الأولى في حل
أي مشكلة هي الاعتراف بوجودها، وإلا فلن تتمكن الدولة من معالجة هذه الممارسة غير المشروعة.
هل تواصلت
المفوضية بشكل مباشر مع الحكومة المصرية لمناقشة ملف «التدوير»؟ وإن كان نعم، فما طبيعة
رد السلطات؟
لدينا برنامج تعاون تقني مشترك مع مصر سمح
بفتح قنوات للحوار حول مختلف المواضيع المتعلقة بحالة حقوق الإنسان، بما في ذلك مسألة
التدوير. وقد أثرنا هذه المسألة عبر القنوات الخاصة والعلنية، ونأمل أن تتخذ السلطات
المصرية إجراءات لوضع حد لهذه الممارسة في أقرب وقت ممكن.
كيف تنظرون إلى استمرار احتجاز
شخصيات بارزة مثل علاء عبد الفتاح وهدى عبد المنعم وإبراهيم متولي ومحمد عادل وغيرهم؟
وهل هناك سبيل عملي لإطلاق سراحهم؟
لقد دعونا السلطات المصرية مرارا وتكرارا
إلى الإفراج عن جميع الأفراد المحتجزين لممارستهم السلمية لحقوقهم الإنسانية. وقد أصدرنا
بيانات في قضية
علاء عبد الفتاح، دعونا فيها إلى الإفراج الفوري عنه.
هل لديكم
إحصاءات أو تقديرات تقريبية لعدد المحتجزين بسبب هذه الممارسة؟
نحن نتابع عن كثب عددا
من حالات "التدوير"، وتشير الدلائل إلى أن هذه الممارسة مُستخدمة على نطاق
واسع في قضايا ذات دوافع سياسية. غير أن نقص الشفافية في مثل هذه القضايا يجعل من الصعب
تقييم حجم المشكلة بالكامل.
ما دور آليات
الأمم المتحدة الخاصة، مثل المقررين الخاصين المعنيين بالاعتقال التعسفي والتعذيب،
في متابعة مثل هذه الانتهاكات؟
الآليات الخاصة تتشكّل
من خبراء مستقلين يعينهم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وقد أرسل عدد منهم
رسائل إلى مصر يطلبون فيها توضيحات أو يحثون على الإفراج الفوري، مع تسليط الضوء على
إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لاعتقال منتقدي الحكومة، فضلا عن الدعوة إلى إنهاء
ممارسة التدوير.
برأيكم،
ما السبل الفاعلة لإجبار السلطات المصرية على وقف ظاهرة «التدوير»؟ وكيف يمكن للمجتمع
المدني والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية التعاون مع المفوضية للتصدي لها؟
مع انخراط كل الجهات
المعنية على أعلى المستويات، ومع المزيد من الدفاع عن حقوق الإنسان، ورفع القدرات المؤسسية،
هناك فرص لمواصلة تعزيز حقوق الإنسان في مصر. يمكن أن تتم الاستفادة من العلاقات الثنائية
ومتعددة الأطراف لتصويب المسار (الحقوقي في مصر). وفي
الوقت عينه، يجب أن تستمر منظمات المجتمع المدني في إيصال أصوات الضحايا، وتوثيق انتهاكات
حقوق الإنسان، وزيادة الوعي لحشد الجهود ومعالجة الانتهاكات.
ما رسالتكم
للضحايا وعائلاتهم الذين يواجهون الإحباط واليأس نتيجة استمرار هذه الممارسات؟
نعلم أن ما يمر به
الضحايا وعائلاتهم مؤلم ومحبط وظالم للغاية. لا ينبغي لأحد أن يعيش في حالة من عدم
اليقين والخوف والظلم بسبب الاحتجاز السابق للمحاكمة الذي لا نهاية له.
أخيرا، كيف
ترون مستقبل أوضاع حقوق الإنسان في مصر في ضوء هذه المعطيات الراهنة؟
على مدى السنوات الأربع
الماضية، بذلت مصر جهودا سياسية متضافرة لتعزيز حقوق الإنسان وإحراز تقدم في هذا المجال.
وشمل ذلك تعزيز المشاركة في منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ولا سيما من خلال
برنامج للتعاون التقني مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
وقد لقي إطلاق أول
استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان في مصر (2021-2026)، التي تحدد أهدافا ملموسة في مجالات
الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ترحيبا واسعا. وبناءً
على هذا التقدم، يمكن للحكومة اتخاذ تدابير إضافية بما يتماشى مع توصيات آليات الأمم
المتحدة لضمان الحماية الكاملة لحقوق الإنسان واحترامها على المستوى الوطني.