هذه
زيارتي الثالثة إلى
الهند، وما زالت هذه البلاد قادرة على إدهاشي، لا بجمال
طبيعتها وحده، بل بما تثيره في النفس من مشاعر وأسئلة، بعضها يأتي هادئاً كنسمة
عابرة، وبعضها يقتحم السكون دون استئذان.
في
رحلتنا الأخيرة إلى جنوب الهند، كانت زوجتي رفيقة الطريق والمشاهدات، وكان شهاب
الدين، سائقنا الهندي الجميل، رفيق الدروب الجبلية المتعرجة، يقودنا بهدوء بين
القرى والغابات وحقول الشاي الممتدة على مد البصر.
تنقلنا
بين مونار وتيكادي في ولاية كيرلا، وكودايكانال في ولاية تاميل نادو، التي ارتبطت
تاريخياً باسم مدراس. كنا نصعد الجبال ونهبط منها، ونعبر الحقول والغابات، وتحيط
بنا خضرة طاغية، وأشجار باسقة، وضباب ينساب بين المرتفعات، وحياة تنبض في كل اتجاه.
لم أكن أبحث عن أفكار أو أفتش عن حكم ومعانٍ، كنت أترك نفسي لجمال المكان وعظمة
الطبيعة وبكارتها، وأستأنس بصحبة زوجتي وأحاديث الطريق، غير أن بعض المشاهد كان
يوقظ في النفس ما لم أستدعه، وكأن للطبيعة حضوراً لا تكتفي معه بأن تراها العين،
بل يمتد أثرها إلى القلب والوجدان. كنت أشعر أحياناً أنني لست زائراً يراقب هذا
العالم من خارجه، بل كائن صغير يتحرك في رحاب وجود واسع، يشاركه الحركة والسكون،
ويغمره الإحساس بأن هذا الكون كله قائم بأمر الله، يسبح بحمده، وإن كنا لا نفقه
تسبيحه.
وفي
إحدى رحلاتنا الطويلة بالسيارة، ونحن نعبر مناطق ولاية تاميل نادو، كانت المعابد
والتماثيل والرموز الدينية تتوالى أمامنا، ويبدو التدين حاضراً في كثير من تفاصيل
الحياة اليومية. وبين هذه المشاهد، ودون مقدمات، اقتحم عليّ سؤال لم أكن أبحث عن
إجابته: لماذا لم يُبعث النبي محمد ﷺ في الهند، هذه البلاد الشاسعة ذات التاريخ
الديني العميق والكثافة البشرية الهائلة؟ طرحتُ
السؤال على زوجتي، ومضى الحديث بيننا بينما كان شهاب الدين يواصل القيادة وسط
القرى والحقول.
فالهند
عالم ديني وثقافي بالغ التنوع، تتجاور فيه تقاليد روحية وفلسفية عريقة، وتظهر
آثارها في المعابد والأعياد والفنون، وفي جوانب من الحياة اليومية. ومن المشاهد
التي استوقفتني خلال زياراتي حضور صور متعددة من التبجيل والتقديس، سواء ارتبطت
بأشخاص أو كائنات أو رموز دينية، وهي صور تختلف دلالاتها من تقليد إلى آخر. وفي
بعض التصورات الفلسفية الهندوسية، تتجلى الحقيقة الإلهية العليا، أو "براهمان"،
في صور متعددة، وإن اختلفت المدارس الهندوسية في فهم هذه الحقيقة وعلاقتها بالعالم.
ولا يمكن بالطبع اختزال هذا التراث الديني الواسع في تصور واحد.
ومن
هذه الأجواء مر بخاطري افتراض يتعلق بمكان البعثة؛ فلو بُعث النبي محمد ﷺ في بيئة
دينية ذات تقاليد راسخة في تقديس بعض الشخصيات والرموز، فهل كان يمكن أن تتخذ
محبته عند بعض أتباعه صوراً تتجاوز مقام النبوة إلى التأليه؟ لم يكن السؤال حكماً
على المجتمع الهندي أو على معتقداته، وإنما خاطراً عابراً عن علاقة الإنسان
بالمقدس، وعن الحدود الدقيقة بين المحبة والتعظيم والعبادة، وهي قضية عرفتها تجارب
دينية وثقافية متعددة واستدعى هذا الخاطر إلى القلب قول الله تعالى: "اللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ" ومع امتداد الطريق، حضرت صورة مكة
والحجاز، تلك المنطقة الصحراوية الواقعة بين حضارات عظيمة؛ الفرس والروم ومصر
والحبشة، قريبة من طرق التجارة والتواصل بين الأمم، لكنها بعيدة نسبياً عن الهيمنة
المباشرة للمؤسسات الدينية والفلسفية للإمبراطوريات الكبرى. ولم تكن الجزيرة
العربية خالية من الوثنية أو المعتقدات المتعددة، بل كانت الأصنام حاضرة بقوة في
حياة الناس. ومع ذلك، فإن خصوصية موقعها وطبيعتها الاجتماعية والثقافية تفتح باباً
للتأمل في الظروف التي انطلقت منها الرسالة الخاتمة، حاملة دعوة إلى التوحيد
الخالص، وإلى تحرير الإنسان من عبادة الإنسان. ولعل من المعاني التي تلوح هنا أن
الإسلام وضع للمحبة والتعظيم ميزاناً دقيقاً؛ فالنبي ﷺ، على عظيم مقامه، عبد الله
ورسوله، لا يُعبد من دون الله. وظل هذا الخاطر يرافقني بعض الوقت، قبل أن يهدأ في
رحابة قوله تعالى: "الله أعلم حيث يجعل رسالته".
ولم
تكن صور التقديس بعيدة عن مشاهد الطريق نفسه؛ فالأبقار التي تتحرك بحرية في بعض
الطرقات كانت تعيدنا بين الحين والآخر إلى الحياة اليومية، حيث تتداخل المعتقدات
مع أبسط التفاصيل. قد تجد بقرة تقف وسط الطريق، فتتوقف السيارات انتظاراً لها،
وكأنها صاحبة الحق الأول في المرور! وقد تراها تستريح أمام متجر، أو تتجول بين
الناس في اطمئنان عجيب. كنت أبتسم أحياناً وأنا أرى شهاب الدين يخفف السرعة، منتظراً
بقرة قررت أن تتوقف حيث شاءت، دون أن تعبأ بالسيارات أو أصحابها. للبقرة مكانة
دينية وثقافية خاصة في تقاليد هندوسية عديدة، تتصل بمعاني الاحترام والعطاء
والحياة، وإن اختلفت الممارسات والنظرة إليها بين المناطق والجماعات.
ومن
هذا المشهد انفتحت في الذاكرة صورة بعيدة من غرب السودان، من دارفور، حيث رأيت
البقرة في سياق اجتماعي مختلف. هناك، في بعض المجتمعات الرعوية، ليست البقرة مجرد
حيوان ينتفع الناس بلبنه ولحمه، بل هي أيضاً عنوان للجاه والمكانة الاجتماعية، وقد
ترتبط مكانة الرجل أو الجماعة بعدد الأبقار التي يملكونها، وتصبح الماشية جزءاً من
الاعتبار الاجتماعي والهوية. ثم حضرت الصورة الأوروبية، حيث تبدو البقرة في أنظمة
الإنتاج الحديثة مورداً اقتصادياً مهماً، تقوم عليه صناعات الألبان والغذاء
والجلود وغيرها. وهكذا تداخلت أمامي ثلاث صور لحيوان واحد؛ البقرة في بعض التقاليد
الهندية موضع تبجيل، وفي مجتمعات رعوية بدارفور رمز للجاه والمكانة، وفي أنظمة
الإنتاج الأوروبية مورد اقتصادي وثروة إنتاجية.
والبقرة
هي البقرة!
لم
تتغير طبيعتها، وإنما اختلفت المعاني التي أحاطها بها الإنسان. فالناس لا يتعاملون
مع الأشياء وفق طبيعتها المادية وحدها، بل وفق ما تمنحه لها الثقافة والعقيدة
والعادات من دلالات. وقد يحمل الكائن الواحد معاني دينية واجتماعية واقتصادية
متعددة، تتجاور أحياناً داخل المجتمع نفسه. بينما كان الإنسان يمنح الكائنات من
حوله هذه المعاني المتنوعة، كانت الطبيعة تمضي في حياتها الخاصة، بعيداً عن
تصنيفاتنا وتصوراتنا.
وفي
الطريق بين مونار وكودايكانال، وسط الجبال والحقول والغابات، جاء مشهد صغير كأنه
يفتح نافذة أخرى على هذا العالم الحي. استغرقت الرحلة نحو سبع ساعات بالسيارة، وفي
إحدى الاستراحات الصغيرة توقفنا قليلاً. كان خلف المقهى فضاء أخضر يمتد نحو
الأشجار والحقول، وبينما كنت أستمتع بهدوء المكان، لفت نظري غراب أسود يتحرك بصعوبة
بدا أن جناحه الأيسر مصاب، فلم يكن قادراً على الطيران. كان يمشي متثاقلاً، يلتقط
بعض حبات الطعام المتناثرة على الأرض، ثم يتوقف قبل أن يواصل حركته كان في المشهد
شيء من الألم والرقة معاً، خصوصاً أن الناس من حوله تركوه في سلام، فلم أرَ أحداً
يطارده أو يؤذيه.
وأعاد
هذا المشهد إلى ذهني صوراً أخرى رأيتها خلال الرحلة لحيوانات وطيور تعيش على مقربة
من الناس، في مساحة من الألفة بين الإنسان والكائنات المحيطة به. ثم تحرك الغراب
المصاب نحو جذع شجرة قريبة، وفجأة هبط غراب آخر، يشبهه في الحجم واللون، واقترب
منه، وبدأ يقدم له الطعام. توقفت مأخوذاً بالمشهد، وأشرت إلى زوجتي لتراه معي. غراب
سليم يطعم غراباً جريحاً! يا الله، ما أجمل هذه الرحمة! لا أعرف إن كان الغرابان
من أسرة واحدة، ولا طبيعة العلاقة بينهما، لكن المشهد في بساطته كان مفعماً
بالرقة؛ كائن مصاب يتحرك في ألم، وكائن آخر يقترب منه ويقدم له الطعام. بقيت أراقب
الغرابين قليلاً، ثم واصلنا رحلتنا، وظل المشهد حاضراً في الذاكرة، وسط ما أحاط
بنا من جمال الغابات واتساعها.
وكانت
الغابات، بما فيها من حياة تتجاوز ما تدركه العين، تواصل حضورها في أيام الرحلة. فهناك
عالم كامل يتحرك وينبض من حولنا، لا نعرف من أسراره إلا القليل، ولا نرى من
علاقاته إلا ما تسمح به لحظة عابرة، كالمشهد الذي جمع الغرابين عند جذع الشجرة. وفي
أحد الصباحات، خرجتُ إلى شرفة الفندق، وجلست أمام الغابات الممتدة على مد البصر. كانت
الخضرة طاغية على المكان، والأشجار تتزاحم في هدوء مهيب، والطيور تنتقل بين
الأغصان، فيما تتصاعد أصواتها من جهات مختلفة كان المشهد بالغ الجمال. لم أكن أبحث
عن فكرة، بل كنت مأخوذاً بهذا العالم الأخضر، وبالحياة التي تنبض في كل ورقة وغصن
وزهرة. وفي غمرة هذا السكون حضرت في القلب الآية الكريمة: "وَإِنْ مِنْ
شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً". وكأن الآية جاءت من قلب المشهد نفسه، لا
من خارجه الأشجار التي تتمايل، والطيور التي تتنقل، والأزهار التي تتفتح، وكل هذا
الوجود الحي من حولي، يسبح بحمد الله، وإن كنا لا نفقه تسبيحه؛ وتوقفت في نفسي
عبارة "ولكن لا تفقهون تسبيحهم"، فمر بي سؤال لم أكن أتوقعه: لماذا لا
نفقه هذا التسبيح؟ أليس في سماع الأشجار والطيور والأزهار وهي تسبح الله ما يبعث
على الخشوع ويزيد الشعور بعظمة الخالق؟
ثم
توالت الصور في الخيال؛ أن يمد الإنسان يده ليقطف زهرة، فيسمعها تسبح الله، أو
يريد أن يقطع شجرة لحاجة من حاجات حياته، فيسمع منها ذكراً لا ينقطع، أو يستيقظ
ليلاً فيجد كل ما حوله يسبح بأصوات تسمعها أذناه. وربما كان إدراكنا الدائم لهذا
التسبيح سيجعل كثيراً من شؤون حياتنا أكثر مشقة، ويثقل على نفوسنا الانتفاع
بالكائنات التي سخرها الله لنا، وربما افتقدنا شيئاً من الهدوء الذي نحتاجه لننام
ونعمل ونعيش. وهنا فاض في النفس معنى لطيف؛ لعل من رحمة الله بنا أن جعل كل شيء
يسبح بحمده، لكنه لم يجعلنا نفقه كل تسبيحه. لا أقول إن هذه هي الحكمة الإلهية
القطعية، وإنما هو خاطر مر بي وأنا مأخوذ بجمال الغابة وعظمتها. وربما كان بعض ما
حجبه الله عن إدراكنا رحمة بنا، كما أن بعض ما كشفه لنا هداية ورحمة.
مضت
أيام الرحلة بين الجبال والحقول والغابات، وبين أحاديث الطريق مع زوجتي، وهدوء
شهاب الدين وهو يقودنا من مكان إلى آخر. لم تكن تلك
الخواطر حصيلة بحث مرتب، ولا
محاولة لاستخراج حكمة من كل مشهد، وإنما معانٍ فاضت في النفس، وأخرى اقتحمتها فجأة.
فمن صور المقدس التي يمنحها الإنسان للأشياء، إلى المعاني التي تختلف باختلاف الثقافات،
ثم إلى الرحمة التي لمحتها بين طائرين، وصولاً إلى تسبيح الكون الذي لا نفقهه،
كانت المشاهد تتداخل دون ترتيب، وتتسع معها مساحة التأمل في هذا الوجود العظيم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.