احتفل بعض
اليسار العربي في نسخته التونسية بفوز الرئيس لولا بدورة رئاسية
رابعة في
البرازيل، وعبّر عن انتمائه لليسار العالمي، ناسبا نفسه إلى خط لولا دا
سيلفا. وقد دأب هذا اليسار منذ عرفناه في السبعينيات على رفع صورة تشي غيفارا
وتمجيد الثورة العالمية بصفته جزءا أصيلا منها. ونحن نكتب هنا شكنا في انتماء
اليسار العربي (في نسخته التونسية على الأقل) لهذا الخط النضالي المعادي فعلا
للإمبريالية والمنافح فعلا عن حقوق الشعوب.
لقد بنينا هذه الشكوك على ما عايناه من مواقف وانحيازات اليسار التونسي بعد
الربيع العربي إلى صف منظومات الحكم الساقطة، وخدمتها خدمة جعلت تنزيل شعارات
الربيع على الأرض عسيرة. لذلك نصنفه يسارا للسلطة يؤدي وظيفة محددة ونسميه اليسار
الوظيفي، مقابل وصف خط يسار أمريكا اللاتينية ولولا في القلب منه بيسار التاريخ،
ونقيم بذلك ميزانا للقول يجعل من يقف في خط لولا
دا سيلفا يسارا وإن لم يعلن
يسارية أيديولوجية.
يسار واحد وأولويات مختلفة
نصنفه يسارا للسلطة يؤدي وظيفة محددة ونسميه اليسار الوظيفي، مقابل وصف خط يسار أمريكا اللاتينية ولولا في القلب منه بيسار التاريخ، ونقيم بذلك ميزانا للقول يجعل من يقف في خط لولا دا سيلفا يسارا وإن لم يعلن يسارية أيديولوجية
انتبهنا وفي وقت مبكر تحت تأثير الثورة الساندينية إلى اختلاف عميق في الانشغالات،
ورأينا أوليات مختلفة بين يسار تونسي نعايشه وعربي نقرأ له، ويسار لاتيني نتابع
أخباره من بعيد ولكن بحماس كبير. وكان المنبه الأكبر للاختلاف في تلك التحالفات
(التي بدت لنا غريبة) بين مناضلي اليسار وفيهم من يحمل السلاح، وبين رجال الكنيسة
اللاتينية يدعمون ويحمون المقاتل اليساري وفي ردهات كثيرة يشاركونه المعارك
المسلحة. كيف قام هذا التحالف بين يساري ملحد وبين رجل كنيسة يكفّر من ينكر الأديان
ويراها أفيون الشعوب؟ وكان السؤال الذي يتردد في حلقات النقاش الجامعية وفي كتابات
كثيرة: كيف أمكن لطرفي التحالف هناك ركنُ هذا الاختلاف الجذري والالتقاء في معركة
واحدة ضد عدو واحد تبين أنه عدو مشترك لكليهما؟
هذا الترتيب قطع الطريق على خلاف مماثل غرق فيه اليسار العربي، إذ قدَّم
محاربة الرجعية الدينية على محاربة الإمبريالية -موضوعه المفضل نظريا- فصرف جهدا
جبارا في معركة حارب فيها مماثليه الاجتماعيين، متخليا عن الحرب التي ينظّر لها
ويعيش منها، وهي المعركة ضد الإمبريالية والأنظمة التابعة لها والتي طالما صنفها
كمبرادور أو أنظمة عميلة وكثيرا ما وصمها بالخيانة.
في نقاشات كثيرة وفي كتابات منشورة كان هناك سؤال يتكرر: ما هو الفرق بين
يساري وصف نفسه بالتقدمية وإسلامي منعوت بالرجعية لجهة المنحدرات الاجتماعية؟
فالصفان واحد، قدم كلاهما من القاع الاجتماعي واتخذا المصعد الاجتماعي المتاح
ليتعلما ويترقيا ويناضلا من أجل مطالب ذات جوهر موحد: العدالة والإنصاف والكرامة
والاستقلال بما هو كسر لوضع التبعية والإلحاق الحضاري.
لم يجب اليساري على السؤال ولم يسمح للإسلامي طيلة أكثر من نصف قرن بتقديم إجابته،
إذ ظل يتنقل بين السجون أو مرابطا في المحاكم. غني عن القول أن هذه المعركة
استنزفت وقتا وطاقات لا يمكن تقديرها، ولكنها في كل ردهاتها أدت مهمة رغبت السلط
الحاكمة فيها وعملت على تعميق الشرخ كلما رأته يخبو أو تظهر فجوات حوار بين طرفيه.
ولذلك ظل سؤال آخر يعود كلما فتح باب النقاش: على أي أساس من الماركسية (والفكر
اليساري) عامة بنى اليساري العربي (والتونسي عينة دليلة منه) تحالفاته مع السلطة
ضد الأحزاب الإسلامية التي هي في خطابه جوهر الرجعية الدينية؟ ولماذا ظل يمجد
اليسار اللاتيني رغم أنه كان يتابع تحالفه المنتج مع الكنيسة اللاتينية التي
ستكتسب نعتا كونيا وهو لاهوت التحرر؟
الربيع العربي أعاد توضيح الصورة
ثورة الربيع العربي التي انطلقت من تونس لم تكن من إنجاز اليسار ولا من
إنجاز الإسلاميين، لكن الطرفين انخرطا فيها وأثّرا في مخرجاتها بمقادير مختلفة.
ولوهلة ظننا أن المختلفَين اتفقا على عمل مشترك تحت سقف الديمقراطية التمثيلية،
فقد خرجت فكرة التأسيس (انتخابات مجلس تأسيسي) من اليسار وسار فيها إسلاميو تونس
بلا أي اعتراض. لكن صناديق الاقتراع قدمت الإسلاميين في أول انتخابات حرة فظهر
الخلاف من جديد، وقبل اكتمال الدستور أعاد اليسار تحالفه مع منظومة الحكم الساقطة
ممثلة في حزب نداء تونس وربح معه انتخابات 2014، ومنع بقوة تكملة الهيئات
الدستورية وخاصة بناء المحكمة الدستورية والتي للغرابة رشح لها الإسلاميون مناضلا
يساريا عُرف عنه انفتاحه وتعامله الديمقراطي مع الإسلاميين، وهو العياشي الهمامي (الذي
يقبع الآن في السجن)، بينما رشح لها اليسار حقوقية تنحدر من ارستقراطية المدن التي
طالما نعتها اليسار بالخيانة الطبقية.
ولقد كتبنا ولن نمل من تكرار ذلك أن هذا التحالف بين مجموعات اليسار وبين
مكونات الأنظمة التي أسقطها الربيع هو الذي أفرغ الربيع العربي من زخمه وقطع طريق
اكتمال بناء المؤسسات الديمقراطية، فكانت الردة التي تعيش المنطقة. وهنا تظهر
المفارقة بين الوظيفي والتاريخي من تيارات اليسار؛ كيف يمكن ليساري يمجد يساريته
ولا تزال نجمة غيفارا فوق رأسه في المظاهرة، أن يقف ضد الديمقراطية والحرية ويحرض
عليهما ويحتفل في ذات الوقت بيسار أمريكا اللاتينة ممثلا في لولا دا سيلفا؟
نحتكم إلى الوقائع على الأرض
لا نصدق حماس اليسار التونسي وهو يحتفل بدا سيلفا، ونصف حماسه بالاستبضاع الأيديولوجي. إنه يحاول الاستيلاء على شرعية نضالية ليست له مغطيا بذلك وظيفيته في خدمة الأنظمة، إنه ينافق الشارع وينافق شركاءه في الوطن لكنه لا يفلح في تغطية دوره رغم الضجة والأنخاب
لا نصدق حماس اليسار التونسي وهو يحتفل بدا سيلفا، ونصف حماسه بالاستبضاع
الأيديولوجي. إنه يحاول الاستيلاء على شرعية نضالية ليست له مغطيا بذلك وظيفيته في
خدمة الأنظمة، إنه ينافق الشارع وينافق شركاءه في الوطن لكنه لا يفلح في تغطية
دوره رغم الضجة والأنخاب.
وعلى الخلاف منه احتفل إسلاميون بدا سيلفا ورأوا فيه -بقراءتهم- تجسيدا
لإسلامهم المكافح. فالرجل يحقق العدل بطريقته ولا يقف عند فكرة تناقض العدل مع
التدين، وهو إذا ينافح عن الحرية يفسح لمثلهم (نظريا) أن يكون شريكا في بناء تجربة
وطنية. وهو طموحهم الذي طالما أعلنوه أن يكونوا شركاء في أوطانهم.
مع أسفنا لعدم التمكن من معطيات (انتخابية) تفصيلية عن موقع الكنيسة في
البرازيل بالنظر إلى حواجز اللغة، فإننا لم نعثر على معارضة كنسية لدا سيلفا أو انحيازا
صريحا لليمين الذي خسر. فالمرجح عندنا أن كنيسة البرازيل لم تعارض دا سيلفا أو
لعلها وقفت في صفه وقوفا صريحا، وقبل اليساري ذلك وربما اعتمد عليه اعتمادا صريحا
ولم يشعر بالعار.
ونختصر بأن اليسارية الحقيقية هي الوقوف مع دا سيلفا من داخل الكنيسة أو من
داخل المسجد، فليس دا سيلفا إلا تجسيد لمبادئ الربيع العربي في مكان آخر (غير عربي)،
بما يجعل من الربيع ثورة عالمية ضد الإمبريالية بما يتاح من وسائل منها الصندوق
الانتخابي، ومن ذلك غزة التي وقف دا سيلفا بوصفه يسار التاريخ في صفها في كل منبر متاح، بينما خوّن اليسار العربي معركتها واصفا إياها بمناورات الرجعية العربية (الإخوانية). وفي أرشيفنا موقف منشور ليساري
تونسي يصف عرض صور شهداء غزة في الإعلام بالبرنوغرافيا السياسية. لقد عرف كل أناس
مشربهم وكتاب التاريخ مفتوح.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.