عرس بلا عروسة.. والوفد يبكي على أطلاله

يوسف عبد اللطيف
"رئاسة الحزب نفسها اتحسمت في يناير بفارق تمانية أصوات"- عربي21
"رئاسة الحزب نفسها اتحسمت في يناير بفارق تمانية أصوات"- عربي21
شارك الخبر
لا أكتب هذه السطور خصما للوفد، بل واحدا من أبنائه الذين تربوا على سيرة مدرسته الوطنية. من يحب بيتا لا يجامله في الحديث عن شقوقه، فلا يولد الوقوف على الأطلال من ضعف، بل من فائض حب ووعي؛ حب يأبى أن يطويه النسيان، ووعي يسأل عن حال البيت قبل أن يسدل عليه الستار.

يوم الجمعة (30 تشرين الأول/أكتوبر 2026) جرت انتخابات الهيئة العليا للحزب، ووصفها كثيرون بأنها "عرس ديمقراطي". وفي رأيي الشخصي أن الوصف أكبر من الواقع، فالعرس الحقيقي لا يقاس بالزينة، وإنما بتكافؤ الفرص، وحياد من يفصل في الخصومات، ووضوح القواعد والأرقام.

وأقول من البداية: لا أتهم أحدا بعينه، ولا أنازع في إشراف القضاء على الصناديق؛ ما أكتبه رأي مبني على وقائع معلنة ونصوص اللائحة. ولهذا جاءت هذه السطور حكاية على لسان أهل الحارة، فالحكاية تحتمل من الأسئلة ما لا تحتمله البيانات الرسمية.

* * *

الجمعة، شارع بولس حنا، العاشرة إلا ربع.

عم فتحي بتاع الكوشة وقف قدام البوابة والسلم الخشب تحت إبطه ونظرة محترف جاي يزين ليلة العمر، وسأل الفراش: "هي الفرحة فين؟ أنا جاي أركب الزينة". ضحك الفراش: "الزينة اتعلقت من بدري يا معلم.. بس على أبواب اللجان".

الانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي به، تبدأ بمن يحق له الترشح ومن يحق له الحضور، وبكلفة المشاركة، وبمن يفصل في الطعون، وبمن يملك تعديل اللائحة ومن يراقب التعديل. فإذا ضاقت هذه الأبواب، صار يوم الاقتراع مشهدا جميلا لا يحسم الكثير. وهذه أسئلة مشروعة لا اتهامات، ومن حق كل عضو أن يسألها، ومن واجب كل قيادة أن تجيب عنها بالأرقام والنصوص

عند الناصية كان عم عطية بتاع الترمس بيعد أكياسه، وسأل عجوزا ماشي بوقار وفي جيبه كارنيه أخضر قديم: "هو فيه فرح النهارده يا حاج؟"، رد الراجل: "فرح ديمقراطي يا بني.. بيقولوا كده". هز عطية راسه وهو بيرش الملح: "أنا بعت ترمس في أفراح من أيام الشوادر، وعمري ما شفت فرح المعازيم فيه لازم يسددوا اشتراكهم قبل ما يمسكوا الكرسي".

الحاجة سنية، ست الفرح من زمان، شرحت النظام بثقة صاحبة الصنعة: "اللي سدد يدخل، واللي ما سددش يتفرج من الشباك، والشباك عندنا مفتوح ومطل على الفرح بالكامل". وسابتهم وراحت تعدل طرحتها.

الحاج رمضان الطباع كان واقف بيعد الملصقات زي اللي بيعد فلوس آخر الشهر. "أنا طبعت لكل مرشح تلات أصناف، وهما عارفين إن الدعاية ممنوعة جوه اللجنة. بس الورق بيدخل لوحده يا بيه، شاطر وبيعرف الطريق". وفضل يعد.

الأستاذ أبو الفضل المحامي رفع صوته على مؤيد منافسه جوه حرم اللجنة، واتجمع حواليهم ناس كأن في الدنيا معركة. بعدها قال لكل اللي سألوه: "أنا ما اشتبكتش، أنا بس رفعت صوتي بالحق". وجه القاضي ينبه على الجميع، فاتفض الجمع وكل واحد مقتنع إنه كان الحق الوحيد في المكان والباقي كومبارس.

* * *

الصناديق اتقفلت بإشراف قضائي، ولا حد يقدر يقول غير كده. بس العرس عمره ما كان صندوق وختم. العرس مدعوين يجوا بقلبهم، مش بكارت دعوة وخمسة وعشرين ألف جنيه عند الباب للعريس، وعشرة آلاف للي عايز يبقى في السكرتارية. اللي دفع قال لجاره: "ديمقراطية بالتقسيط يا عم، وإحنا لسه في القسط الأول".

الأستاذ شفيق، عضو لجنة الطعون، قعد في مكتبه الواسع وفتح ملف المرشحين وهو واثق من نفسه: "أنا مش مرشح، يعني حيادي". اللجنة اللي شكلها صاحب الدعوة، وبتفصل في خصومات المدعوين، وفي النهاية بتقول إنها حيادية. والباقي اللي ما اتقبلش محدش سمع عنهم حاجة.

الأسطى زكي مهندس الصوت مسك الميكروفون وقال: "الصوت عندي بيوصل لآخر الشارع، بس الصافرة في إيد مين؟ أنا ما بشكش في حد، بس عمري ما شفت ماتش الحكم فيه لابس تيشيرت فريق".

الحاجة وداد بتاعة المكواة فردت القماشة وتنهدت: "المرشح اللي اتشال من الكشف عشان سدد دينه بعد المهلة، رجع بعد التظلم واتحط اسمه تاني. أنا في شغلي ما بكويش القماشة مرتين إلا لو اتحرقت من أول مرة".

* * *

الحاج عبد الودود الحاسب مسك الآلة الحاسبة وهو مبسوط: "اللائحة عدلناها بألفين وتلتمية وتلاتة أصوات". المادة 45 بتقول لازم يحضر نصف اللي لهم حق الحضور من المسددين لاشتراكاتهم. سأله واحد: "طيب كام عدد اللي لهم حق الحضور؟". ما ردش، وفضل يضرب في الآلة. الرقم الكامل لسه ما اتنشرش، ومن حق كل عضو يسأل.

دفتر الشيخ حامد المأذون مابيعرفش غير الإيجاب والقبول، فوقف مبهوت: "أول مرة أشوف عقد الاقتراح البديل فيه لازم مئتين توقيع قبل الفرح بعشر أيام! أنا في عمري ما طلبت من عروسة تجيب مئتين شاهد عشان تقول رأيها".

الأسطى بسيوني المعمار شد الخيط على الحيطة: "خمسين طوبة اتبنوا بالصندوق، ولو وقعت واحدة مفيش طوبة احتياطي في المخزن. البديل بيترشح من صاحب البيت وبتوافق عليه الهيئة العليا. يعني الصندوق يبني في العلن، والترميم يتم بالداخل".

ورئاسة الحزب نفسها اتحسمت في يناير بفارق تمانية أصوات. وفي أكتوبر منافس سابق قال علنا إن الحزب شهد تراجعا وإقصاء، وإنه ما ترشحش. والحاج عبد الظاهر مسح الغبار عن كارنيهه الأخضر وقال: "ده كان زمان بيفتح الأبواب، النهارده أول سؤال عليه: مسدد ولا لأ؟".

وفي آخر الليل كان عم فتحي بيفك الكوشة بإيده قطعة قطعة، وهو بيعد الكراسي اللي كانت فاضية. وعلى كرسي بلاستيك منها لقى ورقة بخط يد مائل: "محجوز بالكامل للورثة".

العروسة طلعت من الباب الخلفي من بدري، والمأذون لسه بيسأل: هو العقد كان باسم مين؟

ربما ظلمنا الحارة حين جعلنا الكلام على ألسنة أهلها، فهم أصدق من ينقل الحال: الفراش والترمسجي والمأذون والمعمار. كلهم رأوا أن الزينة قائمة وأن الحضور غائب، وأن الفرحة تقاس بما يدفع عند الباب قبل ما يقال داخل القاعة.

فالانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي به، تبدأ بمن يحق له الترشح ومن يحق له الحضور، وبكلفة المشاركة، وبمن يفصل في الطعون، وبمن يملك تعديل اللائحة ومن يراقب التعديل. فإذا ضاقت هذه الأبواب، صار يوم الاقتراع مشهدا جميلا لا يحسم الكثير. وهذه أسئلة مشروعة لا اتهامات، ومن حق كل عضو أن يسألها، ومن واجب كل قيادة أن تجيب عنها بالأرقام والنصوص.

أكتب هذا وأنا لا أزال أرى في الوفد فكرة أكبر من أشخاصه ومن مواسمه. وما أراه اليوم أطلال مدرسة وطنية كبيرة: أعمدتها قائمة وعليها الاسم القديم، لكن روحها تحتاج من يعيدها إليها.

والبكاء على الأطلال لا يعيد بناءها، ولا يرممها إلا من يملك شجاعة الاعتراف بالشقوق. وكل ما أرجوه أن يكون العرس القادم عرسا بعروسة، وأن يكون العقد فيه، حين يسأل المأذون عن اسمه، باسم أهل البيت جميعا، وللتاريخ أن يحكم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)