أثار قرار الحكومة
العراقية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع
إيران خلافات داخل الإطار التنسيقي الشيعي، وصلت إلى التهديد بمقاطعة اجتماعاته المقبلة، وسط تضارب المواقف بشأن دوافع القرار، بين اعتبارات أمنية تتعلق بتهريب المخدرات والعملات المزورة، ومخاوف من تداعياته الاقتصادية والسياسية.
ويضع الخلاف رئيس الوزراء علي فالح
الزيدي أمام اختبار صعب يتعلق بقدرته على الموازنة بين حماية الأمن الوطني وتنظيم المنافذ الحدودية، من جهة، والحفاظ على تماسك التحالف السياسي الداعم لحكومته وعلاقات بغداد بطهران، من جهة أخرى، في ظل اتهامات بوجود ضغوط أمريكية وراء القرار.
مبررات أمنية
أكد مستشار الحكومة عبد الأمير تعيبان، الأربعاء، أن إغلاق منفذ الشيب في محافظة ميسان جاء إجراء اضطراريا لوقف تدفق المخدرات والعملات العراقية والأجنبية المزورة، مشيرا إلى دخول أوراق نقدية مزيفة من الدينار والدولار، صُنعت بتقنيات متطورة، إلى محافظات جنوبية بينها العمارة والناصرية.
ووصف تعيبان هذه الخروقات بأنها "أخطر من الصواريخ"، لما تمثله من تهديد للمواطنين والاقتصاد الوطني، متهما مجموعات منفلتة وتجارا من الجانب الإيراني بالوقوف وراء عمليات التهريب.
ونفى المستشار وجود ضغوط أمريكية وراء القرار، موضحا أن المنافذ الأخرى الممتدة على طول الحدود العراقية الإيرانية، البالغة نحو 1400 كيلومتر، تواصل عملها بصورة طبيعية، وأن الإغلاق يرتبط بتحديث الأجهزة والتقنيات الأمنية والاستخبارية، مع احتمال اتخاذ إجراءات مماثلة في معابر أخرى.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، أرجع المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي إغلاق المنفذ إلى عدم جاهزيته الفنية والتقنية والتطويرية، بينما نفى رئيس جمعية شركات النقل الدولي الإيرانية إحسان ملك زاده تلقي معلومات موثوقة عن إغلاق المعابر المخصصة للمسافرين.
وأثار القرار، الذي اتُخذ دون إشعار مسبق، استياء طهران، إذ أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية متابعة ملابسات الإغلاق، دون توضيح رسمي بشأن ارتباطه بعمليات التهريب.
وتزامن القرار مع إعلان هيئة المنافذ الحدودية، الأربعاء، ضبط مسافر عراقي يحمل مبالغ مزيفة من العملتين المحلية والأجنبية في منفذ الشيب. وسبقت ذلك عملية مماثلة في منفذ الشلامجة بمحافظة البصرة، حيث ضُبطت بحوزة مسافر قادم من إيران أوراق نقدية عراقية مزيفة من فئة 25 ألف دينار.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي وائل حازم لـ"عربي21" إن الحكومة أعلنت أن الإغلاق جاء لأسباب فنية وإدارية، مرجحا حاجة المنفذ إلى تعزيز التحصينات الأمنية وإجراء ترتيبات إضافية قبل إعادة فتحه وفق مواصفات تحمي الأمن العراقي وتنظم حركة البضائع والمسافرين.
وأضاف حازم أن "الرغبة الأمريكية تتوافق اليوم مع الرغبة العراقية في تحديد مسار العلاقة بين بغداد وطهران"، معتبرا أن الأمر لا يرتبط برغبة أمريكية منفردة، بل بتوجه عراقي وأمريكي وإقليمي نحو جعل العلاقات بين البلدين قائمة على الأطر الرسمية، بعد سنوات من تجاوزها الحدود الدبلوماسية والأعراف المعروفة.
حسابات سياسية
لم يقتصر الجدل على التبريرات الأمنية والفنية، بل امتد إلى داخل الإطار التنسيقي، بعدما نقلت تقارير محلية، الخميس، عن أعضاء فيه تهديدهم بمقاطعة الاجتماعات المقبلة إذا استمرت الحكومة في إغلاق المنافذ الحدودية مع إيران، معتبرين أن القرار ينطوي على انعكاسات اقتصادية واجتماعية.
ووصف عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية كريم المحمداوي، القيادي في منظمة بدر بزعامة هادي العامري، إغلاق منفذ الشيب بأنه "إجراء خطير وغير صحيح"، رافضا التبريرات الحكومية المتعلقة بعدم جاهزيته. وأكد أن المنفذ يمثل شريانا اقتصاديا لمحافظة ميسان، ولا سيما في استيراد المحاصيل الزراعية ودعم التجارة المحلية.
وكشف عضو المكتب السياسي لحركة "عصائب أهل الحق" حسين الشيحاني أن الزيدي عرض على الإطار التنسيقي مطلبا أمريكا بإغلاق المنافذ مع إيران، لكن قادة الإطار رفضوه بصورة قاطعة.
وشدد الشيحاني على أن رفض الإغلاق يرتبط بالمصالح العراقية، وليس الإيرانية وحدها، مؤكدا أن بغداد غير مستعدة لقطع علاقاتها التجارية والاجتماعية والعقائدية مع طهران.
من جهته، رأى المحلل السياسي رافد العطواني، لـ"عربي21"، أن مراقبة أداء الزيدي تشير إلى تقدم في تجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، لافتا إلى بدء الحكومة تنفيذ جزء من المطالب الأمريكية، وأن من مؤشرات ذلك قرار إغلاق مطار بغداد أمام الرحلات الجوية الإيرانية.
وأضاف العطواني أن قرارات أخرى تتعلق بمنع التصريحات المعارضة لحصر السلاح بيد الدولة تعكس توجها لفرض سلطة المؤسسات الرسمية. لكنه أوضح أن الأحاديث المتداولة بشأن تهريب العملات المزورة واستخدام الأراضي العراقية في استهداف دول مجاورة لا تزال ضمن مؤشرات غير مؤكدة، لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة.
اختبار السيادة
يربط العطواني تحركات الحكومة بمحاولة توسيع سلطة الدولة في ملفات الأمن والتمويل والسلاح، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة وجهت رسائل إلى أطراف عراقية بشأن ضرورة إخضاع السلاح لسلطة المؤسسات الرسمية.
ورأى الخبير العراقي، أن الحكومة تستخدم الظروف الإقليمية والاقتصادية لتعزيز قدرتها على مواجهة الجماعات المسلحة والحد من مصادر تمويلها.
وأشار إلى ورود معلومات عن رسائل تلقاها رئيس الوزراء وأطراف في الإطار التنسيقي، تتحدث عن عدم جدية بعض الجماعات المسلحة في تسليم أسلحتها، حتى مع تحديد موعد 30 يونيو/ حزيران المقبل.
ورأى العطواني أن الحكومة حققت تقدما، لكنها تحتاج إلى وقت لتنفيذ التزاماتها، في ظل استمرار التحديات السياسية والأمنية، معتقدا أن الأزمة الاقتصادية العراقية تجعل القوى المشاركة في الحكومة أكثر ميلا إلى تقديم تعهدات وتنازلات لتجنب عقوبات أمريكية محتملة.
اظهار أخبار متعلقة
ورجح العطواني وجود اشتراطات مرتبطة بالاقتراض من البنك الدولي تتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب وتجفيف منابع تمويل الجماعات المرتبطة بإيران، وهي تقديرات نسبها إلى قراءته للمشهد السياسي.
ومع ذلك، لا يرى العطواني أن إغلاق منفذ الشيب يعني بالضرورة توجها إلى إغلاق الحدود العراقية الإيرانية بصورة شاملة، موضحا أن العراق يمتلك منافذ أخرى يمكن من خلالها متابعة حركة الدخول والخروج. ويرجح أن يكون القرار مرتبطا بمؤشرات أمنية أو مشكلات فنية ولوجستية تخص المنفذ نفسه.
وفي قراءته لموقف القوى المعترضة، قال العطواني إن بعض الجماعات المؤيدة لإيران تحاول التعبير عن رفضها عبر التحركات الجماهيرية ورفع الشعارات، لكنه اعتبر أن هذه التحركات لا تتجاوز الاعتراض السياسي والإعلامي، خصوصا أن الجماعات نفسها تشارك في الحكومة وتدعم رئيس الوزراء.
وخلص العطواني إلى أن الزيدي يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة، لكنه يفضل التدرج وتجنب الإجراءات المفاجئة، بما يسمح له باختبار ردود فعل الأطراف المتضررة، مؤكدا أن رئيس الوزراء لا يمتلك حزبا ممثلا داخل البرلمان، ويعتمد على دعم الإطار التنسيقي، الذي يواجه بدوره أزمة في اتخاذ القرار.