ترامب يُسيطر على مضيق هرمز ويَدعو إيران لفتحه؟

محمد ياغي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
لا يَمر يوم لا يتحدث فيه المسؤولون الأميركيون وفي مقدمتهم الرئيس ترامب عن سيطرة الولايات المتحدة على مضيق هرمز، وعن عودة النفط إلى التدفق إلى الأسواق العالمية كما كان عليه الحال قبل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 شباط الماضي.

ويشارك في الحملة الكثير من المحللين السياسيين على الفضائيات العربية الذين يقولون إن استخدام إيران الدائم للمضيق كأداة لفرض شروطها أفقده أهميته، وأن النفط يمر اليوم عبر المضيق رغم ادعاء إيران سيطرتها عليه.

على الرغم من ذلك لا يكف المسؤولون الأميركيون (والمحللون أيضاً) عن مطالبة إيران بفتح المضيق دون قيد أو شرط عملاً بمبدأ حرية الملاحة.

أين هي إذاً الحقيقة: هل المضيق مفتوح أم مُغلق؟ هل يتدفق النفط كما كان عليه الحال قبل الحرب؟ أم أن القول إن المضيق مفتوح يُخفي الطريقة والتكلفة المترتبة على خروج النفط منه؟.
في 27 أيلول الماضي نشر ألكسندر ستاهل، وهو مستثمر وخبير مالي ومؤسس شركة «بورغغرابن هولدينغ» المتخصصة في السلع الأساسية في سويسرا مقالاً على منصة X (تويتر سابقاً) عنونه «إيران فقدت تحكمها بالمضيق»، وأعاد ترامب نشر المقال على منصته «تروث سوشيال» للتأكيد على أن المضيق مفتوح وأن هنالك سيطرة أميركية عليه.

يشرح ستاهل خروج النفط عبر مضيق هرمز من خلال منظومة يسميها «النقل الترددي عبر هرمز» وهي تقوم على تخصيص ناقلات تنقل النفط من داخل الخليج إلى خليج عُمان، ثم تفرغ حمولاتها في سفن أخرى وتعود بعدها هذه الناقلات إلى الخليج لتحميل شحنات جديدة وهكذا.

وبحسب روايته، بدأت «أدنوك» الإماراتية تطبيق هذا النموذج في شهر أيار الماضي باستخدام إحدى عشرة ناقلة ترددية تملكها الشركة أو تستأجرها وتُشغِلها، ثم تَبنته السعودية والكويت، ليصل عدد الناقلات العاملة في هذه المنظومة بحلول أيلول الماضي إلى نحو 116 ناقلة ترددية.

تسلك معظم هذه الناقلات الممر الجنوبي المحاذي للساحل العُماني، بدلاً من الممر الأوسط أو المسار القريب من الساحل الإيراني، وغالباً ما تَعبر المضيق مع إطفاء نظام التعريف الآلي للناقلات.
ويضيف ستاهل إن العملية تجري بتنسيق عسكري أميركي؛ إذ يتقدم مالكو السفن بطلبات إلى مركز التنسيق البحري التابع للبحرية الأميركية، الذي يحدد لكل ناقلة مساراً وفترة عبور معينة، فيما توفر الطائرات والقطع البحرية الأميركية تغطية دفاعية مُركزة أثناء العبور، دون مرافقة كل ناقلة ترددية على حدة.

وقد ضُيقَت فترات العبور من نوافذ ليلية واسعة إلى فترات يومية محددة، بما يسمح بحشد القدرات العسكرية المتاحة وقت مرور هذه الناقلات.

وبعد اجتياز المضيق، تُنقل الشحنات من الناقلات إلى سفن الشحن في خليج عُمان لمواصلة رحلتها إلى الأسواق العالمية، بينما تعود الناقلات الترددية إلى داخل الخليج لتحميل النفط.
تُنسب عبارة «اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يُصدِقك الناس ثم تُصدِق نفسك»، إلى جوزيف غوبلز مسؤول جهاز الدعاية في ألمانيا النازية، وربما هذا ما جرى مع الرئيس ترامب.

وهو يُقدِر تكلفة شحن النفط الخام من الخليج وعبر المضيق إلى سفن الشحن الكبيرة بنحو 28 - 30 دولاراً للبرميل، أو قرابة 58 مليون دولار لشحنة تبلغ مليوني برميل.

بمعنى أن الحمولة لهذه السفينة قبل مغادرتها خليج عُمان تكون قد ارتفعت تكلفتها الإجمالية بهذا المبلغ.

ويُقِدر ستاهل رحلة الناقلات الترددية بعشرة إلى خمسة عشر يوماً بين التحميل من الخليج والمرور عبر المضيق والتفريغ في سفن الشحن.

هذا التوصيف لما يجري يُشبه عملية تهريب للنفط عبر المضيق.
هذا النوع من «التحايل» كانت تقوم به إيران لتصدير نفطها في ظل العقوبات الاقتصادية، حيث كانت تقوم بتفريغ سفن شحنها في عرض البحر في سفن شحن تحمل أعلاماً لدول تم الاتفاق معها مسبقاً لنقل النفط.

وأحياناً كانت تستخدم الناقلات الترددية إلى سفن شحنها بعيداً عن متابعة أجهزة المراقبة الأميركية.
ما يجري من عملية تهريب للنفط عبر المضيق يُثبت أن الأميركيين وجدوا طريقة لإخراج النفط من المضيق رغم تهديد إيران بمنعه، لكنه لا يُثبت أن إيران فقدت القدرة على تعطيل المرور الآمن عبر المضيق متى أرادت.

وفي جميع الأحوال هذه الطريقة مُكلفة جداً، وهي مُكلفة من ناحيتين: المبلغ المضاف إلى ثمن برميل البترول بفعل النقل الترددي، وهو ما يعني أن إعادة البترول إلى الأسواق كما كان عليه الحال قبل الحرب لا يساهم في خفض سعره، لأنه يصل الأسواق أصلاً مُرتفع التكلفة بنسبة كبيرة. وثانياً التكاليف المتعلقة بالحماية العسكرية الأميركية والتي يتحملها في النهاية دافع الضرائب الأميركي.
لكن هنالك ما هو أكثر من ذلك. تقول بيانات «كبلر»، وهي شركة متخصصة في بيانات وتحليل أسواق السلع والطاقة وتتبع حركة السفن وتدفقات التجارة العالمية، في تقرير لها يوم 29 أيلول، إن صادرات منطقة الخليج من النفط الخام والمُكثفات تبلغ ما لا يقل عن 16.5 مليون برميل يومياً، بما يعادل متوسط ما قبل الحرب، باستثناء إيران.

لكنها تضيف إن 60% فقط من هذه الصادرات، أي نحو 9.9 مليون برميل يومياً، تمر عبر مضيق هرمز.
أما النسبة المتبقية، البالغة 40%، فتمر عبر مسارات بديلة: إذ تُحمَل 23% من الصادرات في موانئ ساحل خليج عُمان، ولا سيما الفجيرة، فيما تخرج 17% عبر البحر الأحمر من خلال خط شرق – غرب السعودي. قبل الحرب، كانت 83% من الصادرات تمر عبر هرمز.

وتشير «كبلر» أيضاً إلى أن تدفقات النفط الخام المؤكدة عبر المضيق لا تزال أقل من مستويات ما قبل الحرب بأكثر من 25%. لذلك فإن تعافي إجمالي صادرات منطقة الخليج يعكس جُزئياً التوسع في استخدام المسارات البديلة، ولا يمكن اعتباره دليلاً على عودة مرور النفط عبر هرمز إلى طبيعته.

يضاف لذلك إن خروج النفط الخام لا يعني خروج المنتجات النفطية المكررة مثل الديزل والبنزين ووقود الطائرات، والغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والأسمدة، وغيرها من الشحنات التجارية، بما فيها الأغذية والآلات والسلع المصنعة.

وهذا لا يعني أنها لا تخرج من المضيق أو تدخله، فلا توجد معلومات مؤكدة بشأن ذلك، لكن عندما يطلب ترامب من أوروبا الإفراج عن مائة مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطاتها الإستراتيجية من أجل خفض سعره في الولايات المتحدة فإن هذا يعني أن الديزل على الأقل لا يخرج من المضيق أو أن الكمية التي تخرج منه محدودة.

الآن، هل المضيق مفتوح؟ الإجابة المؤكدة «لا، المضيق غير مفتوح».
هل يخرج النفط من المضيق؟ الإجابة المؤكدة «نعم يخرج لكن بتكلفة عالية جداً تَمنع من خفض سعره في الأسواق العالمية»، وهو لا يخرج جميعه من المضيق ولكن من مسارات بديلة أيضاً.
هذا يعني أن إيران ما زالت تتحكم في «المرور الآمن» عبر المضيق؛ المرور الذي لا يحتاج إلى إطفاء آليات التعريف بالسفن، أو الحماية العسكرية الأميركية، أو إلى ناقلات ترددية تستهلك الوقت في التحميل والتفريغ قبل الشحن.

تُنسب عبارة «اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يُصدِقك الناس ثم تُصدِق نفسك»، إلى جوزيف غوبلز مسؤول جهاز الدعاية في ألمانيا النازية، وربما هذا ما جرى مع الرئيس ترامب.

الأيام الفلسطينية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)