بحر الصين الجنوبي .. ساحة للتنافس على مستقبل آسيا

هاني عوكل
جيتي
جيتي
شارك الخبر
لم تهدأ الصين يوماً للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، كان ذلك بعد الحرب العالمية الثانية وتوسع لاحقاً ولا سيما عامي 1974 و1988 ليشمل استخدام القوة العسكرية لفرض السيطرة الميدانية وتحول المنطقة إلى ساحة للنزاع متعدد الأطراف مع تايوان والفلبين وفيتنام تحديداً.

لبكين أطماع في بحر الصين الجنوبي، وهذا مرتبط بالقفزة الاقتصادية الهائلة التي حققتها طوال السنوات الماضية، وتحولها من اقتصاد فقير قبل 1978 إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية.

من يملك هذه القوة الاقتصادية الكبيرة ويعتبر في السوق العالمي «هامور» ومصنع العالم، لا بد أن يبحث في الوسائل التي تمكنه من تحقيق التنمية المستدامة والتفكير خارج الصندوق، بتأمين الممرات التجارية والملاحية المهمة وإيجاد الموارد اللازمة وفتح أسواق عالمية جديدة.

بحر الصين الجنوبي هو مفتاح التنمية المستدامة بالنسبة للصين، ليس لأن أكثر من ثلث الشحن البحري العالمي يمر عن طريقه وسلع تتجاوز قيمتها 7 تريليون دولار أميركي فحسب، وإنما لغناه بالموارد الطبيعية والثروة السمكية أيضاً.

أحدث تحليل إقليمي منشور من قبل إدارة معلومات الطاقة الأميركية العام 2024، قدّر الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة من النفط والسوائل البترولية حوالي 3.6 مليار برميل، و40.3 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

أما هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فقد قدّرت الموارد غير المكتشفة المحتملة من النفط والغاز الطبيعي بين 2.4 إلى 9.2 مليار برميل من الأول، و62 إلى 216 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ناهيك عن ثروة سمكية بقيمة اقتصادية تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات سنوياً.

لكل ذلك، نلحظ التنافس الشديد بين الصين من جهة، ودول جنوب شرقي آسيا من جهة أخرى على هذا البحر الاستراتيجي المهم، وبالطبع لا يمكن تناسي اهتمام الولايات المتحدة الأميركية بهذه المنطقة للحفاظ على توازن أمني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وكذلك احتواء النفوذ الصيني ومنع تمدده.
بكين تعمل في بحر الصين الجنوبي بكثير من الحذر

بكين تعمل في بحر الصين الجنوبي بكثير من الحذر، إذ تبني الجزر الاصطناعية والمنشآت الكبيرة كما حدث في جزر «سبراتلي»، وكما يحدث الآن في تنفيذ مشروع ردم كبير وإنشاء مدرج جديد في جزر «باراسيل»، وهذا يندرج تحت إطار ترسيخ الأمر الواقع بتحويل المطالبة القانونية والسياسية إلى وجود مادي دائم.

في المقابل، لا تطالب واشنطن بملكية جزر أو موارد في بحر الصين الجنوبي، لكنها لا تريد أن تستحوذ بكين على هذا الممر البحري الاستراتيجي، وترفض سياسة الترتيبات أحادية الجانب، والأهم أنها تعزز من وجودها العسكري في غرب المحيط الهادئ لضمان تفوقها الدولي.

ثمة تعاون أميركي قوي وتحالف مع الفلبين واليابان واستراليا، وهذا الرباعي أنشأ في العام 2026 إطاراً رسمياً لمجلس تعاون دفاعي لتحسين قابلية العمل العسكري المشترك وزيادة الأنشطة البحرية متعددة الأطراف وتبادل المعلومات الاستخباراتية واللوجستية.

كذلك تتعاون واشنطن مع بريطانيا وفرنسا ونيوزيلندا وكندا لضمان حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، وهي في تعاون مستمر مع دول مثل فيتنام واندونيسيا والهند، لكن الأمر لا يرتقي إلى مستوى تحالف عسكري كما هو الحال مع الفلبين واليابان واستراليا.

الهدف من ذلك كله هو احتواء الصين ومنعها من الهيمنة على غرب المحيط الهادئ والحفاظ على ميزان القوى، لكن الفرق في السياسة الأميركية تجاه بكين في بحر الصين الجنوبي، أنها تضغط عليها عبر حلفائها وشركائها مثل الفلبين وتايوان.

هي تستخدم ورقة تايوان والفلبين تحديداً لكبح نفوذ الصين إقليمياً ودولياً، وكذلك يمكن القول، إن واشنطن معنية بمساعدة الدول التي تنافس الصين في المربع الآسيوي، والهند عنصر مهم في ميزان القوى الآسيوي ومعنية بمنع توسع النفوذ الصيني. 

حالياً، لا يوجد هناك قلق كبير من اندلاع حرب شاملة بين الأطراف المتنازعة في بحر الصين الجنوبي، لأن الصين على قدر من الوعي بأن أي صراع مباشر سيكلفها الكثير، ولذلك هي تعزز من حضورها في هذه المنطقة الجغرافية الاستراتيجية بطريقة مدروسة ومحسوبة.

لا يهم إذا كلفها التواجد الدائم هناك سنوات طويلة، طالما أنها تسير إلى الأمام دون تكاليف باهظة، ومن غير المستبعد أن تستخدم دبلوماسيتها الناعمة وقوتها الاقتصادية لإعادة صياغة الاصطفافات الدولية بما يحقق لها موقعاً متميزاً في المربع الآسيوي.

الأيام الفلسطينية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)