هرمز وباب المندب.. أيهما أخطر على الاقتصاد العالمي؟

يعتمد على هرمز بشكل شبه كامل تصدير نفط العراق والكويت والبحرين وقطر- جيتي
يعتمد على هرمز بشكل شبه كامل تصدير نفط العراق والكويت والبحرين وقطر- جيتي
شارك الخبر
في ظل التوتر الإقليمي المستمر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تحول مضيقا هرمز وباب المندب إلى محورين مركزيين في معادلة الحرب وأمن الطاقة والتجارة العالمية.

ولم يعد الممران مجرد ممرين مائيين، بل باتا يمثلان فكي كماشة جيوسياسية تمسكان بشرايين النفط والسلع، ويستخدمان كورقتي ضغط استراتيجية متكاملة، ما يجعل أي اضطراب متزامن فيهما تهديدا بسلاسل الإمداد العالمية ورفع أسعار الطاقة والتكاليف اللوجستية بشكل حاد.

ويختلف تأثير المضيقين في طبيعة الضغط الذي يفرضان على الاقتصاد العالمي، فهرمز يمثل صمام الطاقة الفوري، إذ يؤدي إغلاقه إلى ضرب المعروض مباشرة ورفع أسعار النفط بسرعة، بينما يمثل باب المندب بوابة التجارة، حيث ينعكس اضطرابه على الكلفة والزمن وسلاسل الإمداد، ويمكن امتصاص تأثيره جزئيا عبر طرق بديلة أطول، لكنه يصبح كارثيا إذا تزامن مع أزمة في هرمز.

مضيق هرمز: عقدة الطاقة وأداة الضغط النفطي

يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي، ويبلغ عرضه في أضيق نقاطه نحو 33-34 كيلومترا، ويعد أهم ممر للطاقة في العالم.

ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر المضيق نحو 20.9 مليون برميل يوميا في عام 2023، أي ما يعادل قرابة 20 بالمئة من الاستهلاك النفطي عالميا.

وكان يمر عبره قبل الأزمة يوميا بين 19 و21 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته، أي نحو خُمس إلى ربع الاستهلاك العالمي وربع التجارة البحرية للنفط، إضافة إلى نحو 20 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ومعظمها من قطر.

ويعتمد على هرمز بشكل شبه كامل تصدير نفط العراق والكويت والبحرين وقطر، إلى جانب جزء كبير من صادرات السعودية والإمارات.

وتبقى البدائل محدودة، إذ تغطي خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية والعراقية جزءا فقط من الكميات، بينما لا يوجد بديل حقيقي للغاز المسال.

وتفرض طبيعة المضيق أهمية عسكرية وسياسية استثنائية، إذ يخضع لرقابة عسكرية صارمة، وتعد إيران الطرف الأكثر قدرة على التأثير المباشر في الملاحة عبر مناوراتها البحرية وقدراتها الصاروخية والمسيرات.

وفي المقابل، تراقب القوى الدولية بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها الممر عبر قواعد عسكرية في الخليج لحماية ناقلات النفط.

وعلى المستوى السياسي، يستخدم المضيق كورقة ضغط كبرى في المفاوضات الدولية المتعلقة بالملف النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية، فيما يمثل أي تهديد للممر عاملا يؤدي إلى قفزة فورية في أسعار الطاقة العالمية.

اظهار أخبار متعلقة



ومنذ شباط/ فبراير 2026، فرضت إيران قيودا شديدة على مضيق هرمز في إطار المواجهة مع الولايات المتحدة، وأعلن الحرس الثوري السيطرة على المسارات، وألزمت السفن بالتنسيق معها ودفع رسوم في بعض الحالات، بالتزامن مع هجمات متكررة بالصواريخ والمسيرات والزوارق.

وأدت هذه الإجراءات إلى انخفاض حركة الناقلات إلى مستويات متدنية جدا، بلغت أحيانا أقل من 10 بالمئة من المستويات السابقة في فترات الذروة، مع محاولات أمريكية وعُمانية لفتح ممرات آمنة جنوبية.

واستمرت التوترات حتى كانون الأول/ سبتمبر 2026، مع مقترحات إيرانية مشروطة بإعادة الفتح مقابل رفع الحصار عن موانئها، في حين ترفض الولايات المتحدة ذلك بوضوح.

ويوصف الوضع بأنه "حرج"، بينما لم تتمكن البدائل الجزئية عبر الأنابيب من تعويض الخسارة الكاملة.

ويتمثل أبرز مصدر للتهديد في هرمز في التوتر الإيراني الأمريكي المستمر، من خلال الألغام والصواريخ والزوارق والطائرات المسيّرة.

باب المندب: بوابة التجارة وساحة الحرب غير المتماثلة

يقع مضيق باب المندب بين اليمن من جهة وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 26-30 كيلومترا، ويشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس.

وتكمن أهمية باب المندب في كونه جزءا من طريق تجاري متكامل يصل آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، إذ يمر عبره عادة ما بين 4 و9 ملايين برميل من النفط يوميا، بحسب الفترات، ونحو 8-12 بالمئة من التجارة العالمية المنقولة بحرا، ولا سيما الحاويات والسلع بين آسيا وأوروبا.

كما يعتمد عليه جزء من الصادرات السعودية عبر موانئ البحر الأحمر، مثل ينبع، فضلا عن ارتباطه بإيرادات قناة السويس المصرية، وأي اضطراب في المضيق يدفع السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف 10-15 يوما إلى الرحلة ويرفع تكاليف الشحن والتأمين.

وأدت الهجمات التي بدأت ضد السفن التجارية في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 إلى تغيير ملموس في حركة الملاحة.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر باب المندب انخفضت إلى متوسط يقارب 4 ملايين برميل يوميا خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، مقارنة بنحو 8.7 ملايين برميل يوميا في عام 2023.

ومع ارتفاع المخاطر الأمنية، اضطرت سفن عديدة إلى تجنب البحر الأحمر والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. وقدرت الأونكتاد أن هذا المسار يضيف نحو 12 يوما إلى الرحلة البحرية بين شنغهاي وروتردام، كما يرفع تكاليف التشغيل ويضغط على الطاقة الاستيعابية الفعلية للنقل بالحاويات بنحو 9 بالمئة.

وعلى الصعيد العسكري، تحول باب المندب في الآونة الأخيرة إلى واحدة من أكثر المناطق العسكرية سخونة بسبب النزاع المستمر في اليمن واستهداف السفن التجارية من قبل جماعة أنصار الله الحوثي باستخدام الصواريخ الباليستية والمضادة للسفن والمسيرات البحرية والجوية.

اظهار أخبار متعلقة



ويشهد المضيق عسكرة غير مسبوقة وتحالفات دولية، مثل "تحالف حارس الازدهار"، لتأمين السفن، إلى جانب وجود قواعد عسكرية لدول كبرى، بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا، في جيبوتي القريبة.

أما أبرز مصادر التهديد في باب المندب فتتمثل في الهجمات على السفن، والصواريخ والطائرات المسيّرة، والقرصنة، وتداعيات الحرب اليمنية.

وفي ظل التصعيد الحالي، أعادت جماعة أنصار الله الحوثي حليفة إيران، تفعيل ورقة الضغط في باب المندب، فبعد هدوء نسبي خلال عام 2025، استؤنفت الهجمات في تموز/ يوليو 2026، مع إعلان حصار جزئي على السفن المرتبطة بالسعودية.

وفي أيلول/ سبتمبر 2026، حقق الحوثيون تقدما ميدانيا كبيرا تمثل في السيطرة على ميناء المخا وجزيرة ميون "بريم" الواقعة وسط المضيق، إلى جانب جزر أخرى في البحر الأحمر. ومنحهم ذلك سيطرة فعلية على الجانب اليمني من المضيق، وهدد الصادرات السعودية عبر ينبع التي كانت تشكل بديلا مهما عن هرمز.

وأدى ذلك إلى انخفاض حركة السفن، ولا سيما الناقلات السعودية، وارتفاع المخاطر التأمينية، بالتزامن مع استمرار التوترات مع القوات الحكومية اليمنية والتحالفات الإقليمية.
التعليقات (0)