تساءلت مجلة "
بوليتيكو" في تقرير لـ"ممفيس باركر"، إن كان مستقبل الصحراء يمر عبر الطريق السريع الذي يحمل اسم دونالد جيه. ترامب؟
ويُعتبر الطريق السريع الذي كان يُسمى بالطريق الوطنية 1 أطول طريق في
المغرب، ويمتد على مسافة 655 ميلاً، وأُعيدت تسميته باسم ترامب كبادرة شخصية من الملك محمد السادس.
وفي رحلة للصحافي على الطريق الذي لا يزال يحمل اسمه الأول أو "تزنيت-الداخلة" حيث بدأ المرحلة الأولى من جهة كلميم واد نون، لم يلاحظ اسم ترامب ولا علماً أمريكياً على الطريق. وقال صاحب مقهى على الطريق الذي تتوقف عليه الشاحنات: "نعم، قرأت عنه في الأخبار". وقال شخص آخر اسمه إبراهيم متذمراً: "هذه سياسة".
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت المجلة أنه من بين جميع الفنادق وأماكن الترفيه والعملات الرقمية التي تحمل اسم دونالد جيه. ترامب، لا يضاهي أيٌّ منها هذا الطريق من حيث أهميته الجيوسياسية.
وإذا ما سلكنا هذا الطريق، فسنجد تفسيراً معقولاً لسبب اندفاع عشرات الآلاف من المغاربة، في نهاية تموز/يوليو، إلى المحيط مرتدين بدلات الغوص أو على متن قوارب صغيرة لاقتحام سبتة الإسبانية، دون أن يعترض طريقهم، في معظم الأحيان، شرطة الحدود المغربية.
ففي عام 2015 أعلن الملك محمد السادس عن خطته لبناء طريق سريع أطول من أي طريق آخر في البلاد آنذاك. وقال إن هذا الطريق سيعزز مكانة الصحراء كمركز اقتصادي ويربط المغرب بجذوره الأفريقية.
لكنه سيخدم أيضاً هدفاً أسمى. ففي إطار "خطة تنمية المناطق الجنوبية" كما يطلق النظام الرسمي عليها، ووضع الملك خطة لتعزيز حكم المغرب على الصحراء. ووعد أيضاً ببناء موانئ وإطلاق برامج رعاية اجتماعية ودمج "الصحراويين" في نسيج الحياة المغربية.
وأضافت المجلة أن وراء اللغة التي ترضي الأمم المتحدة حلماً أعمق. فمنذ أن تخلت فرنسا وإسبانيا عن محمياتهما المغربية في خمسينيات القرن الماضي، وضعت السلالة العلوية الحاكمة، التي يعد الملك محمد ملكها الثالث والعشرين، نصب عينيها هدفاً واحداً فوق كل شيء هو استعادة الصحراء.
وتزخر المنطقة بالموارد الطبيعية، من الفوسفات إلى الأسماك. إلا أن الحملة تنبع في جوهرها من شعور بأن المستعمرين الأوروبيين المنسحبين رسموا حدود المغرب بشكل تعسفي وضيق جداً بالنسبة لبلد امتد حكمه ذات يوم جنوباً (عبر مالي وموريتانيا والسنغال) وشرقاً (عبر أجزاء من الجزائر الحالية).
وقال الملك محمد السادس في خطابه عام 2015 بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، حين عبر 350,000 شخص إلى الصحراء وأجبروا إسبانيا، التي سيطرت على الصحراء لفترة طويلة، على الإسراع في انسحابها من هناك أيضاً: "لقد قررت تسخير كل الوسائل المتاحة لاستكمال وحدة أراضي المملكة".
ومن خلال هذا الإنفاق الهائل، الذي يبلغ حوالي 8 مليارات دولار إجمالاً، يأمل في التغلب على العقبة الرئيسية التي لا تزال تقف في طريق توسع المغرب: عدم رغبة الشعب الصحراوي الانضمام للمغرب.
فالمنطقة شهدت حرباً متقطعة يشنها المغرب ضد جبهة
البوليساريو، المطالبة باستقلال المنطقة. وتجري المواجهات العسكرية عادةً بعيداً عن الأنظار وخلف ساتر رملي يبلغ ارتفاعه 3 أمتار يمتد على طول الصحراء، شُيِّد في ثمانينيات القرن الماضي ولا يزال يحرسه 100,000 جندي مغربي، ويُعد من أكثر حقول الألغام كثافة في العالم.
وفي رسالته إلى ترامب لتأكيد الاسم الجديد للطريق السريع، أعرب الملك محمد السادس عن امتنانه العميق. وكتب أن قرار الرئيس في عام 2020 بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء "سيبقى محفوراً في ذاكرة المغاربة إلى الأبد".
في المقابل، قام الملك بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بموجب اتفاقيات إبراهيم، وهي خطوة مثيرة للجدل في بلد يدعم سكانه القضية الفلسطينية بقوة. ومع ذلك، فقد أثبتت هذه الخطوة نجاحها أضعافاً مضاعفة.
وقبل تدخل ترامب، ظلت مسألة السيادة النهائية على الصحراء عالقة تحت إشراف الأمم المتحدة، التي حاولت، ولكنها فشلت في نهاية المطاف، تأمين شروط الاستفتاء بعد التوسط في وقف إطلاق النار عام 1991.
وبعد توقيع ترامب، بدأت الأمور تتجه لصالح المغرب. وتدعم فرنسا وإسبانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي الآن خطة الملك لمنح "حكم ذاتي" للصحراء تحت حكمه. وقد أعطت معظم الدول الأفريقية والعربية موافقتها بالفعل.
وبتسمية الطريق باسم ترامب، ذكّر الملك فعلياً المعارضين المتبقين، وتحديداً جبهة البوليساريو وحلفاءها في الجزائر، بالدعم الذي قدمه البيت الأبيض لمطالبة المغرب بالسيادة.
وكتب الرئيس على موقع "تروث سوشيال": "آمل أن أسافر على طول هذا الطريق العظيم يوماً ما، وآمل أن يكون ذلك قريباً"، مضيفاً تحفظات كافية لضمان عدم أخذ كلامه على محمل الجد.
وأضافت المجلة أن المغرب لم يكن يسمح للصحافيين الأجانب غير المصحوبين بمرافقين بدخول الصحراء لسنوات. وفي أيار/مايو 2024، أُلقي القبض على مراسلين إيطاليين متنكرين في زي سائحين عند مدخل العيون، العاصمة الإدارية وأغنى مدن الصحراء، ثم اقتيدا شمالاً ورُحِّلا.
كما واجه مراسل إسباني مصيراً مشابهاً قبل أسابيع. لكن السلطات في العاصمة المغربية الرباط بدأت مؤخراً بدعوة سياسيين غربيين في جولات سياحية بالمدينة، وتعلن شركة "رايان إير" الآن عن "مغامرات مغربية" في الداخلة، شبه الجزيرة الواقعة في أقصى جنوب طريق ترامب السريع، والتي تسوِّق نفسها لهواة ركوب الأمواج الشراعية. ولدهشة الصحراويين، صوَّر كريستوفر نولان أجزاءً من فيلمه "الأوديسة" على شواطئها.
ولعقود، استقطبت الحكومة في الرباط المغاربة إلى الجنوب بضرائب أقل ورواتب أعلى ودعم للغذاء والوقود ووعد عام بمستوى معيشة أفضل.
ويُعتقد الآن أن غالبية سكان الإقليم، البالغ عددهم نحو 600,000 نسمة، ينحدرون من الشمال، وهو ما يكفي، في حال توسيع نطاق حق الاقتراع في أي استفتاء ليشمل الوافدين بعد عام 1974، كما ترغب الرباط، لترجح كفة التصويت لصالحها.
ولاحظ الصحافي جواً من الكآبة يسيطر على العيون مع أن الحكومة تؤكد أن كل هذه الاستثمارات تؤتي ثمارها، مع أن "الأقاليم الجنوبية" لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من إجمالي الاقتصاد، وتُقدَّر بنحو 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
إلا أن هذه النسبة في ازدياد؛ فقد حققت منطقة العيون أسرع نمو اقتصادي في البلاد عام 2024، بنسبة 7.4 بالمئة، وفقاً للأرقام الرسمية. كما أنها تتمتع بأدنى معدل فقر في المغرب.
ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 74,000 درهم (7,900 دولار أمريكي)، أي أكثر من ضعفين ونصف ضعف نصيب الفرد في المنطقة التي تضم مراكش، والتي تستقطب أعداداً هائلة من السياح سنوياً.
ويشير النقاد إلى أن أكثر من ثلث هذا المبلغ يخصص لقوات الأمن. وعلى الرغم من أن الصحراويين الذين تخلوا عن السياسة يُقال على نطاق واسع إنهم لا يواجهون أي تمييز في سوق العمل، إلا أن الكثيرين منهم ما زالوا يعانون من أجل الحصول على وظيفة.
وقد ارتفعت نسبة البطالة في المنطقة إلى 22 بالمئة بحلول عام 2024، وهي نسبة أعلى بكثير من النسبة الوطنية البالغة 13 بالمئة. ونُقل عن رجل صحراوي قوله: "إنها مهزلة، يبنون هذه الأشياء، لكن لا يصلنا شيء من المال؛ لا الفوسفات، ولا الأسماك، ولا الطماطم".
ويتساءل المغاربة من الشمال في قرارة أنفسهم عما إذا كان كل الإنفاق على المناطق الجنوبية قد ساهم في اليأس الذي ساد في أماكن أخرى من البلاد، والذي دفع الكثير من الشباب إلى السباحة عبر حدود سبتة.
ومن الناحية العملية، تتلاشى الحركة المطالبة باستقلال الصحراء. ففي عام 2010، سحقت الرباط آخر تحدٍ كبير لسلطتها، وهو مخيم احتجاجي ضخم ضم 20,000 شخص على مشارف العيون. ويقبع قادته الطلاب في السجون.
ولم يتبقَ من حركة الاحتجاج الشعبي داخل المدينة سوى كتابات جدارية طُمست على عجل – "أطلقوا سراح السجناء" – وتجمعات قصيرة تقودها النساء، مثل الهتافات التي أعقبت خروج المغرب من كأس العالم في تموز/يوليو.
وعسكرياً، تتلاشى جبهة البوليساريو أيضاً، فهي لا تملك وسيلة لمواجهة طائرات المغرب المسيرة، التي تقضي بسهولة على المسلحين الذين كانوا يتحركون في الكثبان الرملية بسيارات "لاند كروزر"، حاملين قاذفات صواريخ جاهزة. ويبدو أن الجزائر، مصدر هذه الأسلحة، قد سئمت الصراع، ويمكن إقناعها بقبول شكلٍ من أشكال خطة الملك محمد السادس للحكم الذاتي.
ثم يأتي دور دونالد ترامب. ففي 28 تموز/يوليو، أصبح السفير الأمريكي لدى المغرب، ريتشارد ديوك بوكانان، من أوائل المسؤولين الأمريكيين البارزين الذين وطئت أقدامهم أرض العيون.
وكتب بوكانان على منصة "إكس" مرفقاً صورة له أمام بوابات مطعم "ماكدونالدز" الكبير والنظيف في المدينة: "من الطواجن الصحراوية إلى شطائر البرغر الأمريكية المزدوجة، العيون فيها كل شيء". وختم رسالته بعبارة: "الصحراء. أنا أعشقها"، مستخدماً شعار سلسلة مطاعم الوجبات السريعة للإشارة إلى موافقة واشنطن على ضم الصحراء الغربية رسمياً.
ومع مرور الوقت، تأمل الرباط في الحصول على أكثر من ذلك بكثير، ربما قنصلية كاملة في العيون، ولكن الأهم من ذلك، استمرار المشاركة الدبلوماسية لإنهاء الصراع النهائي حول الوضع المتنازع عليه في الصحراء.
ويقول ريكاردو فابياني، مدير قسم شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن مشروع الضم يستحوذ على "80 أو 90 بالمئة من اهتمام جميع الوزارات الحكومية" وسيحدد الضغط الأمريكي الخطوات اللاحقة.
فواشنطن هي حاملة القلم لموضوع الصحراء في الأمم المتحدة، وعندما يحين موعد تجديد ولاية البعثة في 31 تشرين الأول/أكتوبر، قد تنهي جهود حفظ السلام التي استمرت 35 عاماً بشكل كامل.
ويقود مسعد بولس، مبعوث ترامب، مفاوضات مباشرة نادرة بين الجزائر والمغرب وجبهة البوليساريو. وقد يضغط بقوة أكبر على معارضي الرباط لقبول خطة الملك للحكم الذاتي وربما يهدد بتصنيف الجبهة ككيان إرهابي، وبالتالي استبعادها من عملية التفاوض تماماً.
بل قد يعيد المغرب الدعوة للتصويت على تسوية وضع الصحراء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو أمر ضمنت سنوات من الجهود الدبلوماسية فوز المغرب به على الأرجح. وفي الشهر الماضي فقط، أعلنت كولومبيا تأييدها الكامل للسيادة المغربية على الصحراء الغربية.
اظهار أخبار متعلقة
ويرى فابياني أنه ينبغي النظر إلى تدفق المهاجرين إلى سبتة في ضوء هذه العلاقة. ففي عام 2021، سارعت الرباط بدفع ثمانية آلاف مهاجر عبر الحدود إلى سبتة احتجاجاً على تقديم إسبانيا الرعاية الطبية لإبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو البالغ من العمر 76 عاماً.
ويبدو أن التدفق الأخير، الأكبر بكثير، قد نشأ بشكل عفوي. ومع ذلك، فإن قرار المغرب عدم الوقوف في طريق المهاجرين يوحي برغبة في "إرضاء" البيت الأبيض، الذي ينظر إلى رئيس الوزراء الاشتراكي الإسباني بيدرو سانشيز على أنه تجسيد لكل ما هو خاطئ في أوروبا: معاداة إسرائيل وتأييد الهجرة وعدم الإنفاق على الدفاع.