وضع هجوم جماعة أنصار الله "الحوثي" الواسع على جنوب السعودية، الثلاثاء، اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته المملكة مع
تركيا وباكستان قبل شهر أمام أول اختبار حقيقي لقدرة التحالف الجديد على ترجمة تعهده بالدفاع الجماعي إلى خطوات عملية.
وأصابت الهجمات مدن أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، واستهدفت مواقع مدنية واقتصادية ومنشآت للطاقة، ما أدى إلى إصابة 73 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، واندلاع حرائق وتوقف مؤقت لبعض العمليات في منشآت متضررة، وفق إعلان سعودي رسمي.
وقال المتحدث باسم التحالف اللواء تركي المالكي إن الهجمات تمثل "تصعيداً خطيراً"، متوعداً باتخاذ الإجراءات العملياتية اللازمة.
واللافت أن الهجوم يأتي بعد اكتمال خطوة أساسية في بناء التحالف؛ ففي 31 آب/أغسطس عقدت الدول الثلاث أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان الجيوش، وأعلنت إنشاء أمانة عامة للتحالف في السعودية، على أن يتولى مسؤول باكستاني منصب الأمين العام لمدة ثلاث سنوات.
وقبل أقل من 48 ساعة على الهجوم، أجرى وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار اتصالين منفصلين مع نظيريه السعودي فيصل بن فرحان والتركي هاكان فيدان، بحث خلالهما متابعة التفاهمات التي خرج بها اجتماع إسطنبول وتعزيز التعاون في إطار
اتفاق مكة.
اظهار أخبار متعلقة
"الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع"
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق الدفاع المشترك في مكة في 7 آب/أغسطس، ونص الإعلان المشترك على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً، في إطار تعزيز الردع والدفاع الجماعي.
لكن النص العلني للاتفاق لا يحدد، في حال وقوع هجوم، شكلاً عسكرياً واحداً يجب على الدولتين الأخريين تنفيذه؛ فلا توجد في الوثيقة المنشورة تفاصيل علنية تحدد مثلاً إرسال قوات برية أو طائرات مقاتلة أو تنفيذ ضربات ضد مصدر الهجوم.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال، بعد توقيع الاتفاق، إن مبدأ الدفاع الجماعي فيه "مطابق تقنياً" للمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الاتفاق دفاعي وليس هجومياً، وأنه لا يستهدف دولة بعينها، مؤكداً أن إيران ليست هدفاً للتحالف. كما أوضح أن الدول الثلاث ستحتاج إلى بناء آليات مشتركة للقيادة والتدريب والتوافق بين أنظمة الأسلحة والاتصالات.
وبذلك، فإن الاختبار الحالي لا يتعلق فقط بما إذا كانت تركيا وباكستان ستعتبران الهجوم على السعودية اعتداءً على التحالف، وإنما بكيفية ترجمة هذا الالتزام إلى دعم عسكري على الأرض.
ليس الأول لكنه الأكبر
الهجوم الحالي ليس أول ضربة حوثية ضد السعودية بعد توقيع اتفاق مكة. ففي 9 آب/أغسطس، أي بعد يومين فقط من توقيع الاتفاق، أعلن الحوثيون استهداف مصفاة أرامكو في جازان بطائرة مسيرة.
وأكدت وزارة الطاقة السعودية حينها اندلاع حريق في المنشأة وإخماده، من دون تسجيل إصابات. ولم يُعلن في ذلك الوقت عن أي تحرك عسكري تركي أو باكستاني بموجب الاتفاق.
لكن الفارق هذه المرة كبير. فالهجوم الجديد أوسع من حيث عدد المواقع المستهدفة، وطال أربع مدن سعودية، وأوقع عشرات الإصابات بين المدنيين، كما أصاب منشآت للطاقة وأدى إلى تعطيل عمليات في بعضها. لذلك تبدو ضربة فجر اليوم أقرب إلى الاختبار الحقيقي الأول للتحالف.
باكستان لم تكتف بالتعهدات
بالنسبة إلى باكستان فالوضع مختلف قليلا عن تركيا فيما يخص العمل الدفاعي مع السعودية. ففي أيار/مايو الماضي، وخلال الحرب مع إيران، نشرت إسلام آباد في السعودية نحو 8 آلاف جندي، إضافة إلى سرب من مقاتلات JF-17 وسربين من الطائرات المسيّرة ومنظومة الدفاع الجوي الصينية HQ-9، في إطار اتفاق الدفاع السعودي-الباكستاني القائم قبل اتفاق مكة.
وبحسب رويترز، كان الدور الأساسي للقوات التي وصلت خلال الحرب استشارياً وتدريبياً، لكن حجم الانتشار وطبيعة المعدات المرافقة له أظهرا قدرة باكستان على تقديم إسناد عسكري دفاعي كبير للسعودية عندما ترى أن أمن المملكة مهدد.
تجربة 2015 تكشف الخط الفاصل
هناك سابقة أخرى لا تقل أهمية، وتصب في الاتجاه المعاكس. في 2015، عندما طلبت السعودية من باكستان المشاركة عسكرياً في الحرب ضد الحوثيين داخل
اليمن، طلبت الرياض طائرات وسفناً وقوات برية.
إلا أن البرلمان الباكستاني أقر بالإجماع قراراً يدعو إلى حياد البلاد في الصراع اليمني، مع تأكيد الوقوف إلى جانب السعودية في حال تعرض أراضيها أو سلامتها الإقليمية للتهديد.
وهذا التفريق ظل حاضراً في الموقف الباكستاني منذ ذلك الحين: الدفاع عن الأراضي السعودية شيء، والمشاركة في الحرب داخل اليمن شيء آخر.
ويمكن تلخيص آلية الدفاع التي تتبناها باكستان تجاه السعودية حتى اللحظة، بتعزيز الدفاع الجوي السعودي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وحماية المنشآت والقواعد والأجواء والمياه الإقليمية.
ماذا يمكن أن تقدم تركيا؟
بالنسبة إلى تركيا، تبدو الخيارات أكثر اتساعاً. فأنقرة تمتلك قدرات متقدمة في الطائرات المسيّرة، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، إضافة إلى خبرة عملياتية واسعة في المنطقة.
لكن موقف فيدان بعد توقيع الاتفاق كان واضحاً في وصف التحالف بأنه دفاعي، وليس إطاراً للذهاب إلى حرب أو شن عمليات هجومية مشتركة. كما أكد أن الدول الثلاث لا تملك تهديداً مشتركاً مكتوباً في الاتفاق، وأن التحالف لا يستهدف الدول التي لا تهاجم أعضاءه.
وبالتالي فإن موقف أنقرة الرسمي أيضا لا يزال بعيدا عن المشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن.
ماذا يقول إعلام باكستان وتركيا؟
التغطية الباكستانية للتحالف منذ تأسيسه ركزت بدرجة كبيرة على بناء هيكله المؤسسي أكثر من الحديث عن حرب وشيكة.
صحيفة "دون" الباكستانية أبرزت بعد اجتماع إسطنبول في 31 آب/أغسطس أن التحالف يتجه إلى العمل المؤسسي، وأن باكستان ستتولى أمانته العامة في السعودية لثلاث سنوات، فيما ركزت التغطية على التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية والتدريب والتطوير التقني المشترك.
وفي 6 أيلول/سبتمبر، أي قبل الهجوم بأقل من يومين، ركز الإعلام الباكستاني على اتصالات دار بوزيري الخارجية السعودي والتركي لمتابعة تفاهمات اجتماع إسطنبول.
في تركيا، ركزت التغطية السابقة للاتفاق على تصريحات فيدان التي شددت على طابعه الدفاعي وعلى أنه لا يستهدف إيران، وعلى بناء هيكل أمني إقليمي قادر على العمل بصورة مشتركة.
أما في تغطية الهجوم الجديد، فقد نقلت صحيفة "يني شفق" التركية بيان التحالف السعودي بشأن إصابة 73 مدنياً في الهجمات التي طالت أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، مع تأكيد المالكي أن القوات المشتركة ستتخذ الإجراءات اللازمة لردع هجمات جديدة.
لكن حتى الآن لا يوجد إعلان تركي عن تفعيل عسكري للتحالف رداً على هجوم الثلاثاء.