يتجه المشهد السياسي في
العراق إلى مرحلة أكثر حساسية مع اقتراب الموعد المحدد لنزع سلاح الفصائل في 30 أيلول/سبتمبر الجاري، تزامناً مع انسحاب كامل القوات الأمريكية من البلاد، وسط تحركات سنية لإعادة تنظيم الصفوف والتلويح بورقة الإقليم السني.
وفي هذا السياق، برز الحديث عن تسارع الخطى نحو تشكيل تيار سياسي سني جديد، يُرجح أن يقوده رئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي، ويضم مسؤولين سابقين وشخصيات سياسية خرجت من المشهد في السنوات الماضية، جراء إخفاقها في الانتخابات أو إقصائها سياسياً.
اظهار أخبار متعلقة
وتزامن ذلك مع دعوة السياسي والبرلماني العراقي السابق مشعان الجبوري، بصفته عضواً في اللجنة التحضيرية لـ"مؤتمر العرب السنة في العراق"، إلى عقد مؤتمر جامع لمناقشة مستقبل المكون السني، يجري تنظيمه في إحدى عواصم دول الجوار، وتحديداً أنقرة أو دمشق أو عمّان.
اجتماع عمّان
وفي هذا الصدد، كشف السياسي العراقي المستقل عبد القادر النايل، أن اجتماعاً عقد مؤخراً في عمّان، بمشاركة أكثر من 20 شخصية سياسية سنية، بينهم سياسيون ووزراء سابقون ونواب سابقون، لبحث تشكيل كيان سياسي جديد والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية البرلمانية المقبلة.
وقال النايل لـ"
عربي21" إن الاجتماع ضم شخصيات بينها أحمد أبو ريشة، وأسامة النجيفي، ورافع العيساوي، وقاسم الفهداوي، وكريم عفتان، إضافة إلى شخصيات سياسية وبرلمانية أخرى، مشيراً إلى أن غالبية المشاركين واجهوا تراجعاً سياسياً وخسروا مواقعهم في الانتخابات الماضية.
وأوضح أن المجتمعين بحثوا إعادة تشكيل حزب أو كيان سياسي جديد يمكن أن يخوض الانتخابات المقبلة، سواء انتخابات مجالس المحافظات أو الانتخابات البرلمانية المبكرة، في ظل أحاديث عن توجه لإجراء "انتخابات مبكرة" في نهاية عام 2027.
وأضاف النايل أن هذا الحراك يأتي في "توقيت سياسي حساس"، مع تصاعد الحديث عن "مرحلة جديدة" في العراق بعد 30 أيلول/سبتمبر، ولا سيما ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة، واحتمال "تراجع النفوذ الإيراني"، إلى جانب احتمال اتساع الدور الدولي في العراق.
لكن النايل قلل من فرص نجاح هذا التحرك في استقطاب الشارع السني أو الحصول على دعم إقليمي، قائلاً إن الشخصيات المشاركة "لم تستطع خلال وجودها في السلطة توحيد الموقف السني"، بل كانت جزءاً من حالة التنافس والتخندقات الداخلية على الزعامة.
تعزيز اللامركزية
وبخصوص ما طرحه مشعان الجبوري عن عقد اجتماع سني أوسع، قال النايل إن الأمر لا يزال أقرب إلى "اجتهاد فردي"، ولم يُطرح بصورة رسمية على الأطراف المعارضة أو حتى على الشخصيات التي شاركت في اجتماع عمّان، لافتاً إلى أن الجبوري لم يكن حاضراً مع المجتمعين.
وأشار النايل إلى أن المطالب المطروحة لا تتجه بالضرورة نحو تشكيل إقليم سني، وإنما نحو تعزيز "اللامركزية" ومنح المحافظات صلاحيات أوسع، إلى جانب المطالبة بسحب قوات الحشد الشعبي من محافظات ذات غالبية سنية، بينها نينوى وصلاح الدين وديالى والأنبار وكركوك.
وشدّد على أن أي مشروع سياسي جديد لن ينجح من دون مشاركة القوى السنية الرئيسية، مشيراً إلى أن شخصيات مثل محمد الحلبوسي وخميس الخنجر، إلى جانب قوى وشخصيات أخرى، ليست حاضرة في هذا الحراك، ولا توجد مؤشرات واضحة حتى الآن على رغبتها في الانضمام إليه.
وبحسب النايل، فإن السنة لا يحتاجون إلى شخصية أو مجموعة تدّعي تمثيلهم بقدر حاجتهم إلى مؤتمر جامع، يضع ملف الحقوق السياسية والأمنية والإدارية في صدارة أولوياته، بعيداً عن صراع الزعامات.
وبيّن السياسي العراقي أن من أبرز هذه الملفات ضمان "التوازن في مؤسسات الدولة"، وحماية حرية الرأي، وإطلاق سراح المعتقلين، والحفاظ على الحدود الإدارية للمحافظات، والعمل على إعادة سكان المدن والقرى التي لا يزال أهلها مهجّرين منها.
وختم النايل حديثه بالقول إن توحيد المطالب والحقوق للمكون يمكن أن يشكّل أرضية مشتركة بين مختلف القوى والشخصيات السنية، مؤكداً أن التمثيل السياسي ينبغي أن يكون نتيجة لهذا التوافق، و"ليس نقطة البداية أو مدخلاً للاستئثار بالقرار السني".
ضغط سياسي
وعلى صعيد آخر، رأى المحلل السياسي علي البيدر، في حديث لـ"
عربي21"، أن التحرك لا يتجاوز في الوقت الراهن كونه "محاولة للضغط السياسي"، خصوصاً أن القوى التي تتحدث عن هذا المشروع باتت خارج السلطة، ولا تمتلك أدوات مؤثرة داخل البرلمان أو الحكومة.
وبيّن البيدر أن هذه الجهات قد تراهن على حالة التذمّر المتنامية داخل جزء من القاعدة الجماهيرية السنية، في ظل ما وصفه بـ"تراجع الواقع الخدمي، وسلوكيات السلطة، والشعور المتزايد بالتهميش والإقصاء والاحتكار".
وأكد الخبير العراقي أن المؤتمر لن يتجاوز حدود "الزوبعة الإعلامية" ما لم يكن مدعوماً إقليمياً أو دولياً، مشيراً إلى أن حصوله على دعم خارجي من شأنه أن يغير طبيعة المشهد ويمنحه زخماً سياسياً مختلفاً.
ورأى البيدر أن السلطة والنظام السياسي، ولا سيما القوى الشيعية الحاكمة، مطالبان بإعادة حساباتهما في التعامل مع المكون السني، واعتماد مقاربة وطنية جامعة، بعيداً عن "سياسات الإقصاء والتهميش".
وحذر الخبير العراقي من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى "إرباك المشهد العراقي مجدداً وتسليط الضوء على الأزمات الداخلية"، بعد أن انشغلت الأنظار بالصراع الإقليمي والدولي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها في المنطقة من جهة أخرى.
وفي المقابل، شدد البيدر على أن الواقع السني نفسه بحاجة إلى مراجعة شاملة، قائلاً إن "من يتحدثون اليوم عن إصلاح البيت السني كانوا جزءاً من المشهد السياسي، ولذلك يتساءل الشارع: أين كانوا عندما تعرض العرب السنة لكل ما تعرضوا له؟".
وأشار إلى أن دوافع بعض القوى التي عادت لطرح هذا الملف "لا تبدو إصلاحية بالدرجة الأولى، بقدر ما ترتبط بمواقف شخصية وتقاطعات في المصالح ورغبة في استعادة الحضور السياسي"، معتبراً أن هذه القوى تحاول العودة إلى المشهد "من الشباك" بعدما خرجت منه خاسرة إلى حد كبير.
ولفت البيدر إلى أن السؤال الأهم يتمثل في غياب تيارات سنية شبابية وإصلاحية جديدة قادرة على تقديم رؤية مختلفة، قائلاً إن الساحة السنية بحاجة إلى "تيارات تمتلك رؤية براغماتية تعمل لمصلحة المكون، لا لمصلحة التيارات الفئوية".
وأعرب عن اعتقاده بأن القوى السياسية الحالية لن تتمكن بمفردها من إنتاج واقع مختلف للمكون السني، لأن الأزمة تتجاوز مسألة تشكيل هوية سياسية جامعة، لتصل إلى الحاجة إلى "إعادة تنظيم البيت السني وإعادة تشكيل علاقته داخلياً، وعلاقته بالجمهور، وبقية المكونات، وكذلك بالمشهد الإقليمي".
حراك براغماتي
وفي ما يتعلق بمشروع الإقليم السني، رفض البيدر اختزاله في مسألة سلاح الجماعات المسلحة، موضحاً أن "فكرة الإقليم لا تنشأ بالضرورة كرد فعل على سلوك الجماعات المسلحة، وإنما قد تكون في بعض الأحيان حاجة إدارية أو فنية أو مرتبطة بخصوصية المكونات".
وأشار إلى أن تجربة إقليم كردستان قد تكون أحد العوامل التي دفعت بعض القوى إلى التفكير في تكرارها، باعتبارها، من وجهة نظر أصحاب هذا الطرح، "تجربة ناجحة وفريدة في الشرق الأوسط، وليس في العراق فقط".
اظهار أخبار متعلقة
ورأى البيدر أن "حالة الإحباط والشعور بالإقصاء والتهميش" داخل قطاعات من المكون السني، إلى جانب إخفاق الإدارات المحلية وعدم نجاح ممثلي المكون في التعبير عن مصالحه وتمثيله بالشكل المطلوب، قد تدفع بعض أبناء المكون إلى البحث عن "تجربة سياسية جديدة" عبر فكرة الإقليم.
وخلص الخبير العراقي إلى أن ربط مشروع الإقليم حصراً بسلاح الجماعات المسلحة "تبسيط للمشهد"، وإن كان هذا الملف قد يتحول إلى جزء من أدوات الضغط والحراك السياسي.
ووصف البيدر تحركات بعض القوى السنية بأنها "حراك براغماتي" هدفه الأساسي استعادة موطئ قدم في المرحلة المقبلة، بعدما خرجت هذه الأطراف من المشهد السياسي عبر "نافذة النظام" بعد أن عجزت عن الحفاظ على نفوذها السابق.