رحيل "جمل المحامل" ..الذاكرة البصرية لفلسطين (بورتريه)

اشتهر سليمان منصور بلوحاته النابضة بالحياة والمؤثرة، والتي تبرز جمال وصمود الثقافة الفلسطينية- عربي21
اشتهر سليمان منصور بلوحاته النابضة بالحياة والمؤثرة، والتي تبرز جمال وصمود الثقافة الفلسطينية- عربي21
شارك الخبر
حمل فلسطين في لوحته وحمل ذاكرة شعبه إلى العالم عبر الفن التشكيلي.

عرف بشكل واسع لغالبية الجمهور العربي عبر اللوحة الشهيرة "جمل المحامل" التي رسمها في منتصف سبعينات القرن العشرين، والتي تمثل عجوزا فلسطينيا يحمل القدس وصخرة الأقصى على ظهره مربوطة بحبل المعاناة الفلسطينية.

لوحاته تحولت إلى أيقونات فنية ووطنية، اختزلت في صورتها حكاية شعب يحمل وطنه وتاريخه وذاكرته، تستحضر الأرض والقدس والتراث الفلسطيني والزيتون والبرتقال والطين والفخار والتطريز.

اشتهر بلوحاته النابضة بالحياة والمؤثرة، والتي تبرز جمال وصمود الثقافة الفلسطينية. واكب تطورات وتحولات الحركة الفنية الوطنية، وقدم رؤية فريدة لفلسطين، وسلط الضوء على حياة الفلسطينيين وثقافتهم.

أحد أهم أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، الذي شكلت تجربته الفنية على مدى عقود جزءا من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية.

ولد سليمان منصور في بيرزيت التي تقع شمال مدينة رام الله، في عام 1947، وأمضى سنوات طفولته في الريف الفلسطيني بين بيرزيت وبيت جالا، شمال مدينة بيت لحم، حيث تابع دراسته الابتدائية في المدرسة "الإنجيلية اللوثرية" في بيت جالا، بسبب وفاة والده وهو في الرابعة من عمره.

اظهار أخبار متعلقة


التحق، بوالدته التي كانت قد استقرت في ضواحي القدس في عام 1967، والتحق بـ"أكاديمية بيتسلئيل للفنون والحرف" ما بين عامي 1967 و1970.

عمل في مجال تدريس الفن في "دار المعلمات" التابعة لوكالة "الأونروا" برام الله ما بين عامي 1975 و1982، ومدرسا للفنون في "جامعة القدس"، ومدرسا في "الأكاديمية الدولية للفنون المعاصرة" في رام الله وهو عضو في مجلس إدارتها، متزامنا ذلك مع عمله في تطوير الصناعات الحرفية في "جامعة بيرزيت"، والرسوم الإيضاحية في الكتب التعليمية.

ساهم في تأسيس "رابطة التشكيليين الفلسطينيين" في عام 1973 رفقة أحد مؤسسي الحركة الفنية الفلسطينية المعاصرة، نبيل عناني، وأصبح منصور رئيسها في الفترة من في 1986 وحتى 1990، كما شارك عام 1994 في تأسيس "مركز الواسطي للفنون" في القدس، وتولى إدارته منذ عام 1996 ولغاية عام 2003.

مارس التصوير الزيتي كما أنتج المجسمات الناتئة بالجبس، وقام بالدق على النحاس وتطعيمه وصب المينا عليه، وبحرق الخشب، وبصياغة الخزف، وتصميم الملصق السياسي، وتصوير الجداريات الفسيفسائية ذات الموضوع الكنسي.

في عام 1973، أنجز منصور النسخة الأولى من لوحة "جمل المحامل" التي تحولت إلى رمز بصري واسع الانتشار، وجسدت ثقل القدس المحمول على أكتاف الفلسطينيين، حتى أصبحت الإشارة إلى الرجل الذي يحمل القدس رمزا بصريا معروفا.

ولسنوات طويلة، كان يعتقد أن النسخة الأصلية من اللوحة قد فقدت، قبل أن تكشف دار "كريستيز" عام 2015 أن أحد مقتني الأعمال الفنية في لندن يملكها، بعدما فحصها فريق مختص وتحقق من أنها النسخة التي رسمها منصور عام 1973.

أما النسخة الثانية التي رسمها عام 1976، فقد اقتناها السفير الليبي في لندن وأهديت إلى الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ويتردد في أنها دمرت خلال القصف الأميركي على طرابلس في عام 1986. وفي عام 2005، رسم منصور نسخة ثالثة دخلت ضمن مجموعة رمزي دلول، رجل أعمال واقتصادي فلسطيني.

ولم تكن "جمل المحامل" العمل الوحيد في تجربة منصور، لكنها بقيت الأكثر التصاقا باسمه، إلى حد أن شهرتها غطت أحيانا على تنوع تجربته الفنية التي شملت اللوحات الزيتية والأعمال الطينية وتجارب استلهمت الحياة اليومية والتراث الفلسطيني.

انصب تركيز منصور على الأعمال الزيتية والطينية؛ حيث بدأ بإنتاج أعمال طينية في عام 1989 على وقع الانتفاضة الأولى، انتفاضة الحجارة، واستخدام المواد المحلية كموقف سياسي، حيث بات ابتكار السبل التي تعزز الاكتفاء الذاتي عن طريق الاعتماد على الموارد المحلية في كافة أوجه الحياة اليومية لمقاطعة المواد الاستهلاكية الإسرائيلية، والاستفادة من المواد الطبيعية المحلية مثل: القهوة والحناء والطين والخشب والفخار والشيد والخيش والتبن وغيرها.

لم تتوقف موهبة منصور على الفن التشكيلي والحرفي فقد امتدت إلى رسوم الكاريكاتير السياسي في صحيفة "الفجر" المقدسية الصادرة بالإنجليزية بداية في عام 1981 وحتى عام 1993، كما رسم الكاريكاتير في مجلة "العودة".

شارك في عام 1987 في تأليف كتاب "الملابس الشعبية الفلسطينية"، وكتاب "دليل التطريز الفلسطيني" اللذين أصدرتهما "جمعية إنعاش الأسرة" في البيرة التي كان عضوا  في مجلس إدارتها.

اظهار أخبار متعلقة


ووثق كتاب "على درب الغول: سيرة غيرية- مذكرات سليمان منصور"، جانبا واسعا من سيرته، وأعدت الباحثة رنا عناني الكتاب استنادا إلى حوارات مطولة معه، متناولة طفولته ومسيرته الفنية ورؤيته لمفهوم الفنان ودوره.

أقام "أبو فارس" كما يكنى، عدة معارض شخصية في رام الله وفي العالم من أبرزها: معرض في مقر الأمم المتحدة بنيويورك (1992)، وبينالي الشارقة (1995)، وقاعة بلدية ستافانجر بالنرويج (1996)، وبينالي القاهرة (1998)، وشارك في عدة معارض جماعية في فلسطين، واشنطن، بيروت، موسكو، أوسلو، الكويت، المغرب، نيويورك، الأردن، ستوكهولم، باريس، كوريا، قطر، والمغرب.

حصل على عدة جوائز منها: جائزة فلسطين للفنون التشكيلية (1998)، والجائزة الكبرى في بينالي القاهرة ( 1998)، وجائزة اليونسكو- الشارقة للثقافة العربية (2019)، وحصل على جائزة النيل للمبدعين العرب (2025 ) وهي أرفع الجوائز التي تمنحها الدولة المصرية.

أعلن عن وفاته في 24 أب/ أغسطس الحالي بعد معاناة مع المرض عن عمر ناهز 79 عاما. وقالت العائلة في بيان، "لقد كتب الفصل الأخير، بقلوب يعتصرها الحزن إلى حد يفوق الوصف، نعلن أن والدنا العزيز قد رحل عن عالمنا".

وأضافت العائلة "يترك خلفه حياة ملؤها الجمال والذكريات، وإرثا سيستمر في العيش من خلال كل من لامس حياتهم. أما بالنسبة لنا، فقد فقدنا أبا كان مصدر حبنا وقوتنا وملاذنا".

ونعاه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، كما نعته وزارة الثقافة الفلسطينية في بيان وصفت أعماله بأنها "شاهدة على التاريخ الفلسطيني وحارسة للهوية" وأنها "تستحضر الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون".

وعلى نحو لافت شيعت جماهير غفيرة من أبناء الشعب الفلسطيني، جثمان الفنان التشكيلي العالمي في مسقط رأسه ببلدة بيرزيت وصولا إلى كنيسة القديس بطرس الأسقفية، وسط حضور حاشد من الشخصيات الوطنية والمثقفين ورفاق درب الفنان الراحل الذين قدموا لوداع أحد أبرز أعمدة الفن المعاصر.

لقد ركز منصور في أعماله على تفاصيل الحياة الفلسطينية، فظهرت الأرض وأشجار الزيتون والبرتقال والقرى والبيوت والفلاحون والملابس التقليدية والقدس، وتعتبر هذه العناصر عناصر أساسية في تشكيل الهوية الوطنية.

وارتبط اسم منصور بما يعرف بفن المقاومة الفلسطيني، فقد استخدم الفن للتعبير عن الواقع الفلسطيني والحفاظ على الذاكرة الجماعية.

وتتميز أعماله باستخدام الرموز والعناصر المستمدة من البيئة المحلية، بالإضافة لذلك، يعتمد على أسلوب بصري بحيث تصبح اللوحة وسيلة للتوثيق والتعبير عن الانتماء والتشبث بالأرض.

وترتدي جميع النساء في لوحات منصور الثوب ‌الفلسطيني المطرز باختلاف تصاميمه، فهو أحيانا مطرز بالكامل، وفي أحيان أخرى يكتفي بقليل من التطريز عند أطرافه.

لم يكن منصور يرى نفسه منعزلا عن الشعب الفلسطيني يقول:" أنا واحد من أبناء هذا الشعب، كأنني أنطق بلسانهم. من غير الممكن أن أنتج  شيئا غريبا عن الناس، سواء كان في حزني أو في غضبي أو في أملي. أنا واحد من الناس، وآمالهم هي آمالي".

كان يرفض جميع الألقاب ومن بينها "عراب الفن الفلسطيني التشكيلي" يقول:" أنا لست عرابا لأي شيء. حتى إنني لا أستطيع تحديد ما إذا كانت الكلمة جيدة أم سيئة. لا أحب النظر إلى نفسي كأني متميز عن سائر الفنانين. القضية ليست بالأسماء ولا بالألقاب. لكن إن كانوا هم من ينظرون إليّ بهذا الشكل فهذا شرف كبير لي".

وتوحي مسيرة منصور الفنية بأنه كان بعيدا عن السياسة، رغم أن الواقع يقول أنه كان متجذرا وسط هذا المخاض السياسي والنضالي الفلسطيني فالفن التشكيلي الفلسطيني لا يمكن إلا أن يكون سياسيا يقول: "بداية، دائما يواجه الفنان الفلسطيني، سواء بإرادته أو خارج إرادته، اتهاما سياسيا.

فوجودنا، مجرد وجودنا، يمكن عدة معاديا للسامية، كوننا ضد الصهيونية. ولاحظت هذا الأمر في معارضنا في أوروبا وألمانيا، مطلع الثمانينيات. كان مجرد نشر إعلان عن وجود معرض للفن الفلسطيني في الجريدة كافيا لأن يصبح لديّ أعداء جدد، ومن ناحية أخرى أصدقاء جدد".

يوضح منصور "مجرد القول إنك فلسطيني يصبح فنك سياسيا. أعرف كثيرين من الفنانين الشبان، الذين حاولوا الابتعاد قليلا عن العمل السياسي، لكن الأمر مستحيل، فأنت في النهاية صاحب قضية".

كان يسعده عندما تصله رسالة من شبان فلسطينيين ولدوا في الغربة، ويقولون إنهم لم يروا فلسطين أبدا، "لكنهم يعرفونها من خلال أعمالي".

نعم لقد عرف جيل بأكمله فلسطين من خلال أعمال سليمان منصور الذي ترك بصمة واضحة في الذاكرة الفلسطينية.
التعليقات (0)