مناضل أممي واللاجئ السياسي الوحيد في لبنان.
أحد أبرز رموز النضال الأممي الذين انخرطوا في دعم
القضية الفلسطينية.
عندما سُئل أثناء محاكمته في
بيروت، عن سبب وجوده في
لبنان بشكل غير رسمي وعن سبب استعماله لجواز سفر مزور، أجاب: "بعد قيامي
بعملية اللد ظننت أنني أصبحت مواطنا عربيا لي حق الإقامة في أي قطر عربي، واعتمادي
جواز سفر مزور فقط للهروب من ملاحقة الشرطة اليابانية والأنتربول الدولي".
وجد، كوزو أوكاموتو، أو "أحمد الياباني"
المولود عام 1947 في مدينة كوماموتو جنوبي اليابان لعائلة من الطبقة المتوسطة،
ودرس علم النبات، نفسه في عام 1966 ضمن صفوف "الجيش الأحمر الياباني"
تلك المنظمة اليسارية الثورية المتفرعة من "الحزب الشيوعي" الياباني التي
أخذت على عاتقها مهمة "مساندة الشعوب المضطهدة في الأرض وإشعال ثورة عالمية
ضد الظلم والقهر الذي تمارسه القوى الاستعمارية والإمبريالية في هذا العالم"،
بحسب أدبيات المنظمة الأممية.
وبقيادة فوساكو شيغينوبو، بدأ التنظيم التنسيق مع
"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" عبر شخصيات بارزة، من بينها وديع حداد
وغسان كنفاني، ونفذت خلال سبعينيات القرن الماضي عدة عمليات مشتركة بين
الطرفين.
وقد حازت قضية فلسطين على اهتمام وانتباه هذه
المنظمة، فتوجه عام 1971، ثلاثة يابانيين إلى بيروت للقاء قادة "الجبهة
الشعبية " من أجل إقناع قيادتها بالتحاق مجندين يابانيين للقتال في صفوفها،
في لحظة حولت بعض التنظيمات الفلسطينية إلى تنظيمات أممية.
أقام أوكاموتو الذي كان يتحدث العديد من اللغات مثل
اليابانية والإنكليزية والعبرية والعربية والصينية والروسية بطلاقة، في بيروت
برفقة زميليه.
وستتوجه مع بداية عام 1972 مجموعة من "الجيش
الأحمر" إلى بيروت، للتدريب على تنفيذ عملية في مطار اللد قرب تل أبيب والتي
تهدف إلى اغتيال العالم الإسرائيلي أهارون كاتزير المتخصص بالسلاح البيولوجي،
والانتقام لتدمير "الكوماندوز" الإسرائيلي طائرات شركة "طيران
الشرق الأوسط" ببيروت.
وسيصل
أوكاموتو برفقة ياسويوكي ياسودا (صلاح)، وأوكودايرا تسويوشي (باسم) إلى مطار اللد
قادمين من روما.
وبعد النزول من الطائرة سيذهب الثلاثة إلى منطقة
الأمتعة لأخذ أمتعتهم التي كانت تحتوي على أسلحة رشاشة كانت مخبأة داخل حقائب
السفر، وعندما وصلت الحقائب لأيادي المسافرين أخرج الثلاثة أسلحتهم من حقائبهم
وباشروا بإطلاق النار.
وألقت المجموعة خمس قنابل يدوية، ثلاث منها على
الطائرات في المطار، وواحدة على قسم الجمارك، والخامسة على السيارات، وأسفرت
العملية عن مقتل 21 إسرائيليا وآخرين.
قامت المجموعة بعد الانتهاء من إلقاء القنابل
بالانسحاب من المطار واشتبكت في طريقها مع دورية للاحتلال حيث أسفر الاشتباك عن
مقتل 5 أفراد من الدورية ليرتفع عدد القتلى الإسرائيليين والأمريكيين إلى 26 من
بينهم العالم البيولوجي الإسرائيلي المستهدف وجرح 71 آخرين.
وقتل ياسودا (صلاح) في الهجوم بعد نفاذ ذخيرته، أما
أوكودايرا (باسم) فقد قتل نفسه بقنبلة يدوية على أن يقع في الأسر، وأصيب أوكاموتو
بجروح وحاول تفجير نفسه إلا أن قنبلته لم تنفجر (
الساموراي يرفض السجن ويفضل
الموت) وألقي القبض عليه مباشرة.
حوكم أوكاموتو بموجب "أنظمة طوارئ الدفاع"
التي أنشأتها سلطات الانتداب (الاحتلال) البريطاني لفلسطين، وخلال فترة استجوابه،
عرض المحققون الإسرائيليون على أوكاموتو مسدسا لإنهاء حياته مقابل التعاون، وفق
روايات نقلتها تقارير صحفية، لكنهم لم يفوا بوعدهم.
وخلال محاكمته، بدا أوكاموتو ساعيا إلى حكم الإعدام،
وفي نهاية جلسات المحكمة حكم عليه بالسجن مدى الحياة.
وفيما بعد قامت "الجبهة الشعبية – القيادة
العامة" وعناصر "الجيش الأحمر الياباني" بخطف طائرة يابانية
وطالبوا بالإفراج عن أوكاموتو مقابل الإفراج عن الرهائن على متن الطائرة. وأطلق
سراح أوكاموتو عام 1985 بعد 13 عاما قضاها في زنزانة انفرادية ضمن عملية تبادل
واسعة عرفت باسم عملية "الجليل".
لم يكن أوكاموتو الذي خرج من السجن الإسرائيلي هو
نفسه أوكاموتو الذي دخله فقد خرج محطم تماما ويعاني من إعاقات جسدية وعقلية، لقد
دمر بدنيا ونفسيا وذهنيا في السجن الانفرادي.
وقال أحد مسؤولي "الجبهة الشعبية" في
لبنان والمقرب من أوكاموتو، إنه خرج من السجن "أشبه برفاة إنسان"، مضيفا
أن سنوات الاعتقال تركت آثارا نفسية كبيرة عليه، وأنه كان يُجبر على تناول الطعام
ويداه مقيدتان خلف ظهره.
بعد خروجه من السجن انتقل أوكاموتو إلى ليبيا ثم
سوريا وأخيرا إلى لبنان، وبعد أن كان يعيش بهدوء وتواضع مع وصفات الأطباء والأدوية
والعناية الفائقة التي خضع لها من قبل "الجبهة الشعبية" منذ إطلاق سراحه
برفقة مجموعة من رفاقه اليابانيين القدامى، قامت الحكومة اللبنانية في عام 1997
بمداهمة منزله في البقاع اللبناني واعتقاله هو ورفاقه بتهمة الإقامة غير الشرعية.
ونفذت عملية الاعتقال بضغط من الحكومة اليابانية،
وحين حاولت بيروت تسليمه لليابان نظمت مجموعة كبيرة من المحامين والمثقفين وأعضاء
الأحزاب اليسارية والقوى الوطنية اللبنانية حملة للدفاع عنه وتظاهروا، وأثاروا
الرأي العام حتى نجحوا في منع الحكومة من ترحيله، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات
بتهمة مخالفة القانون اللبناني.
وبعد خروجه من السجن عام 2000 اضطرت الحكومة
اللبنانية إلى الموافقة على منحه حق اللجوء السياسي والسماح له بالإقامة في لبنان
بسبب الضغوط الداخلية مرة أخرى، ولكن تحت شرط عدم القيام بأي نشاط سياسي أو علني
وعدم إجراء أي مقابلات صحافية أو إعلامية.
وكانت قد أعلنت الولايات المتحدة عن مكافأة قدرها 5
ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه.
ومنذ ذلك الوقت بقي يعيش أوكاموتو في شقة بسيطة في
بيروت، بحسب بعض المصادر، برعاية أعضاء من "الجبهة الشعبية" الذين كانوا
يساعدونه في متطلبات حياته اليومية البسيطة.
كان أوكاموتو يشارك في مناسبات قليلة تقام لتكريمه
من حين إلى آخر، فيما كانت تشع من بين ركام الإنسان البسيط المنهك جسديا ابتسامة
عذبة تقول بأن الإنسان يمكن أن يتحطم ولكن لا يمكن أن يُهزم.
وفي السنوات الأخيرة، عاش حياة شبه سرية، لكنه شوهد
عدة مرات أثناء زيارته قبري رفيقيه اللذين قتلا خلال العملية في مقبرة ببيروت.
توفي الخميس، في بيروت عن عمر ناهز 78 عاما، وفق ما
أعلنت "الجبهة الشعبية"، وذلك بعد أكثر من 5 عقود على مشاركته في عملية
مطار اللد التي تعد تطورا مهما في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي.
أوكاموتو ظل، رغم تراجع حالته الصحية والنفسية،
يتحدث باستمرار عن فلسطين، وكان كما يوصف من قبل المقربين، بأنه شخص "لا يعرف
كلمة موجوع أو متعب".