تأجلت 27 سنة.. ما قصة محاكمة خالد شيخ محمد المتهم بـ"11 سبتمبر"؟

خالد شيخ محمد ولد في الكويت وتعود أصوله إلى البلوش بين باكستان وإيران- جيتي
خالد شيخ محمد ولد في الكويت وتعود أصوله إلى البلوش بين باكستان وإيران- جيتي
شارك الخبر
حدد القضاء العسكري الأمريكي أخيرًا موعدًا لبدء محاكمة خالد شيخ محمد، الذي تتهمه واشنطن بأنه العقل المدبر لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر، إلى جانب ثلاثة متهمين آخرين، وذلك في 5 حزيران/يونيو 2028، أي بعد مضي نحو 27 عاما من الهجمات.

ويأتي تحديد الموعد بعد أكثر من عقدين من الاعتقال والإجراءات القضائية المتعثرة، التي تنقلت بين السجون السرية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه"، ومعتقل غوانتانامو، وجلسات ما قبل المحاكمة، والخلافات حول الأدلة التي جرى الحصول عليها خلال فترات احتجاز المتهمين واستجوابهم.

وكان الادعاء قد طلب بدء المحاكمة في كانون الثاني/يناير 2027، لكن القاضي العسكري المقدم في سلاح الجو الأمريكي مايكل شراما رأى أن الوقت غير كافٍ لحسم القضايا التمهيدية، ولا سيما النزاعات المتعلقة بالأدلة، فحدد 5 حزيران/يونيو 2028 موعدًا لبدء المحاكمة.

وإذا لم يطرأ تأجيل جديد، فستبدأ المحاكمة بعد 26 عامًا وتسعة أشهر من الهجمات، وبعد نحو 20 عامًا من توجيه الاتهامات الرسمية للمتهمين، في واحدة من أطول القضايا القضائية وأكثرها تعقيدًا في تاريخ الولايات المتحدة.

والمفارقة المثيرة أنه عندما تبدأ محاكمة خالد شيخ محمد في حزيران/يونيو 2028، سيكون قد مضى على هجمات 11 سبتمبر/أيلول نحو 27 عامًا، وهي مدة تكفي لتبدل جيل كامل. فنحو ثلاثة من كل عشرة أمريكيين اليوم لم يكونوا قد وُلدوا أصلًا عندما وقعت الهجمات.

كويتي من أصول "بلوشية"

وُلد خالد شيخ محمد في الكويت عام 1965، ونشأ في منطقة الفحيحيل ضمن أسرة متدينة تعود جذورها إلى البلوش في منطقة بلوشستان، الواقعة اليوم بين باكستان وإيران.

وكان والداه قد انتقلا إلى الكويت من باكستان في خمسينيات القرن الماضي، حيث عمل والده إمامًا لأحد المساجد. وكانت الأسرة تحمل جوازات سفر باكستانية، فيما ظل خالد شيخ محمد مرتبطًا بالكويت التي قضى فيها طفولته ومراهقته.

توجه في شبابه إلى أفغانستان للمشاركة في القتال ضد الاتحاد السوفييتي. وتذكر لجنة 11 سبتمبر أنه ذهب إلى الولايات المتحدة للدراسة بعد تخرجه من الثانوية عام 1983، قبل أن يعود إلى المنطقة وينخرط تدريجيًا في النشاط الجهادي.

الرجل الذي سبق "11 سبتمبر"


خالد شيخ محمد ليس شخصية ظهرت فجأة في 11 أيلول/ سبتمبر 2001. فبحسب لجنة التحقيق الأمريكية في الهجمات التي قُتل فيها نحو ثلاثة آلاف شخص، تعود جذور نشاطه إلى سنوات سابقة، بينها علاقته بابن شقيقه رمزي يوسف، أحد المدبرين الرئيسيين لتفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993.

كما شارك خالد شيخ محمد مع يوسف في التخطيط لعملية عرفت باسم "بوجينكا" في الفلبين خلال منتصف التسعينيات، وكانت تتضمن تفجير عدد من الطائرات التجارية الأمريكية فوق المحيط الهادئ.

وفشلت الخطة بعدما اكتشفت السلطات الفلبينية معدات لصناعة المتفجرات في مانيلا في كانون الثاني/يناير 1995، وترى لجنة 11 سبتمبر أن بعض أفكار "بوجينكا" شكلت لاحقًا أحد الجذور التي تطورت منها فكرة استخدام الطائرات في هجمات 11 سبتمبر.

وتقول الولايات المتحدة إن خالد شيخ محمد كان صاحب الفكرة الأساسية لاستخدام طائرات ركاب مدنية كسلاح، وإنه نقل الفكرة إلى قيادة تنظيم القاعدة، وعلى رأسها أسامة بن لادن.

لكن تنفيذ الفكرة احتاج إلى مجموعة من العناصر الذين سيتولون قيادة الطائرات المخطوفة. وكان المصري محمد عطا أبرز هؤلاء؛ إذ أصبح قائد خلية هامبورغ وأحد الطيارين الانتحاريين الأربعة في الهجمات، وقاد الطائرة التي اصطدمت بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي.

وبعد سنوات، أصبح خالد شيخ محمد أحد أهم أهداف الولايات المتحدة في "الحرب على الإرهاب".

اظهار أخبار متعلقة



11 سبتمبر.. الهجوم الذي غيّر العالم


في صباح 11 سبتمبر/أيلول 2001، اختطف 19 عنصرًا من تنظيم القاعدة أربع طائرات مدنية أمريكية. اصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وضربت الثالثة مبنى البنتاغون، بينما تحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا بعد مقاومة الركاب للخاطفين.

وقُتل في العملية نحو 3 آلاف شخص. أما الخاطفون الـ19، فقد قتلوا جميعًا خلال تنفيذ الهجمات، ولذلك فإن المحاكمة المرتقبة لا تتعلق بالمنفذين المباشرين، وإنما بأشخاص تتهمهم الولايات المتحدة بالتخطيط للعملية أو المساعدة فيها.

وبعد الهجمات، تحولت الولايات المتحدة إلى مطاردة واسعة لقادة القاعدة والشبكات المرتبطة بها، فيما أصبحت قضية خالد شيخ محمد واحدة من أهم الملفات التي حاولت واشنطن من خلالها إثبات المسؤولية عن الهجمات.

اعتقال ثم اختفاء

لم تعتقل الولايات المتحدة خالد شيخ محمد بعد الهجمات مباشرة. ففي آذار/مارس 2003، ألقي القبض عليه في باكستان، في عملية اعتُبرت واحدة من أكبر نجاحات أجهزة الاستخبارات الأمريكية في تلك المرحلة.

لكن اعتقاله لم يكن بداية محاكمته، بل كان بداية مرحلة أخرى ستصبح لاحقًا أحد أكبر أسباب تأخر المحاكمة. نُقل خالد شيخ محمد إلى شبكة من السجون السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" في عدة دول، يقال إن من بينها دول عربية، حيث احتُجز واستُجوب لسنوات قبل نقله إلى غوانتانامو عام 2006.

وفي أيلول/سبتمبر 2006، أعلنت إدارة الرئيس جورج بوش نقل خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة وعدد آخر من المعتقلين الذين كانوا في عهدة "سي آي إيه" إلى غوانتانامو.

مشكلة كبرى

وهنا بدأت المشكلة القانونية الكبرى. فالتعذيب أصبح جزءًا من القضية، إذ لم تكن الولايات المتحدة تملك ببساطة ملفًا جنائيًا جاهزًا لتقديمه إلى محكمة عادية.

فالمتهمون الأساسيون مروا أولًا بسنوات من الاحتجاز السري والاستجواب القسري. وكان خالد شيخ محمد من أبرز من خضعوا لما وصفته الولايات المتحدة في حينه بأساليب "الاستجواب المعزز"، بما في ذلك الإيهام بالغرق.

لكن التعذيب لم يبقَ مجرد فصل مظلم في قصة المعتقلين، بل تحول إلى مشكلة قانونية داخل القضية نفسها. فهيئة الدفاع تتمسك بأن ظروف الاحتجاز والاستجواب والتعذيب أثرت في أقوال المتهمين وفي قيمة الأدلة التي جمعتها السلطات منهم.

وهكذا أصبح على المحكمة أن تحدد أي الأدلة والاعترافات التي جُمعت خلال سنوات الاحتجاز السري يمكن استخدامها أمام هيئة المحاكمة، وأيها يجب استبعاده.

وبذلك لم يعد السؤال متعلقًا فقط بما إذا كان المتهمون ارتكبوا الجرائم المنسوبة إليهم، وإنما أيضًا بكيفية حصول الحكومة على الأدلة التي تريد استخدامها لإثبات تلك الاتهامات.

وظلت هذه القضية، المتعلقة بقابلية استخدام الأدلة والاعترافات التي جرى الحصول عليها خلال احتجاز "سي آي إيه"، من أهم أسباب تعطيل الإجراءات.

لماذا لم يُحاكم أمام محكمة أمريكية عادية؟

بعد اعتقال المتهمين، اختارت الولايات المتحدة نظام المحاكمات العسكرية الخاصة في غوانتانامو بدلًا من إحالتهم إلى محكمة مدنية عادية.

وهذا النظام نفسه أصبح موضع نزاع قانوني وسياسي. فالمحاكمة لا تجري وفق المسار التقليدي لمحاكمات الجرائم الجنائية أمام المحاكم الفيدرالية الأمريكية، بل أمام لجنة عسكرية، مع قواعد خاصة بالأدلة والإجراءات والمعلومات السرية.

وفي عام 2008 وُجهت إلى خالد شيخ محمد والمتهمين الآخرين اتهامات رسمية، لكن القضية لم تتقدم بصورة مستقرة نحو المحاكمة.

وفي 2012، بدأت إجراءات الاتهام الرسمية أمام اللجنة العسكرية، إلا أن القضية دخلت منذ ذلك الوقت في سلسلة طويلة من جلسات ما قبل المحاكمة والخلافات القانونية.

ولم يكن تبدل المواعيد وحده سبب التعطيل؛ فقد تعاقب على رئاسة اللجنة العسكرية التي تنظر القضية عدد من القضاة، ما أضاف طبقة أخرى من التعقيد إلى مسار ظل يتعثر عند مراحل مختلفة.

كما لم يكن عام 2028 أول موعد لمحاولة الوصول إلى المحاكمة؛ فقد كان من المقرر أن تبدأ المحاكمة في 2021، قبل أن يتعطل المسار وسط استمرار النزاعات القانونية والإجرائية.

خمسة متهمين.. لماذا سيحاكم أربعة فقط؟


ارتبطت القضية في الأساس بخمسة متهمين رئيسيين، لكن أربعة فقط سيشاركون في المحاكمة المرتقبة.

1. خالد شيخ محمد
أبرز المتهمين، وتصفه الولايات المتحدة بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر.

2. وليد بن عطاش
يُتهم بأنه أحد المشاركين في التخطيط للهجمات، وله تاريخ سابق مع تنظيم القاعدة. وهو أحد المتهمين الأربعة الذين سيحاكمون مع خالد شيخ محمد في 2028.

3. علي عبد العزيز علي
ويُعرف أيضًا باسم عمار البلوشي، وهو ابن شقيق خالد شيخ محمد.

وتتهمه الولايات المتحدة بالمساعدة في التحضير للهجمات ودعم بعض الخاطفين، وهو أحد المتهمين الذين سيواجهون المحاكمة في 2028.

4. مصطفى أحمد الحوساوي
اتهم بالمساعدة في تمويل وترتيب بعض جوانب العملية، وهو رابع المتهمين الذين ستشملهم محاكمة 2028.

5. رمزي بن الشيبة.. المتهم الذي خرج من المحاكمة
أما رمزي بن الشيبة، فقصته مختلفة. كان أحد المتهمين الخمسة في القضية، لكنه لن يكون ضمن المحاكمة المقبلة.

ففي أيلول/سبتمبر 2023، قرر قاضٍ عسكري أنه غير مؤهل للمحاكمة، بعدما خلص تقييم طبي إلى معاناته من اضطراب ما بعد الصدمة وأعراض نفسية مرتبطة بسنوات احتجازه ومعاملته في السجون السرية الأمريكية.

ولم تنته قصته عند ذلك؛ إذ لا يزال ملفه منفصلًا عن المحاكمة الرئيسية، مع استمرار الإجراءات المتعلقة بعلاجه ووضعه القانوني وقدرته على المشاركة في الإجراءات. وتظهر السجلات الرسمية للمحاكمات العسكرية استمرار تقديم طلبات وإجراءات في ملفه حتى صيف 2026.

صفقة كانت يمكن أن تنهي القضية


المفارقة الأكبر جاءت في 2024. بعد سنوات من المفاوضات، توصل الادعاء والدفاع إلى اتفاق إقرار بالذنب مع خالد شيخ محمد واثنين من المتهمين، كان من شأنه أن ينهي القضية من دون محاكمة كاملة، مقابل إقرارهم بالذنب وعدم سعي الحكومة إلى عقوبة الإعدام، مع توقع أحكام بالسجن مدى الحياة.

لكن الصفقة فجرت معركة سياسية وقانونية جديدة. فبعد إعلان الاتفاق في تموز/يوليو 2024، تدخل وزير الدفاع الأمريكي آنذاك لويد أوستن وألغى الاتفاق بعد أيام، وسط انتقادات سياسية واسعة.

ورأت المحكمة العسكرية لاحقًا أن أوستن تجاوز صلاحياته وأن الاتفاق كان نافذًا، لكن الحكومة طعنت في القرار.

وفي تموز/يوليو 2025، حسمت محكمة الاستئناف الفيدرالية في واشنطن المسألة لمصلحة الحكومة، بقرار من أغلبية قاضيين مقابل واحد، وأقرت حق أوستن في إلغاء الاتفاق.

وبذلك عادت القضية مرة أخرى إلى الطريق نحو المحاكمة.

لماذا احتاجت القضية إلى نحو 27 عامًا؟


الإجابة ليست سببًا واحدًا، بل يمكن اختصارها في أربعة أسباب أدت إلى هذا التأخير:

أولًا: سنوات الاعتقال السري.
لم يُنقل خالد شيخ محمد مباشرة إلى غوانتانامو أو إلى محكمة أمريكية، بل أمضى نحو ثلاث سنوات في شبكة السجون السرية التابعة لـ"سي آي إيه".

ثانيًا: التعذيب وقضية الأدلة.
أصبحت طريقة الحصول على الاعترافات والأدلة نفسها موضوعًا للمحاكمة قبل المحاكمة، إذ يتعين على القاضي تحديد ما يمكن استخدامه وما لا يمكن استخدامه.

ثالثًا: النظام العسكري الاستثنائي.
القضية وضعت داخل منظومة المحاكم العسكرية في غوانتانامو، التي واجهت منذ تأسيسها أسئلة قانونية حول الاختصاص والإجراءات وحقوق المتهمين.

رابعًا: المعارك السياسية والقانونية المتكررة.
كلما اقتربت القضية من نقطة الحسم، ظهرت قضية جديدة: تغيير القضاة، والطعون، والأدلة السرية، ووضع المعتقلين النفسي، ثم صفقة الإقرار بالذنب التي أُبرمت وأُلغيت وعادت إلى المحاكم قبل أن تحسم محكمة الاستئناف حق وزير الدفاع في إلغائها.

أين انتهى أبرز من ارتبطوا بالقضية؟


قضية 11 سبتمبر لم تتوقف عند الأشخاص الخمسة في غوانتانامو، فهناك عدة شخصيات بارزة ارتبطت بهذه الهجمات.

أسامة بن لادن: قائد تنظيم القاعدة، قُتل في عملية أمريكية في أبوت آباد بباكستان عام 2011، أي بعد عشر سنوات من الهجمات.

محمد عاطف "أبو حفص المصري": أحد أبرز القادة العسكريين في القاعدة، وقُتل في غارة أمريكية في أفغانستان في تشرين الثاني/نوفمبر 2001، بعد أسابيع من الهجمات.

رمزي يوسف: ابن شقيق خالد شيخ محمد وأحد المدبرين الرئيسيين لتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993. اعتُقل في باكستان عام 1995، ونُقل إلى الولايات المتحدة، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة.

زكريا موسوي: الفرنسي من أصل مغربي، كان عضوًا في القاعدة وأصبح الشخص الوحيد الذي حوكم وأدين في الولايات المتحدة في قضية مرتبطة مباشرة بمخطط 11 سبتمبر. أقر بذنبه وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة عام 2006.

أما عدد كبير من العناصر الآخرين الذين لعبوا أدوارًا في الشبكة، فقد قتلوا أو اعتقلوا أو اختفوا خلال الحرب الأمريكية الطويلة على القاعدة.
التعليقات (0)