كيف تصاعد الاستيطان الإسرائيلي منذ أوسلو؟

تحول اتفاق أوسلو إلى غطاء زمني لمضاعفة عدد المستوطنين وتوسيع الاستيطان- جيتي
تحول اتفاق أوسلو إلى غطاء زمني لمضاعفة عدد المستوطنين وتوسيع الاستيطان- جيتي
شارك الخبر
منذ توقيع "إعلان المبادئ" بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في واشنطن يوم 13 أيلول/ سبتمبر 1993، والمعروف باتفاق أوسلو، مرّ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية وشرق القدس بمسار تصاعدي متواصل، رغم أن الاتفاق أرجأ ملف الاستيطان إلى "مفاوضات الوضع النهائي" التي لم تُعقد قط بشكل حاسم.

وبدلا من أن يفتح اتفاق أوسلو الطريق لدولة فلسطينية، تحوّل إلى ما يشبه الغطاء الزمني لمضاعفة عدد المستوطنين وتوسيع الاستيطان على الأرض.

تفاصيل أكثر عن الاستيطان الإسرائيلي:
تقسيم المُقسّم.. هل يتكرر قرار 181 الأممي في الضفة وغزة؟
ماذا يعني الضم الإسرائيلي للضفة الغربية وما أهمية التوقيت الحالي؟

1993


عند توقيع اتفاق أوسلو الأول، كان عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية باستثناء شرق القدس نحو 115 ألف مستوطن، يقيمون في أكثر من 128 مستوطنة، بحسب الهيئة الفلسطينية لمقاومة الجدار والاستيطان.

وفي شرق القدس قُدّر العدد بنحو 140 ألف مستوطن يتركزون في نحو 12 حيًا استيطانيًا كبيرًا شُيّد معظمها في السبعينيات والثمانينيات، وبذلك بلغ إجمالي المستوطنين في الضفة والقدس نحو 150 ألف، وسط تأكيد الاتفاق نفسه على تأجيل قضايا الاستيطان والقدس والحدود إلى مفاوضات لاحقة لم تُنجز.

ويذكر أن سلطات الاحتلال كانت قد وضعت يدها، قبل أوسلو، على نحو مليون دونم صنّفتها "أراضي دولة" لاستخدامها في البناء الاستيطاني أو لأغراض عسكرية.

1993 حتى 2000

خلال سنوات المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تُفضي إلى دولة فلسطينية، تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية تقريبًا رغم توقف بناء مستوطنات جديدة رسميًا في بعض الفترات، وقفز العدد في الضفة إلى أكثر من 190 ألف بحلول عام 2000.

وقُدّر عدد المستوطنين في شرق القدس، بأكثر من 167 ألفًا عام 2000 وفي هذه الفترة تأسست مستوطنات كبرى مثل "بيتار عيليت" و"أورانيت"، كما استُغل تأجيل ملف القدس لتوسيع مستوطنة "هار حوماه" ومصادرة أراضٍ في بيت حنينا وبيت صفافا عام 1995.

 انهيار كامب ديفيد

في قمة كامب ديفيد في الفترة ما بين 11 و25 تموز/ يوليو 2000، التي تمت حنيها ما بين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي إيهود باراك ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، رفضت "إسرائيل" مناقشة أي تغيير جوهري في وضع القدس أو حق عودة اللاجئين.

وتضمّن أفضل عرض إسرائيلي حينها خطة ضم تشريعي لنحو 10-13.5 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، مع احتفاظ إسرائيل بوجود استيطاني وأمني في 8.5-12 بالمئة إضافية لفترة انتقالية غير محددة.

وانتهت القمة دون اتفاق، وألقت واشنطن باللوم على عرفات في انهيارها، لتندلع لاحقًا الانتفاضة الثانية.

فك الارتباط عن غزة 

في أيلول/ سبتمبر 2005، أخلت "إسرائيل" 21 مستوطنة في قطاع غزة ضمّت نحو 8 آلاف مستوطن، إضافة إلى 4 مستوطنات في شمال الضفة الغربية وهي "غانيم" و"كديم" و"حومش" و"صانور"، منهية 38 عامًا من الوجود الاستيطاني المباشر في القطاع.

وكان هذا الانسحاب "الأحادي" الذي أطلقه رئيس وزراء الاحتلال حينها أرييل شارون، محسوبًا استراتيجيًا بهدف التخلص من عبء أمني في قطاع غزة مقابل تطوير الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية بشكل دائم.

وبينما تفككت مستوطنات غزة، شهدت الضفة وشرق القدس توسعًا استيطانيًا غير مسبوق في السنوات التالية، ووفق إحصاءات "السلام الآن"، ارتفع عدد المستوطنين في الضفة إلى 249.9 ألف بحلول عام 2005.

2009 حتى 2012

رغم إعلانات دولية عن ضغوط لوقف الاستيطان في مطلع ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، استمر نمو عدد المستوطنين ليصل إلى 313.9 ألف في الضفة الغربية عام 2010.
وفي عام 1999 كانت مخطط "إي1  - E1" الرامي إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس عبر مساحة 12 ألف دونم قد ظهر لاول مرة، لكن الضغوط الأميركية والأوروبية أبقته مجمدًا منذ عام 2012.

تفاصيل أكثر عن المخطط: ما جذور مخطط "إي 1" الاستيطاني.. وكيف يهدد مستقبل الدولة الفلسطينية؟

2015 حتى 2020

واصل عدد المستوطنين ارتفاعه ليبلغ 388.2 ألف في الضفة عام 2015، ثم 430 ألف عام 2018، ومع حلول كانون الثاني/ يناير 2020 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته المعروفة بـ"صفقة القرن"، التي أقرّت ضمنيًا بضم الكتل الاستيطانية إلى "إسرائيل" دون تفكيك أي مستوطنة، ونصّت على استيعاب معظم المستوطنات ضمن أراضٍ إسرائيلية متصلة، على أن يبقى نحو 3 بالمئة من المستوطنين في "جيوب" داخل الدولة الفلسطينية المقترحة.

وجرى رفض الخطة فلسطينيًا ولم تُطبَّق، لكنها مهّدت الأرضية السياسية لموجة تهديدات ضم لاحقة لأجزاء من الضفة الغربية.

نصف مليون مستوطن 

بنهاية عام 2022، تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية نصف مليون نسمة، موزعين على 158 مستوطنة، وفي أواخر العام نفسه، تولت حكومة بنيامين نتنياهو الجديدة، بمشاركة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش الذي مُنح صلاحيات موسعة على الشؤون المدنية في الضفة، لتبدأ مرحلة تصعيد غير مسبوقة.

وسجّل عام 2023 ارتفاعًا بنسبة 3 بالمئة في عدد المستوطنين بالضفة الغربية، ليصل إلى 517,407 مستوطنين بحلول 31 كانون الأول/ ديسمبر، مقارنة بـ502,991 في العام السابق، أي بزيادة نحو 14,416 مستوطنًا خلال عام واحد فقط، وبارتفاع إجمالي بلغ 15 بالمئة خلال خمس سنوات.

وقفز عدد المستوطنين باحتساب مع شرق القدس إلى نحو 746 ألفًا مع نهاية 2023، وشهد العام أيضًا اندلاع حرب الإبادة ضد غزة، التي رافقتها موجة عنف استيطاني موثقة بـ 1,860 حادثة نفذها مستوطنون بمعدل 4 حوادث يوميًا حتى نهاية 2024.

2023 حتى 2025

وافقت الحكومة الإسرائيلية حتى أواخر 2024، على بناء أكثر من 20 ألف وحدة سكنية استيطانية جديدة في الضفة الغربية، وأُنشئت 28 بؤرة استيطانية غير مرخصة حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2024، بدعم حكومي وعسكري.

وبحلول منتصف 2025، أظهر تقرير إسرائيلي أن حكومة نتنياهو صادقت، منذ توليها السلطة عام 2022، على 41,709 وحدة سكنية استيطانية، وأن عدد البؤر الاستيطانية ازداد بنسبة 40 بالمئة خلال فترة الحكومة، مع هدم 1,238 مبنى فلسطينيًا "غير قانوني" في عامي 2023 و2024.

وفي نيسان/ أبريل 2024، وافقت السلطات على أكثر من 3,165 وحدة استيطانية في كتلة "معاليه أدوميم" وحدها، التي يقطنها اليوم أكثر من 47,500 مستوطن على مساحة 58 كيلومترًا مربعًا.

إقرار مخطط "إي1"

بعد تجميد دام أكثر من عقدين بسبب اعتراضات دولية، صادقت سلطات الاحتلال في 27 تموز/ يوليو 2025 على مخططات ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بشرق القدس، وبعد أسبوعين رفضت اللجنة الفرعية للاعتراضات جميع الطعون المقدمة ضد مشروع بناء نحو 3,400 وحدة استيطانية جديدة في منطقة "إي1".

وفي 20 آب/ أغسطس 2025 مُنحت الموافقة النهائية والحاسمة على المخطط الذي يفصل جغرافيًا شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويقطع التواصل بين رام الله وبيت لحم.

ووصف سموتريتش القرار بأنه يعني "محو" الدولة الفلسطينية "بالأفعال لا بالشعارات"، فيما أدانت وزارات خارجية 31 دولة عربية وإسلامية، إلى جانب جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، هذه الخطوة، ووصفتها منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية بأنها كارثية.
ويمتد المخطط على 12 ألف دونم بين بلدات عناتا والعيساوية والزعيم والعيزرية وأبو ديس.

"الضم الفعلي"

في شباط/ فبراير 2026 اتخذت الحكومة الإسرائيلية إجراءات لتشديد سيطرتها الإدارية على الضفة الغربية وتسهيل حصول المستوطنين على الأراضي، وهي خطوات وصفها فلسطينيون ومراقبون بأنها تمثل ضمًا فعليًا زاحفًا دون إعلان رسمي.

وبحلول شباط/ فبراير 2026، بلغ عدد المستوطنين الإجمالي في الضفة الغربية وشرق القدس ما بين 700 و750 ألف مستوطن، يعيشون في نحو 250 مستوطنة، إلى جانب جزء من 256 بؤرة استيطانية.
كما سجّل عام 2025 وحده رقمًا قياسيًا بالمصادقة على أكثر من 28 ألف وحدة استيطانية جديدة في سنة واحدة، وتم توثيق 23,827 اعتداءً خلال عام 2025، نفّذ المستوطنون منها 4,723 اعتداء أدت إلى استشهاد 14 فلسطينيًا.

اظهار أخبار متعلقة


أما السيطرة على الأرض، فتفيد المعطيات بأن "إسرائيل" تسيطر فعليًا على 41 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وتهيمن على 70 بالمئة من "المنطقة ج" و90 بالمئة من منطقة الأغوار.
ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، جرى توثيق أكثر من 1,330 حادثة ضلع فيها مستوطنون في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2026 وحده.

في 15 تموز/ يوليو 2026، صادق "الكابينت" الأمني الإسرائيلي المصغر على إنشاء مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، وأعلن سموتريتش بالمناسبة أن حكومة نتنياهو وافقت، منذ توليها السلطة أواخر 2022، على إنشاء 104 مستوطنات و160 مستوطنة زراعية في الضفة الغربية، واصفًا إياها بأنها "جدار واق لمدن إسرائيلية من بينها تل أبيب والقدس".

وارتفع عدد البؤر الاستيطانية من 50 بؤرة عام 2022 إلى نحو 140 بؤرة بحلول 2026، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن أكثر من 300 بؤرة استيطانية قيد "الشرعنة"، منها 140 بؤرة اقتربت من نيل الاعتراف الرسمي، ما يرفع إجمالي المواقع الاستيطانية إلى نحو 470 موقعًا تقريبا.

وبين 25 و27 تموز/ يوليو 2026، وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية الرسمية إقامة 11 بؤرة استعمارية جديدة خلال ثلاثة أيام فقط، عقب هجوم دام نفذته مجموعات مستوطنين في قرية تل شمال غربي نابلس.

وأكدت بيانات رسمية فلسطينية أن نحو 750 ألف مستوطن يقيمون اليوم في 156 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية بما فيها شرق القدس.

في 10 آب/ أغسطس 2026، حذّرت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية من أن "إسرائيل" تمضي نحو ضم غير معلن للضفة الغربية، مستندة إلى إقامة نحو 23 بؤرة استيطانية جديدة خلال عامين ونصف في مناطق "ب" الخاضعة نظريًا للإدارة المدنية الفلسطينية المشتركة، معتبرة أن هذه السياسة تفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.

وردّ سموتريتش في اليوم التالي بأن ما تصفه الحركة بـ"الضم" هو في نظر حكومته "مسعى لإقامة منطقة أمنية"، مؤكدًا أن "ما يجري هو البداية فقط".
التعليقات (0)