الثوابت والمتغيرات في دعوة الإخوان المسلمين

محمد عماد صابر
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
تقوم دعوة الإخوان المسلمين على أصول ثابتة تستمد مشروعيتها من النصوص القطعية والمقاصد الكبرى للإسلام، وتتحرك في الوقت ذاته داخل واقع متغير يتطلب الاجتهاد والتجديد المستمرين. وتكمن الإشكالية العميقة في التاريخ الدعوي ليس في وجود هذين البعدين، بل في الخلط المنهجي بينهما؛ فتُصبغ الوسائل البشرية والهياكل التاريخية بالقداسة حتى تتحول إلى ثوابت يُحظر مساسها، أو يُتسامح في الأصول الشرعية والقيم الأخلاقية بحجة التطوير ومواكبة العصر.

أولاً: الثوابت (الأصول والمقاصد)
هي القيم والأصول الشرعية التي لا تقبل التبديل بتغير الأشخاص أو البيئات، ومن أبرزها:
مرجعية الإسلام الشاملة: اعتبار الإسلام نظاماً كاملاً للحياة (عقيدة، شريعة، أخلاقاً، وإصلاحاً مجتمعياً)، وتأكيد حاكمية النصوص القطعية ومقاصد الشريعة على كل اجتهاد بشري.

العبودية لله وتزكية الإنسان: الغاية الكبرى للدعوة هي تحرير الإنسان من عبودية الهوى والاستبداد والمادية، وبناء الشخصية الصالحة المصلحة.

الالتزام بالقطعيات والاجتهاد في الظنيات: عدم تقديم رأي القيادة أو المصلحة التنظيمية على النصوص المحكمة والإجماع الشرعي.

شمول الإصلاح والتدرج: يبدأ الإصلاح بالفرد ثم الأسرة والمجتمع، وصولاً إلى إصلاح المؤسسات والأمة، مع مراعاة سنن التدافع والاستطاعة.

الشورى والعدل والأخوة: الشورى فريضة وليست معلمة استشارية، والطاعة مقيدة بالمعروف والشفافية. ولا يجوز أن تتحول الأخوة إلى عصبية تنظيمية تُغطي على الأخطاء أو تلغي حق الصف في المحاسبة والمعرفة.

مقاومة الظلم والحفاظ على السلمية: الانحياز لحرية الشعوب وكرامتها ومواجهة الاستبداد والاحتلال، مع الالتزام بالوسائل السلمية والمشروعة ونبذ العنف، واعتبار أن الغاية النبيلة لا تبرر الوسيلة الخاطئة.

وحدة الأمة والقضايا الكبرى: وفي مقدمتها تحرير فلسطين ودعم حقوق الشعوب المظلومة، ورفض التجزئة والهيمنة الخارجية.
مراجعة أدبيات العمل الدعوي عبر أربعة عقود من الممارسة تؤكد أن حماية الدعوة تكون بتجديد وسائلها لا بتجميدها

ثانياً: المتغيرات (الوسائل والسياسات)
هي المساحات الاجتهادية التي تتغير بحسب الظروف، والمصالح، والإمكانات، ومنها:
الهياكل والأشكال التنظيمية: اللوائح، الهيئات، المكاتب التنفيذية، وأساليب البيعة هي ترتيبات إدارية بشرية فرضتها ظروف نشأة معينة. يجوز تعديلها، أو دمجها، أو إلغاؤها إذا عجزت عن تحقيق مقصدها.

القيادات والمناصب: القيادة تكليف مؤقت وإدارة للمصلحة العامة، وليست حقاً مكتسباً أو رمزية مطلقة. تخضع للمحاسبة والتغيير والعزل وفق قواعد مؤسسية واضحة.

الوسائل الدعوية والتربوية: أدوات مثل "الأسرة" و"الكتيبة" هي وسائل مرحلية وليست عبادات توقيفية. تتطلب التحولات الجيلية والتقنية مناهج تربوية جديدة تناسب معطيات العصر.

الخيارات والمواقف السياسية: المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها، التحالفات الحزبية، التواجد في السلطة أو المعارضة، والتفاوض؛ كلها اجتهادات تُقاس بميزان المصالح والمفاسد وليست عقائد ثابتة.

الخطاب والإعلام: تطوير المصطلحات ولغة الخطاب وأدوات التواصل بما يتناسب مع المجتمعات المختلفة، دون التنازل عن القيم الجوهرية.

ثالثاً: مكمن الخلل ومظاهره
ينشأ الانحراف الدعوي عندما تُرفع المتغيرات إلى مرتبة الثوابت (كربط بقاء الدعوة بوجود تنظيم محدد أو قيادة معينة)، أو عندما تُخفض الثوابت إلى مرتبة المتغيرات (كالتضحية بالشورى أو الشفافية بحجة الحفاظ على الأمن التنظيمي).

إن المحافظة على الرسالة والمبدأ هي الثابت، أما المحافظة على الشكل التنظيمي فهي وسيلة تابعة للمقصد.

رابعاً: المعايير الحاكمة للتفريق
لتجنب الخلط بين البعدين، يُمكن الاحتكام إلى المعايير الأربعة التالية:

مصدر الحجية: هل الأمر مستند إلى نص شرعي قطعي، أم إلى اجتهاد بشري ومصلحة مرسلة؟
الغاية والوسيلة: هل هذا الأمر غاية في ذاته (مقصد شرعي)، أم مجرد خطة/أداة للوصول إلى الغاية؟
النطاق والخصوصية: هل هو من كليات الشريعة المحكمة، أم من إفرازات تجربة تنظيمية في ظرف تاريخي محدد؟

الأثر والمآل: هل يؤدي تغيير هذا الإجراء إلى مخالفة شرعية صريحة، أم إلى رفع الكفاءة وتحقيق مقصد الدعوة بشكل أفضل؟

خاتمة
(إن قدرة دعوة الإخوان المسلمين على الاستمرار والفاعلية مرهونة بالصلابة في الثوابت والشيوع في المتغيرات. فلا يكون التجديد بالتخلي عن الهوية والمبادئ، كما لا يكون الثبات بتجميد تجربة إنسانية نشأت في الظروف السياسية والاجتماعية للقرن الماضي.

إن مراجعة أدبيات العمل الدعوي عبر أربعة عقود من الممارسة تؤكد أن حماية الدعوة تكون بتجديد وسائلها لا بتجميدها، وأن الحفاظ على الثوابت يقتضي التحرر من تقديس الأعراف البشرية والتنظيمية.
وإن التمييز الواضح بين الرسالة ووسائلها هو الخطوة الأولى والضرورية لنقد الذات، وتجديد المؤسسات، واستعادة القدرة على التأثير في واقع الأمة).


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)