يتجدد الجدل في الأوساط
العلمية والتقنية حول مدى "ذكاء" أنظمة
الذكاء الاصطناعي الحالية، وما إذا
كانت تمثل فهما حقيقيا للعالم أم أنها تعتمد بشكل أساسي على معالجة لغوية وإحصائية
للبيانات.
أفادت هيئة الإذاعة
البريطانية "
بي بي سي" أن هذا الجدل يأتي في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة
للنماذج اللغوية الكبيرة، رغم الانتشار الواسع لاستخدامها في مجالات متعددة خلال السنوات
الأخيرة.
ذكرت "بي بي سي"
أن يان لوكون، أحد أبرز الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي والرئيس العلمي السابق في
شركة "ميتا"، قال إن الأنظمة الحالية لا تمتلك فهماً حقيقياً للعالم المادي،
مشيراً إلى أنها لا تتجاوز في إدراكها مستوى بعض الكائنات البسيطة مثل الفئران.
وأوضحت "بي بي
سي" أن لوكون، الذي غادر الشركة عام 2025 لتأسيس مختبرات جديدة متخصصة في الذكاء
الآلي، يرى أن نماذج مثل "تشات جي بي تي" و"كلود" و"جيميني"
تعتمد على معالجة البيانات اللغوية وإعادة إنتاجها، دون قدرة فعلية على فهم الواقع
أو التفاعل معه.
وأضافت "بي بي
سي" أن لوكون أكد أن هذه الأنظمة، رغم قدرتها على أداء مهام مثل البرمجة وحل المسائل
الرياضية وتوليد النصوص، لا يمكن اعتبارها خطوة نحو ذكاء بشري أو حتى حيواني، لأنها
لا تتعامل مع العالم الحقيقي بل مع بيانات تدريب سابقة.
وتابعت "بي بي
سي" أن هذه التصريحات جاءت خلال مشاركة لوكون في مؤتمر تقني في العاصمة الفرنسية
باريس، حيث استعرض مشروعه الجديد الذي تعمل عليه مختبرات الذكاء الآلي المتقدم.
وأشارت إلى أن المشروع
الجديد يهدف إلى تطوير نموذج مختلف عن
النماذج اللغوية الحالية، يقوم على بناء تصور
داخلي للعالم يسمح بتوقع نتائج الأفعال بدلاً من الاكتفاء بتوليد إجابات تعتمد على
الاحتمالات.
وذكرت "بي بي
سي" أن لوكون يرى أن النماذج الحالية تعتمد على تجميع المعرفة من البيانات وإعادة
استخدامها، لكنها تفتقر إلى فهم العلاقات السببية أو تفسير الأحداث في سياقها الواقعي.
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت أن لوكون قدم
مثالاً بقلم موضوع على سطح، موضحاً أن الإنسان يمكنه التنبؤ بسقوطه، بينما تعجز النماذج
الحالية عن ذلك لأنها لا تفهم القوانين الفيزيائية، بل تعتمد على أنماط إحصائية.
وتابعت أن النظام الذي
يعمل عليه فريقه، والمعروف باسم "بنية التنبؤ بالتضمين المشترك"، يهدف إلى
معالجة هذا القصور عبر بناء نماذج قادرة على تقييم نتائج الأفعال قبل تنفيذها.
وأشارت "بي بي
سي" إلى أن لوكون تحدث أيضاً عن التحديات التي تواجه استخدام الذكاء الاصطناعي
في مجال الروبوتات، خصوصاً في المهام التي تتطلب تفاعلاً مباشراً مع العالم الحقيقي
مثل الأعمال المنزلية.
وذكرت أن لوكون أوضح
أن تدريب الروبوتات على هذه المهام لا يزال معقداً ومكلفاً بسبب عدم قدرة الأنظمة الحالية
على التعامل مع التغيرات غير المتوقعة في البيئة.
وتابعت أن عدداً من
الباحثين في المجال يتجهون إلى تطوير ما يعرف بـ"نماذج العالم"، والتي تهدف
إلى تمكين الذكاء الاصطناعي من فهم العلاقات السببية بدلاً من الاعتماد فقط على النصوص.
وأشارت "بي بي
سي" إلى أن لوكون يرى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على زيادة حجم
البيانات أو قوة المعالجة، بل على تغيير طريقة بناء الفهم داخل هذه الأنظمة.