بعد كشفه ثغرات أمنية ظلت مخفية لأكثر من 17 عاما داخل أنظمة تشغيل وبرمجيات يستخدمها العالم يوميا، وجد نموذج
الذكاء الاصطناعي "ميثوس 5" نفسه في قلب واحدة من أكثر الأزمات إثارة للجدل في قطاع
التكنولوجيا. فقد تحول النموذج الذي ساعد في اكتشاف آلاف الثغرات البرمجية إلى محور مواجهة سياسية وتنظيمية واسعة، عقب قرار السلطات الأميركية إيقافه مع النموذج الموجه للمستخدمين "فابل 5" بعد أيام قليلة من إطلاقهما للعامة.
ولم يقتصر الجدل على أسباب القرار أو طبيعة المخاطر الأمنية المرتبطة بالنموذجين، بل امتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بالسيادة الرقمية وحدود النفوذ الذي تملكه الحكومات على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقدرة الدول والشركات على الاعتماد على خدمات يمكن تعطيلها برسالة إلكترونية واحدة أو بضغطة زر، مهما بلغ عدد مستخدميها أو اتسع نطاق انتشارها.
وذكرت مجلة "
وايرد إيطاليا" في تقرير نشرته، اليوم السبت، أن الأزمة بدأت مع اكتشاف ثغرة أمنية تحمل الرمز "سي في إي-2026-4747" في نظام "فري بي إس دي"، وهي ثغرة تسمح بتنفيذ أوامر برمجية عن بعد وظلت غير مكتشفة لمدة 17 عاما، قبل أن يتمكن نموذج "
كلود ميثوس بريفيو" من العثور عليها خلال أسابيع قليلة فقط، في واقعة أعادت فتح النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي والسيطرة على البنية التحتية الرقمية العالمية.
ثغرة عمرها 17 عاما
وتعود جذور القضية إلى ثغرة أمنية في تطبيق "إن إف إس" ضمن نظام "فري بي إس دي"، بقيت مخفية وقابلة للاستغلال على مدى سبعة عشر عاما، رغم أنها كانت شبيهة إلى حد كبير بثغرة معروفة في نظام "كيربيروس" التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، جرى اكتشافها ومعالجتها منذ عام 2007. ورغم مرور الثغرة أمام أعين المبرمجين وخبراء التدقيق الأمني وإحدى أكثر مجتمعات البرمجيات مفتوحة المصدر نشاطا في العالم، فإنها ظلت موجودة حتى تمكن "كلود ميثوس بريفيو" من اكتشافها خلال فترة قصيرة.
ولم يكن "كلود ميثوس بريفيو" النموذج الوحيد الذي اكتشف الثغرة الأمنية، إذ أظهرت اختبارات مستقلة أن نماذج أخرى، بعضها صغير ومنخفض التكلفة، تمكنت أيضا من العثور على الثغرة نفسها. غير أن أهمية الواقعة، بحسب المجلة الإيطالية، لم تكن في السبق التقني، بل في السرعة والنطاق. ووفق البيانات التي أوردتها شركة "أنثروبيك" ضمن مشروع "غلاسوينغ"، ساعد النموذج في الكشف عن آلاف الثغرات الأخرى المصنفة عالية الخطورة أو حرجة في أنظمة تشغيل ومتصفحات ومكونات بنية تحتية رقمية يعتمد عليها ملايين المستخدمين يوميا.
اظهار أخبار متعلقة
وأظهر ذلك قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة على تمشيط سنوات طويلة من الشيفرات البرمجية خلال أسابيع قليلة، وهو ما دفع السلطات الأميركية إلى التحرك بسرعة وإصدار قرار بإيقاف النموذجين على مستوى العالم بعد ثلاثة أيام فقط من إطلاقهما للعامة. الأمر الذي أعاد إلى الواجهة نقاشا قديما حول محاولات الحكومات السيطرة على المعرفة التقنية الحساسة. فحتى أربعينيات القرن الماضي كانت الأبحاث النووية تنشر في مجلات علمية مفتوحة ومتاحة للجميع، قبل أن يبدأ مشروع "لوس ألاموس" الذي فرض أعلى درجات السرية على الأبحاث المرتبطة بالسلاح النووي.
لكن تلك السرية لم تمنع انتشار المعرفة النووية. فبعد سنوات قليلة امتلك الاتحاد السوفييتي القنبلة النووية، ثم انتقلت المعرفة لاحقا عبر شبكات تجسس وتعاون غير رسمي، من أبرزها الشبكة المرتبطة بالعالم الباكستاني عبد القدير خان التي ساهمت في نقل الخبرات النووية إلى عدة دول. وتكرر المشهد نفسه في تسعينيات القرن الماضي مع تقنيات التشفير، عندما اعتبرت الولايات المتحدة الخوارزميات القوية بمثابة "ذخائر" وفرضت قيودا على تصديرها. ورد المجتمع التقني بطباعة شيفرة إحدى خوارزميات التشفير على قميص، في خطوة رمزية هدفت إلى إظهار صعوبة احتواء المعرفة الرياضية بعد نشرها.
كما ينطبق الأمر على الأبحاث البيولوجية ذات الاستخدام المزدوج، التي تبقى متاحة للباحثين والمؤسسات العلمية بمجرد نشرها. ولذلك ترسخت طوال عقود قناعة مفادها أن المعرفة الخطرة قد تتأخر في الانتشار لكنها لا تبقى محتكرة إلى الأبد. إلا أن "ميثوس" يمثل حالة مختلفة. فهو ليس برنامجا يمكن تنزيله أو نسخه، ولا ورقة علمية يمكن تداولها، بل نموذج يعمل داخل مراكز بيانات ضخمة ويتم الوصول إليه عبر واجهات برمجية، فيما تبقى أوزانه البرمجية التي تحدد طريقة عمله غير متاحة للعامة.
رسالة واحدة أوقفت نموذجا عالميا
وفي 12 يونيو/حزيران، وعند الساعة الخامسة و21 دقيقة مساء بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، تلقت شركة "أنثروبيك" إشعارا من السلطات الأميركية يقضي بإيقاف "فابل 5" و"ميثوس 5" على مستوى العالم. ولم يصل القرار على شكل قانون جديد أو مرسوم تشريعي، بل في صورة توجيه كان كافيا وحده لتعطيل نموذجين أصبحا متاحين لملايين المستخدمين. ولم تكن هناك حدود يجب إغلاقها أو معدات ينبغي مصادرتها أو شحنات يجب اعتراضها، بل جهة واحدة تلقت رسالة واحدة وضغطت مفتاحا واحدا.
وأعادت هذه الرسالة فتح النقاش حول طبيعة السلطة التي تملكها الجهات المسيطرة على البنية التحتية الرقمية العالمية، خصوصً مع تحول مراكز البيانات إلى عقد مركزية تتحكم في الوصول إلى خدمات يعتمد عليها مستخدمون وشركات ومؤسسات في مختلف أنحاء العالم. ويرتبط هذا الجدل بمفهوم "الاعتماد المتبادل المسلح"، الذي يشير إلى قدرة الدول المسيطرة على العقد المركزية في الشبكات العالمية على استخدام هذه السيطرة كأداة نفوذ. ويستحضر هذا المفهوم ما جرى عام 2012 عندما تم فصل إيران عن نظام المدفوعات العالمي "سويفت"، غير أن العقدة المركزية اليوم لم تعد شبكة مالية، بل مركز بيانات يستضيف نموذجا للذكاء الاصطناعي.
اظهار أخبار متعلقة
كما أعاد القرار الأميركي إحياء النقاش الأوروبي حول مفهوم
السيادة الرقمية. فبدلا من التركيز على بناء نماذج مغلقة جديدة، برزت دعوات إلى تطوير نماذج يمكن تشغيلها وفحصها وتعديلها بشكل مستقل، بما يحد من الاعتماد على مزود واحد أو بنية تحتية واحدة. ويستند هذا التوجه إلى مبادئ قديمة في أمن المعلومات تؤكد أن قوة النظام لا تعتمد على سرية مكوناته، بل على قدرته على البقاء آمنا حتى عندما تكون آلية عمله معروفة.
وبحسب هذا المنطق، فإن النماذج المفتوحة القابلة للتشغيل والتدقيق تمنح الحكومات والمؤسسات قدرة أكبر على الاستقلالية مقارنة بالنماذج المغلقة المقدمة عبر السحابة، والتي تبقى مرتبطة بالجهة المالكة للبنية التحتية. فلو كانت أوزان "ميثوس" متاحة للعامة وقابلة للتشغيل على خوادم مستقلة، لما أمكن إيقافه بإشعار واحد أو قرار واحد، تماما كما لم يكن ممكنا احتواء تقنيات التشفير بعد انتشارها عالميا.
سابقة تتجاوز "ميثوس" و"فابل"
واعترضت شركة "أنثروبيك" على مبررات القرار، مؤكدة أن الثغرات التي تم الحديث عنها محدودة ومعروفة سابقا ويمكن اكتشافها أيضا من قبل نماذج منافسة، ووصفت القضية بأنها "سوء فهم". ورغم إمكانية عودة "فابل 5" و"ميثوس 5" إلى العمل إذا تم التوصل إلى تسوية تنظيمية، فإن الواقعة فتحت نقاشا أوسع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية.
وكشف القرار الأميركي، بحسب المجلة الإيطالية، ظهور فئة جديدة من التقنيات لا تنطبق عليها مفاهيم الرقابة التقليدية مثل الحظر التجاري أو ضوابط التصدير أو سياسات منع الانتشار. فهذه الأدوات تفترض وجود شيء يتحرك عبر العالم ويمكن اعتراضه أثناء انتقاله، بينما يبقى النموذج السحابي ثابتا في مكان واحد ويتصل به المستخدمون من مختلف الدول. ولهذا لم يعد السؤال المطروح بعد أزمة "ميثوس" يتعلق فقط بقدرات الذكاء الاصطناعي أو مخاطره، بل بمن يملك حق تشغيل هذه النماذج وإيقافها، ومن يتحكم في البنية التحتية التي أصبحت تشكل جزءا أساسيا من الاقتصاد العالمي.