يجري الحديث اليوم حول إمكانية
تكاثر البشر والإنجاب في
الفضاء، بعدما كشفت "
ناسا" مؤخراً عن سعيها لبناء قاعدة دائمة على القمر بحلول عام 2032، حيث تريد وكالة الفضاء الأمريكية أن يكون البشر قادرين على العيش هناك في مساكن "شبه دائمة".
بهذا الصدد، بدأت الدكتورة نيكول ماكفرسون، وهي محاضرة في جامعة أديلايد في أستراليا، الاهتمام بفكرة التكاثر في الفضاء بعدما شاهدت فيلماً وثائقياً عن الفضاء مع زوجها، قائلة: "ما بدأ كمشروع جانبي ممتع من عالم الخيال العلمي، تحول الآن إلى مجال بحثي رئيسي".
ماكفرسون، التي تدير مجموعة بيولوجيا
الحيوانات المنوية والأجنة في مركز فريماسونز لصحة الرجال ورفاههم، قاست مع فريق من الباحثين قدرة الحيوانات المنوية على التنقل داخل متاهة صُممت لمحاكاة الجهاز التناسلي، عند تعريضها لظروف الجاذبية الصغرى التي تُختبر في الفضاء الخارجي.
عجز الحيوانات المنوية عن الوصول
ووجد الباحثون أن بعض الحيوانات المنوية ضلت طريقها فعلياً، إذ تمكن عدد أقل بنسبة 50 في المئة من الحيوانات المنوية من الوصول إلى نهاية المتاهة مقارنة بالمجموعة الضابطة التي خضعت للجاذبية الطبيعية، وفق تحقيق نشرته الـ"
بي بي سي".
ومن المتعارف عليه أن أسطح كواكب مثل القمر والمريخ تتعرض لمستويات مرتفعة من الإشعاع الفضائي على عكس الأرض، التي يحميها مجال مغناطيسي وغلاف جوي كثيف.
ونظراً لكون القمر والمريخ أصغر حجماً من الأرض، فإن الجاذبية هناك ستكون أضعف بكثير، كما أن هناك أيضاً تحدي الوصول إلى تلك الكواكب، فالرحلات الفضائية الطويلة قد تؤثر في جسم الإنسان، وبالتالي في قدرته على الإنجاب، بطرق لا نفهمها بالكامل بعد.
ورغم أن الدراسة التي أجرتها ماكفرسون وفريقها لم تحاكِ ظروف الجاذبية على كواكب محددة مثل المريخ، تقول الباحثة إنها أظهرت الدور الذي تؤديه جاذبية الأرض في السلوك الطبيعي للحيوانات المنوية.
وتضيف ماكفرسون: "هذا يبرز وجود قوة جذب أساسية تعتمد عليها الحيوانات المنوية في حدوث الحمل الطبيعي"، وبهذا الشأن درس الباحثون أيضاً تأثير الجاذبية الصغرى في الساعات الأربع والعشرين الأولى من تطور الأجنة لدى الفئران.
وتقول ماكفرسون: "لاحظنا نتائج أسوأ، أي ضعفاً في تطور الأجنة، وكذلك خصائص أضعف في ذلك الجنين في مراحله الأولى".
اظهار أخبار متعلقة
الإشعاع يضر بالخلايا الجرثومية
أما الدكتور فتحي كراوية، وهو عالم أبحاث أول في ناسا، فيقول إن "الجاذبية الصغرى تؤثر في طريقة انقسام الخلايا وتنظيم نفسها وتواصلها، وهي كلها عمليات أساسية للإخصاب والتطور المبكر للجنين".
ومن المعروف أن الإشعاع يضر بالخلايا الجرثومية، وهي خلايا متخصصة تتطور إلى حيوانات منوية لدى الذكور وبويضات لدى الإناث، فإن المجال المغناطيسي للأرض يحمي الإنسان من أشد أشكال الإشعاع الفضائي ضرراً.
لكن خارج هذا المجال، بما في ذلك على المريخ، تصبح المعادلة مختلفة تماماً، ويقول الدكتور عبد الرحمن إنجين، المتخصص في طب الطيران والفضاء في جامعة العلوم الصحية في تركيا، إن الإشعاع الكوني المجرّي ينتج عن أحداث كونية مثل انفجار النجوم، أو ما يعرف بالمستعرات العظمى.
وتطلق هذه الانفجارات جسيمات قادرة على اختراق دروع المركبات الفضائية والتغلغل عميقاً في أنسجة الإنسان، بمستويات تفوق الإشعاع الذي نتعرض له على الأرض.
وقد أجرى إنجين دراسة للإجابة عن سؤال بسيط: هل يمكن، في حال حدوث حمل افتراضي خلال مهمة مستقبلية إلى المريخ، أن تتجاوز كمية الإشعاع الكوني المجرّي المستويات التي تعد آمنة للحمل على الأرض؟ فيجيب قائلاً: "للأسف، يبدو أن الجواب هو نعم".
وبما أن الرحلة من الأرض إلى المريخ تستغرق نحو ستة أشهر، قد تتعرض رائدة فضاء حامل لجرعة تراكمية من الإشعاع تتراوح بين 90 و300 ميليسيفرت، وهو معدل يتجاوز بكثير حد التعرض المهني للإشعاع أثناء الحمل الموصى به والبالغ خمسة ميليسيفرت.
وقد يشكل هذا المستوى المرتفع من التعرض خطراً كبيراً على الأجنة في مراحلها الأولى من التطور، إذ يمكن أن يؤدي إلى تلف في الحمض النووي، وتشمل المخاطر الإجهاض، وتقييد النمو، والتشوهات الخلقية، والعيوب العصبية، إضافة إلى ارتفاع خطر إصابة الطفل بالسرطان على مدى حياته.
ويقول الدكتور إنجين إن بعض التقنيات، مثل تدريع المركبات الفضائية أو التخطيط للبعثات خلال مراحل معينة من الدورة الشمسية، قد تساعد في تقليل المخاطر. لكن حجب الإشعاع الكوني المجرّي بالكامل يظل، بحسب قوله، "بالغ الصعوبة".
ويضيف: "تؤدي الرحلات الفضائية أيضاً إلى اضطراب تنظيم الهرمونات ودورات النوم والإيقاعات اليومية للجسم، وهي عوامل ترتبط جميعها ارتباطاً وثيقاً بالصحة الإنجابية"، ويوضح أن اجتماع هذه العوامل قد يربك كل شيء، من جودة الحيوانات المنوية إلى البويضات داخل المبيضين".
اظهار أخبار متعلقة
سلامة رواد الفضاء وخلاياهم
إن فهم ما إذا كان البشر قادرين على التكاثر في الفضاء يعد أمراً أساسياً عند التفكير في استدامة الحياة خارج الأرض.
لكن الأمر يتعلق أيضاً بحماية رواد الفضاء، كما يقول يان بيرند ستوكينبورغ، أستاذ البيولوجيا الجزيئية والخلوية في جامعة أوبسالا في السويد.
ويقول ستوكينبورغ إنه حتى لو لم يكن البشر يتكاثرون في الفضاء بعد، فإن رواد الفضاء وخلاياهم الجرثومية يتعرضون بالفعل لهذه الظروف. وقد تساعد الأبحاث المتعلقة بتأثير الإشعاع في هذه الخلايا على تطوير طرق لحمايتها.
ويضيف: "إذا حدثت مشكلة في خلية جلدية بسبب السفر إلى الفضاء، فإن خلية الجلد ستموت معك عندما تموت"، أما الضرر الذي يصيب الخلايا الجرثومية، فقد ينتقل إلى الجيل التالي، حتى لو لم يكن رواد الفضاء يحاولون التكاثر في الفضاء بعد.
وتقول ماكفرسون: "إذا تمكّنا من فهم ما الذي يميّز تلك الحيوانات المنوية التي تستطيع اجتياز الطريق... فسنتمكن فعلياً من اختيارها في عمليات التلقيح الاصطناعي، أو في التلقيح الاصطناعي المستخدم في الزراعة".