تعد
السمنة وباءً عالمياً متسارعاً، حيث يعاني أكثر من 2.5 مليار بالغ من
زيادة الوزن، مع توقعات بارتفاع النسبة إلى 60 بالمئة من البالغين عالمياً بحلول 2050، وتسجل أعلى معدلاتها بين البالغين والمراهقين، وهو ما ينذر بتهديد غير مسبوق لصحة البشر.
ويزداد التحدي تعقيداً في ظل البيئة الغذائية الحديثة المليئة بالأطعمة شديدة المعالجة والغنية بالسعرات الحرارية، التي لا يقتصر تأثيرها على زيادة الاستهلاك فحسب، بل قد تعزز أيضاً مشاعر الذنب المرتبطة بالعادات الغذائية.
اظهار أخبار متعلقة
وفي تحقيق لـ"
بي بي سي"، فإن خسارة الوزن لا ترتبط بنوعية الطعام الذي نتناوله فقط، بل بكيفية تفكيرنا به، إذ تؤدي العلاقة بين العقل والجسم دوراً محورياً في تنظيم الشهية؛ لأن توقعاتنا حول ما نأكله تؤثر في إدراك الدماغ للجوع والشبع.
ميل الإنسان تجاه الأطعمة الغنية بالطاقة والسكريات
حين تُعرَض أمامنا قطعة شوكولاتة مقابل بديل منخفض السعرات ومحلّى بشكل طبيعي، يبقى الاختيار بينهما خاضعاً للإرادة، وإن بدا الخيار الثاني أكثر منطقية، إلا أن مقاومة الحلوى الشهية تظل أمراً صعباً، وهو ما يجعل الالتزام بالحمية تحدياً مستمراً لدى من يسعون لإنقاص الوزن.
ووفقاً لتقرير الـ"بي بي سي"، يُفسَّر ذلك جزئياً بأن الإنسان مبرمج بيولوجياً على تفضيل الأطعمة الغنية بالطاقة والسكريات، وهو ميل تطوّر عبر آلاف السنين حين اعتمد أسلافنا على هذه الأطعمة للبقاء على قيد الحياة.
وبهذا الشأن، تقول أستاذة علم النفس في جامعة ميشيغان، آشلي غيرهارت، إن "الأطعمة شديدة المعالجة تشبه حضور حفل موسيقي صاخب، فهي مصممة لتطغى على كل ما حولها، ما يجعل من الصعب تذوق النكهة الطبيعية للفواكه أو الخضروات".
وتظهر الأبحاث أن الحفاظ على وزن صحي لا يرتبط فقط بنوعية الطعام، بل أيضاً بطريقة إدراك المرء له، فيما يمكن أن ينعكس الاستمتاع بتناول الطعام بشكل إيجابي على الصحة، نظراً لأن توقعاتنا تجاه ما نأكله تؤثر في الشعور بالجوع والشبع.
مدى قبول مخفوق الحليب غير المُشبِع
استشهدت الـ"بي بي سي" بتجربة علمية معروفة نُشرت قبل نحو 15 عاماً، خلص باحثون إلى أن نظرتنا للطعام الذي نتناوله قد تؤدي دوراً في استجابة الجسم له.
وأظهرت دراسة أشرفت عليها عالمة النفس عليا كروم من جامعة ستانفورد أن المشاركين الذين اعتقدوا أنهم يشربون مخفوقاً عالي السعرات ظهرت لديهم تغيّرات هرمونية مختلفة، ولم تكن هذه التغيرات مرتبطة بالقيمة الفعلية، بل بتصورهم المسبق عن المشروب.
ورغم تقديم المشروب نفسه لجميع المشاركين، إلا أن البعض أُخبر بأنه صحي ومنخفض السعرات ويحتوي على 140 سعرة حرارية فقط، بينما قيل لآخرين إنه مخفوق "فاخر" غني يصل إلى 620 سعرة حرارية، في حين محتواه الفعلي كان 380 سعرة حرارية.
وأظهرت النتائج انخفاضاً حاداً في هرمون الجوع "الغريلين"، الذي يُحفّز الشهية ويرتفع عادةً عند الشعور بالجوع وينخفض عند الشبع لدى المشاركين الذين ظنوا أنهم يشربون مشروباً "مُشبعاً"، في المقابل كان الانخفاض في مستوى الغريلين أقل عندما أُخبروا أنهم يشربون مشروباً صحياً.
ويُظهر ذلك أن طريقة تفكيرهم وتوقعاتهم تجاه الطعام تؤثر في استجابة أجسامهم. وتقول كروم: "إن اعتقادك بأنك تأكل ما يكفي يجعل جسمك يستجيب كما لو أنك شبعت"، ويُعدّ ذلك مهماً للحفاظ على وزن صحي، لأن هرمون الغريلين يؤثر في عملية الأيض.
فإذا لم نشعر بالشبع وتباطأت عملية الأيض، فلن يحرق الجسم الكثير من الطاقة. لذا فإن عقلية "الحرمان" قد تأتي بنتائج عكسية عند محاولة الحفاظ على وزن صحي.
وتضيف: "إذا كنت تحاول إنقاص الوزن وتقلل من السكر والدهون والسعرات الحرارية، لكنك تعيش بعقلية الحرمان، فقد يمنعك ذلك من خسارة الوزن بالشكل المطلوب".
وتوصلت كروم إلى نتائج مشابهة في ما يتعلق بالاستعداد الجيني للشعور بالشبع، حيث أظهر المشاركون الذين أُبلغوا بأن لديهم جينات تعزز الإحساس المبكر بالشبع مستويات أعلى من هرمون تنظيم الوزن، رغم عدم امتلاكهم فعلياً لهذه الجينات.
ما أهمية الملصقات؟
تؤدي الملصقات دوراً مؤثراً أيضاً في تشكيل تجربة الأفراد مع الطعام. ففي دراسة أخرى، طُلب من المشاركين تناول لوح بروتين وُصف ما بين "لذيذ" و "صحي"، رغم أن كلا الإصدارين كانا متطابقين من حيث القيمة الغذائية.
أما المجموعة الثالثة، فاقتصر دورها على تقييم شكل اللوح فقط دون أي معلومات إضافية، وبعد تناول "اللوح الصحي"، أفاد المشاركون بأنهم شعروا بشبع أقل وجوع أكبر، كما تناولوا كميات طعام إضافية لاحقاً، حتى مقارنة بمن لم يتناولوا اللوح أصلاً.
ويُظهر ذلك أن الملصقات الصحية قد تقلل من توقع الشعور بالمتعة، ما يجعل الأطعمة المصنفة على أنها "صحية" أقل إشباعاً، كما تظهر أن تقديم الأطعمة الصحية بطريقة تُبرز الطعم والمتعة، بدلاً من التركيز على فوائدها الصحية أو قيمتها الغذائية، يزيد من احتمالية استمتاع الناس بها.
اظهار أخبار متعلقة
وبالمثل، تبيّن أن الأشخاص الذين يشعرون بالذنب عند تناول أطعمة "مغرية" مثل كعكة الشوكولاتة يكونون أقل نجاحاً في إنقاص الوزن.
وبشكل عام، تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لمن يسعون لإنقاص الوزن. وكما أوضح ديفيد روبسون بتفصيل في كتابه "تأثير التوقع"، فإن حرمان النفس من الحلوى لا يعني تلقائياً تقليل السعرات الحرارية المستهلكة. بل إن عقلية التقييد قد تؤدي إلى الإفراط في الأكل لاحقاً لتعويض ذلك.
وتشدد كروم على أن التركيز ينبغي أن ينصب على بناء علاقة صحية مع الجسم، بعيداً عن توصيفات الطعام التي توحي بالحرمان مثل "خفيف" أو "قليل" أو "مخفض". وتوضح أن تبنّي عقلية تقوم على الإحساس بالنقص والحرمان قد يأتي بنتائج عكسية، ويؤثر سلباً في فعالية الحمية نفسها.
وتتفق غيرهاردت مع هذا الطرح، مؤكدة أن من الأفضل التعامل مع الطعام بوصفه مصدراً للمتعة، وليس فقط من خلال حساب السعرات والعناصر الغذائية. وتضيف: "عندما نحصر أنفسنا في القيود، يتحول الأمر إلى عبء".
في المقابل، ترى غيرهاردت أنه ينبغي التركيز على الأطعمة غير المُصنّعة، بما يشمل البروتينات وكميات من الفواكه والخضروات، وتوضح: "هذا ما صُمم جسم الإنسان ليحصل منه على التغذية، وليجده مُرضياً ومحبّباً".
كما تشير إلى أن تقليل استهلاك الأطعمة شديدة المعالجة يسهم في تحقيق هذا الهدف، وتخلص الآراء إلى أن تناول الحلوى من حين لآخر والاستمتاع بها، ضمن نظام غذائي متوازن، يمكن أن يكون جزءاً من نمط حياة يدعم الحفاظ على وزن صحي.