في خيمةٍ بالكاد تقف في وجه الريح، عند طرفٍ من
أطراف مدينة دير البلح وسط قطاع
غزة، تجلس
شيماء جواد إسماعيل، تُمسك الإبرة كما
يُمسك الغريق بخشبة نجاة.
لا ضوء كافٍ، لا طاولة حقيقية، ولا مساحة للعمل..
ومع ذلك، ثمة شيء يحدث هنا: خيطٌ يُمرَّر، وذاكرة تُرمَّم، وحياة تُخاط من جديد.
شيماء، التي كانت تسكن مدينة غزة، لا تتحدث عن
النزوح بوصفه انتقالًا جغرافيًا، لكنه بالنسبة لها، كان اقتلاعًا داخليًا.
اظهار ألبوم
"أول
مرة نزحنا فيها.. حسّيت إن الطمأنينة انكسرت جوّاتي"، تقول، ثم تصمت قليلًا،
"البيت لم يكن جدرانًا فقط، بل إيقاع حياة، تفاصيل يومية، وهدوءًا بسيطًا لا
يُقدَّر إلا حين يُفقد؛ في لحظة واحدة، تبخر كل ذلك"، وفق قولها.
قبل الحرب، لم تكن شيماء تنتظر وظيفة حكومية أو فرصة
عمل نادرة. كانت قد صنعت فرصتها بنفسها.
بدأت القصة كهواية: تطريز، خياطة، وصناعة خرز. شيء
تفعله بيديها لتملأ وقتها، وتُرضي شغفًا داخليًا، لكن مع ضيق الحال وارتفاع معدلات
البطالة، تحولت الهواية إلى ضرورة. تقول لـ"
عربي21": "كنت حابة أساعد حالي.. أطلع
مصروفي الشخصي من البيت".
ولادة المشروع
"لمسة
ذهبية"، اسمٌ صغير، لكنه كان يحمل طموحًا أكبر من حجمه. لم يكن مجرد مشروع
فردي، بل مساحة عمل لعدد من الفتيات اللواتي كنّ بحاجة إلى فرصة.
كنّ يعملن من بيوتهن، يُطرزن القطع، يُجهزن الطلبات،
ويُشاركن في خلق دخل بسيط يُعينهن على مصاريف الحياة. وتشير شيماء قائلة: ""كان
في بنات بيشتغلوا معي… كانوا محتاجين الشغل"، وتضيف: "كان المشروع
فكرة وضرورة بنفس الوقت".
شيئًا فشيئًا، بدأت "لمسة ذهبية" تجد
طريقها؛ صفحات على فيسبوك وإنستغرام، زبائن من داخل غزة، طلبات تتزايد، وثقة تُبنى
ببطء.
اظهار أخبار متعلقة
السر، كما تقول شيماء، لم يكن في السعر فقط، بل في
الجودة، اختيار المواد الخام، الدقة في التنفيذ، و"التفنيش" الذي يصل
بالقطعة إلى شكلها النهائي. ووفق حديثها: "كنت
أشتغل على القطعة كأنها إلي".
لكن الحرب لا تعترف بالتفاصيل الدقيقة، حين سقط
البيت، لم تسقط معه الجدران فقط، بل كل ما بُني داخله؛ المواد الخام، الأدوات،
الطلبات، المشروع نفسه.. كل ذلك تلاشى في لحظة.
خسارة قاسية
"خسرت
المشروع.. خسرت كل شي"، تقولها دون مبالغة، ودون محاولة لتخفيف وقعها. في النزوح، لا تُقاس الخسارة بما تفقده فقط، بل بما
يتغير داخلك، فالنفسية، كما تصفها، "مش زي قبل".
لا راحة، لا أمان، ولا حتى قدرة على استعادة الإيقاع
القديم؛ ففي الخيام، كل شيء مؤقت، حتى الشعور بالاستقرار. "النزوح
مش إشي سهل.. يمكن أصعب شي ممكن يعيشه إنسان"، تقول شيماء.
سبعة أشهر تقريبًا، وهي تحاول التأقلم مع حياةٍ لا
تشبهها؛ الحرّ في النهار، البرد في الليل، ضيق المكان، انعدام الخصوصية، وضجيج لا
يتوقف.. كلها تفاصيل يومية تُثقل الروح قبل الجسد، ومع ذلك، قررت أن تعود، ليس لأن
الظروف أصبحت مناسبة بل لأن التوقف لم يكن خيارًا.
عودة حذرة
في زاوية صغيرة من الخيمة، جمعت ما استطاعت من خيوط
وخرز، وبدأت من جديد. "بحاول
أرجع أقف… حتى لو خطوة خطوة"، تقول.
العودة لم تكن سهلة؛ لا مواد كافية، ولا سوق مستقر،
ولا قدرة شرائية تُشجع، لكن الإبرة كانت هناك. "لما
أمسك الإبرة... بلاقي راحتي"، تحكي. "بلاقي فرحتي... بقدر أفصل شوي عن
الواقع".
في عالمٍ ينهار من حولها، أصبحت الإبرة وسيلتها
لإعادة ترتيب الداخل. كل غرزة، محاولة للسيطرة على شيء ما، كل قطعة، إعلان
صغير أن الحياة لم تنتهِ بعد.
أول قطعة صنعتها بعد النزوح، كانت اختبارًا حقيقيًا،
اشتغلت عليها بدقة، بعناية، وكأنها تُعيد تقديم نفسها للعالم. "اشتغلتها
من قلبي.. من ناحية الإتقان والتفنيش"، تقول.
وحين انتهت منها، شعرت بشيء افتقدته طويلًا: الفرح. القطعة لم تبقَ في الخيمة، بيعت لصديقة ستسافر بها
إلى مصر. تفصيل بسيط في الظاهر، لكنه بالنسبة لشيماء، كان أكثر من ذلك: نافذة
صغيرة تُفتح في جدار مغلق.
اظهار أخبار متعلقة
"هو
ممكن نعدّه مصدر دخل"، تقول، "بس كمان وسيلة نجاة نفسية". حين تُمسك الإبرة، يتراجع القهر قليلًا، يهدأ
الضجيج، وتستعيد جزءًا من نفسها.
بمرور الوقت، بدأ بعض الزبائن القدامى يعودون، لم
يعودوا فقط من أجل المنتج، بل من أجل الثقة.
كانوا يعرفون شيماء: كيف تختار موادها، كيف تُنهي
عملها، وكيف تحرص على أن تصل القطعة كما يجب.
هذا الرصيد، الذي بُني قبل الحرب، أصبح اليوم أحد
أهم ما تملكه، لكن الطريق لا يزال شاقًا، فالأسعار مرتفعة بشكل كبير، المواد الخام
نادرة، والقدرة الشرائية ضعيفة، وإعادة بناء المشروع ليست مجرد قرار، بل معركة
يومية مع الواقع.
"صعب
نعوّض اللي خسرناه"، تقول بصراحة. لو عاد بها الزمن، كما تقول، لكانت حملت كل ما يخص
مشروعها قبل النزوح. "كنت
أخدت كل شي… عشان ما أخسره"، تضيف. لكن الزمن، كما الحرب، لا يمنح فرصًا ثانية بسهولة.
ورغم كل ذلك، لا تزال شيماء تحلم بأن يعود مشروعها
كما كان، أو أفضل، تحلم بمساحة عمل حقيقية، بمواد متوفرة، وبقدرة على التوسع كما
كانت تفعل، تعرف أن الأمر سيستغرق وقتًا، وربما وقتًا طويلًا، لكنها لا تتراجع.
الخوف الوحيد الذي يلاحقها ليس الفقر، ولا الخسارة،
بل شيء آخر: أن تفقد الشغف. "بخاف
ييجي يوم أفقد الأمل… أو أوقف"، تقول.
في غزة، حيث تمتد الأزمة لسنوات، هذا الخوف ليس
مبالغة، بل احتمال واقعي، ومع ذلك، تُصرّ على الاستمرار. "التطريز
مش بس إبرة وخيط"، تقول. "كل
غرزة بعملها… بعملها بحب، وكأني بكتب حكاية".
حكاية تُكتب بالخيوط
حكايات شيماء لا تُكتب بالحبر، بل بالخيوط، تحكي عن
نزوح، عن فقد، عن محاولات متكررة للوقوف، وعن إصرار لا ينكسر بسهولة.
كل قطعة تُنجزها تحمل شيئًا من هذه الحكاية، حتى لو
لم يره من يشتريها.
في الخيمة، حيث كل شيء مؤقت، تحاول شيماء أن تصنع
شيئًا يبقى، شيئًا يُقاوم الزوال، ولو لفترة قصيرة.
"بنحاول
نقف على رجلينا… زي قبل الحرب"، تقول. ثم تُضيف، بصوتٍ أقل حدة: "بس صعب… صعب فوق
طاقة أي إنسان".
ومع ذلك، في تلك الزاوية الصغيرة، تستمر الإبرة في الحركة. الخيط لا ينقطع والحكاية، رغم كل شيء، تُكتب؛ شيماء
لا تملك رفاهية الأمل الكامل، ولا ضمانات للمستقبل، لكنها تملك ما يكفي لتبدأ كل
يوم من جديد: يدان تعرفان العمل، وقلبٌ يرفض أن يتوقف.
في غزة، حيث تُختبر الحياة يوميًا، تختار شيماء أن
تنحاز لفكرة بسيطة، لكنها عنيدة: أن الاستمرار، في حد ذاته، شكل من أشكال المقاومة.