تسعى الولايات
المتحدة إلى تعزيز نفوذها في
ليبيا عبر دعم خطوات تقارب بين الشرق والغرب
الليبيين، في مسعى يهدف إلى تقليص الحضور الروسي داخل البلاد وإعادة فتح المجال
أمام استقرار سياسي وعسكري قد ينعكس على قطاع الطاقة والاقتصاد الليبي.
نشرت صحيفة
"وول
ستريت جورنال" تقريرا أعده بينوا فوكون، قال فيه إن الولايات المتحدة تحاول دعم نبذ الخلاف بين الغرب والشرق الليبي في محاولة منها لتعزيز تأثيرها بالمنطقة وتقويض التأثير
الروسي وزيادة انتاج البترول.
وقالت الصحيفة إن الطائرة
ذات المحركين هبطت على مدرج طائرات صحراوي في سرت بالقرب من ساحل ليبيا على البحر الأبيض
المتوسط، ونزل منها زائر كان وصوله أمرا لا يتصور قبل عقد من الزمن.
في ذلك الوقت، كان
مطار القرضابية- سرت الدولي خاضعا لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. ولاحقا، سيطرت عليه
مجموعة المرتزقة الروسية فاغنر.
وبعد وقت قصير من نزول
الجنرال جون برينان من الطائرة يوم الثلاثاء، استقبله حشد مؤلف من فصيلين ليبيين متنافسين،
كان الضابط الأمريكي قد أقنعهما بإجراء أول مناورات عسكرية مشتركة بينهما.
ويقول مسؤولون غربيون
إنه إذا سارت الأمور وفقا للخطة، فسيكون ذلك بمثابة الخطوة التالية في إبعاد
روسيا
عن أكبر قاعدة انطلاق لها في أفريقيا، ووضع إحدى أغنى دول المنطقة بالطاقة والمعادن
في مسار أكثر ميلا نحو الغرب.
ونقلت الصحيفة عن الجنرال
برينان، نائب قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا قوله: "إن حجم الإمكانات الاستثمارية
يشكل حافزا لإعادة التوحيد". مشيرة إلى أن استقرار ليبيا قد يفتح المجال أمام
الاستفادة من مواردها لصالح مختلف الصناعات، لا سيما في مجالي التكنولوجيا المتقدمة
والدفاع.
وتعلق أن هذا طموح
كبير، فقد عاشت ليبيا من دوامة العنف منذ سقوط زعيمها السابق، معمر القذافي، ومقتله
المروع عام 2011. وتشهد صراعا مستمرا منذ سنوات بين جيشين، أحدهما يدعم الحكومة المعترف
بها دوليا في طرابلس، والآخر فصيل منافس بقيادة الجنرال خليفة حفتر، الذي سعى طويلا
إلى ترسيخ سلطته من معقله في بنغازي شرق البلاد
اظهار أخبار متعلقة
وقد استغلت روسيا هذا
الفراغ بدعمها لحفتر، حيث أرسلت مرتزقة فاغنر لدعم قواته واستخدمت أراضيه كنقطة وصول
لوجستية إلى ست دول في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث استولت على احتياطيات قيّمة من الذهب
والماس والأخشاب.
وتحاول خطة السلام
التي توسطت فيها الولايات المتحدة استخدام حافز إعفاءات الأمم المتحدة من الحظر الدولي
على الأسلحة المفروض على الجيشين إذا تمكنا من التعاون وإنشاء قيادة عسكرية مشتركة.
ومع ذلك لا يزال الطريق
طويلا، فبينما كان برينان وفريقه يغادرون المطار في موكب من سيارات تويوتا الرياضية
متعددة الاستخدامات، كانت آثار الحرب المدمرة حاضرة وتشوه المشهد الرملي المليء بالأحراش
وقطعان الأغنام.
وقالت الصحيفة إن بناء
الثقة لا يزال عملية مستمرة، إلا أن مبادرات مثل المناورات العسكرية التي جرت هذا الأسبوع
تشير إلى أن البلاد ربما بدأت أخيرا في تجاوز هذه المرحلة.
وعلق جيف بورتر، رئيس
شركة "نورث أفريكا ريسك كونسلتينغ" للاستشارات، ومقرها نيويورك: "ليبيا
تصبح أكثر تماسكا تدريجيا، وباتت الجهات الغربية التقليدية أكثر استعدادا للتفاعل مع
غرب ليبيا وشرقها، بشكل سيؤدي إلى تهميش روسيا".
وقد بدأ هذا التحول
خلال الحرب الروسية في أوكرانيا، فقد خشي حفتر من أن يحاول مرتزقة موسكو القيام بانقلاب
ضد فصيله المتمرد، كما فعلوا في روسيا نفسها، وفقا لما قاله مسؤولون ليبيون وأوروبيون
سابقا.
ورأى برينان أن هناك
فرصة سانحة لجمع حفتر مع عبد السلام زوبي، نائب وزير الدفاع في حكومة طرابلس، لإيجاد
سبيل للمضي قدما.
وقال مسؤول دفاعي أمريكي
بارز إن المسؤولين تصالحا في نهاية المطاف، حتى أنهما تناولا الغداء معا في بعض الأحيان،
على الرغم من انتمائهما إلى معسكرين مختلفين.
وأشارت الصحيفة إلى
أن هذا التقارب بدأ يظهر على أرض الواقع. فقد تمركز قادة من الرتب المتوسطة من كلا
الفصيلين في مركز مشترك قرب سرت، مما عزز قدرة ليبيا على مواجهة الجماعات الجهادية
التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد.
وأشار تقرير للأمم
المتحدة صدر في شباط / فبراير إلى أن ليبيا فككت مؤخرا أربع خلايا تابعة لتنظيم الدولة
الإسلامية كانت تنشر دعاية على الإنترنت وتتاجر بالبشر إلى أوروبا. وفي يوم الثلاثاء،
عزز الجانبان علاقتهما بتشكيل لجنة مشتركة جديدة تضم ستة قادة للإشراف على قوة مشتركة.
اظهار أخبار متعلقة
وتعد هذه التدريبات
خطوة أخرى نحو المصالحة بين الخصمين السابقين. وشاركت القوات الأمريكية الخاصة، التي
ارتدت شارات أمريكية وليبية، في عملية إنقاذ وهمية للرهائن شارك فيها 50 مقاتلا ليبيا.
كما أشركت الولايات المتحدة شركاء آخرين في هذه العملية، حيث قدم الجيش الألماني الرعاية
الطبية وقدمت القوات التركية الدعم باستخدام الطائرات المسيرة وحضر ممثلون من إيطاليا
والمملكة المتحدة ومصر وفرنسا، بالإضافة إلى بعض الممثلين من تشاد، جارة ليبيا الجنوبية
ومعقل النشاط المسلح.
ومن المتوقع أن تفتح
هذه المناورات الباب أمام ليبيا للحصول على المزيد من التدريب والمعدات من الولايات
المتحدة وحلفائها، مما يسمح لها بالتوقف عن الاعتماد على روسيا وبيلاروسيا في توفير
المعدات والمرتزقة.
وقال مارتن رينولدز،
سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا، الذي حضر المناورات: "نرغب في رؤية حكومة، لا
ترى ضرورة لإشراك قوى أجنبية"، وبخاصة روسيا.
والأهم من ذلك، أن
ليبيا الموحدة قد تشعر بالجرأة على قطع الجسر الجوي الذي تستخدمه روسيا لنقل الأفراد
والأسلحة إلى حلفائها الأفارقة، على حد قول مسؤولين غربيين، تماما كما تم تهميش موسكو
في سوريا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.
وهناك البعد الإقتصادي
من اتفاق سلام دائم حيث سيكون العائد كبيرا على ليبيا والولايات المتحدة معا.
وتمتلك ليبيا أكبر
احتياطيات نفطية في أفريقيا، لكن سنوات القتال وعدم الاستقرار أثرت على قدراتها الإنتاجية
وبشكل مزمن. وتبدي شركات النفط الأمريكية الكبرى اهتماما بالبلاد الآن لأول مرة منذ
سنوات. وفي شباط/فبراير وقعت شركة شيفرون أول صفقة لها في ليبيا بعد فوزها بترخيص للتنقيب
في حقل بحري.
وفي الوقت نفسه، وافقت
شركة إكسون موبيل العام الماضي على العودة إلى البلاد، بعد أن أوقفت عملياتها في عام
2013. ويشهد إنتاج النفط ارتفاعاً ملحوظا، حيث بلغ 1.43 مليون برميل يوميا في وقت سابق
من هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عقد، وذلك نتيجةً لتباطؤ الشحنات إلى
السوق العالمية بسبب الاضطرابات في الخليج العربي.
وهناك عامل إضافي محفز
أيضا، فمن شأن بيئة أكثر استقرارا أن تسهل تطوير موارد ليبيا الهائلة من المعادن النادرة
الحيوية الأخرى، والتي تشمل اليورانيوم وربما الليثيوم والكوبالت، حيث يعد الوصول إلى
هذه الموارد أمرا مهما لإدارة دونالد ترامب.