يتوافد سوريون أكراد من "مكتومي القيد" منذ الأسبوع الماضي إلى مراكز مخصصة في عدد من المدن لتقديم طلبات الحصول على الجنسية السورية، بعد عقود من الحرمان، وذلك تطبيقا لمرسوم أصدره الرئيس أحمد الشرع في كانون الثاني/ يناير.
وبحسب وكالة الأنباء الفرنسية، يشمل المرسوم منح الجنسية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في
سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، إلى جانب إقرار حقوق ثقافية ولغوية، بينها اعتبار اللغة الكردية "لغة وطنية"، وقد فُتحت مراكز التسجيل في مدن القامشلي والحسكة والمالكية، إضافة إلى حلب ودير الزور والرقة ودمشق، بناء على توجيهات وزارة الداخلية.
من هم مكتومو القيد؟
تُعد قضية مكتومي القيد واحدة من أكثر القضايا القانونية والإنسانية تعقيدًا في تاريخ سوريا الحديث.
إذ يشير المصطلح إلى الأفراد الذين يعيشون على الأراضي السورية وينتمون إليها بأصلهم، لكنهم غير مسجلين في سجلات الأحوال المدنية الرسمية، مما يجعلهم "غير موجودين" قانونياً، ويحرمهم من أبسط حقوق المواطنة، بما في ذلك التعليم، التنقل، العمل، التملك، والرعاية الصحية.
ويُقدر عدد المستفيدين من هذا المرسوم بمئات الآلاف؛ حيث كانت التقديرات قبل عام 2011 تشير إلى وجود حوالي 300 ألف فاقد للجنسية (بين أجانب ومكتومين)، وهو رقم تضاعف بفعل الولادات الجديدة خلال سنوات الحرب.
اظهار أخبار متعلقة
وتستمر عملية التسجيل لمدة شهر قابل للتمديد، وفق ما أوضحه مسؤول شؤون الأحوال المدنية عبد الله العبد الله، الذي أكد أن "أهم تعويض لهؤلاء الناس هو اكتساب الجنسية بعد حرمان طيلة هذه السنوات".
في القامشلي، اصطف عشرات الأكراد داخل صالة مكتظة في ملعب المدينة بانتظار دورهم، حيث امتلأت الطاولات باستمارات مختومة وصور شخصية ووثائق قديمة، بينما تولى موظفون حكوميون إدخال البيانات، لتظهر عبارة "تمت بنجاح" على الشاشات.
وقال فراس أحمد (49 عاما) للوكالة ذاتها: "الإنسان بلا جنسية يُعتبر من الموتى، تخيلوا أنني لا أستطيع أن أسجل أولادي، أو البيوت بأسمائنا"، موضحا أن عائلته عاشت دون وثائق رسمية منذ جده.
وتعكس هذه الخطوة تحولا بعد اتفاق أبرم أواخر كانون الثاني/ يناير بين الحكومة والمقاتلين الأكراد، عقب مناوشات استمرت أسابيع، ونص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية وقواتها ضمن مؤسسات الدولة.
وتبع الاتفاق دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة إدارة مطار القامشلي في شباط/ فبراير، وتعيين القيادي الكردي سيبان حمو في آذار/ مارس معاونا لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية.
اظهار أخبار متعلقة
ويعاني الأكراد في سوريا من تداعيات حرمانهم من الجنسية منذ إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، الذي جرى بموجبه سحب الجنسية من نحو 20 بالمئة منهم، ما أدى إلى تهميشهم وحرمانهم من حقوق أساسية، بما فيها التعليم والعمل والتنقل.
وتشير التقديرات إلى أن عدد مكتومي القيد يبلغ نحو 150 ألف شخص، وفق ما ذكره عضو شبكة ضحايا انعدام الجنسية الكردية علي موسى، الذي طالب بإبداء "مرونة في تطبيق القرار وتقديم تسهيلات للمقيمين خارج سوريا"، لا سيما في ظل صعوبات السفر المرتبطة بوضعهم كطالبي لجوء أو بسبب ظروف الحرب الإيرانية.
وانعكس الحرمان من الجنسية على تفاصيل الحياة اليومية، إذ واجه كثيرون صعوبات في تسجيل الولادات وتثبيت الملكيات، فضلا عن القيود على التعليم والسفر والعمل.
اظهار أخبار متعلقة
وقالت غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، لفرانس برس: "عانينا كثيرا من الصعوبات، لم يستطع أولادي الخمسة استكمال دراستهم، ولم يكن بمقدورنا السفر نهائيا"، مضيفة أن منزلهم لا يزال غير مسجل باسمهم.
وروى محمد أيو (56 عاما) معاناته، قائلا: "تدرس سنوات طويلة، وفي النهاية يقولون لا شهادة لك"، مشيرا إلى أنه لم يتمكن من متابعة دراسته الجامعية، كما حرم من حقوق مدنية، بينها الترشح والانتخاب، والحصول على رخصة قيادة أو الإقامة في فندق بدمشق دون "ورقة أمنية".