يُعتبر من بين قلة من علماء عصره الذين رسخوا جذورهم في العلوم الإسلامية التقليدية، ودرسوا اللاهوت والفلسفة والميتافيزيقا (والماورائيات) والتاريخ والأدب.
مختص في العلم الشرعي، ويُعتبر الرائد والأول في اقتراح فكرة "أسلمة المعرفة"، و"أسلمة" الجسم والعقل والروح وآثارها على الحياة الشخصية والجماعية على المسلمين فضلًا عن غيرهم.
مؤلف لعشرات الكتب في مختلف جوانب الفكر الإسلامي والحضارة، كانت إسهاماته قيّمة للغاية، وقال رئيس وزراء
ماليزيا أنور إبراهيم في وداعه: "إن رحيله خسارة فادحة للأمة والعالم".
يُعرف هذا العالم المؤثر بدوره في إصلاح الدراسات الماليزية الإسلامية، من خلال رؤاه الفلسفية في الدراسات الماليزية والتعليم.
وُلد السيد محمد نقيب
العطاس في عام 1931 في بوغور في جاوة الغربية، جزر الهند الشرقية الهولندية، بإندونيسيا، في بيت علم وسيادة، وقد وفد أجداده لأبيه من حضرموت إلى جنوب شرقي آسيا، لعائلة عريقة ذات أسلاف وأولياء ذوي مكانة مرموقة.
وتشير بعض المصادر إلى أن نسبه يمتد لأكثر من ألف عام عبر السادة البعلاويين في حضرموت، وكان العطاس الابن الثاني من بين ثلاثة أبناء، أما شقيقه الأكبر، السيد حسين العطاس، فقد أصبح فيما بعد أكاديميًا وسياسيًا، وكان ابن عم الأكاديمي والخبير الاقتصادي أونكو عبد العزيز.
حظي بتركيبة ثقافية وحضارية متشابكة جدًا، فهو الحفيد السابع والثلاثون للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وفق شجرة نسبه. أما أمه، الشريفة رقوان العيدروس، فجمعت بين الدم الحضرمي والنبالة السوندية الجاوية. وتعود جدته لأبيه، رقية هانم، إلى أصول تركية شركسية مرتبطة بسلطنة جوهور الملايوية.
اظهار أخبار متعلقة
تلقى العلوم الإسلامية في مدارس جاوة التقليدية والتعليم الإنجليزي في ملايا في العاصمة الماليزية كوالالمبور.
بعد الحرب العالمية الثانية، عاد في عام 1946 إلى جوهور، ثاني أكبر مدينة في ماليزيا، لإكمال تعليمه الثانوي.
بعد أن أنهى العطاس دراسته الثانوية عام 1951، التحق بالفوج الماليزي الملكي كضابط متدرب، وهناك اختير للدراسة في "إيتون هول" بتشيستر بإنجلترا، ثم في الأكاديمية العسكرية الملكية "ساندهيرست" ما بين عامي 1952 و1955.
وفي هذه الأثناء ازداد اهتمامه بفلسفة الصوفية، فسافر إلى إسبانيا وشمال إفريقيا، حيث كان للتراث الإسلامي أثر عميق عليه.
شعر العطاس بالحاجة إلى مواصلة الدراسة، فاستقال طواعية من منصبه في الفوج الماليزي ليتابع دراسته في جامعة "مالايا" ما بين عامي 1957 و1959.
أثناء دراسته الجامعية، ألّف كتاب "رانغكيان رباعيات"، وهو عمل أدبي، وكتاب "بعض جوانب التصوف كما فُهمت ومورست بين الملايو".
وسيحصل على زمالة "مجلس كندا للدراسات" لمدة ثلاث سنوات في معهد الدراسات الإسلامية بـ"جامعة ماكجيل" في مونتريال، وسينال درجة الماجستير بامتياز في الفلسفة الإسلامية عام 1962 عن أطروحته "رنيري والوجودية عند آتشيه في القرن السابع عشر". ثم التحق بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بـ"جامعة لندن"، وكانت أطروحته للدكتوراه عملًا من مجلدين حول تصوف "حمزة فانسوري".
عاد في عام 1965 إلى ماليزيا، وتولى رئاسة قسم الأدب في كلية الدراسات الملايوية بـ"جامعة مالايا" في كوالالمبور، ولاحقًا شغل منصب عميد كلية الآداب من عام 1968 حتى عام 1970، حيث أدخل إصلاحات مؤثرة.
بعد ذلك، انتقل إلى "الجامعة الوطنية الماليزية الجديدة" رئيسًا لقسم اللغة والأدب الملايويين، ثم عميدًا لكلية الآداب، ودعا إلى استخدام اللغة الملايوية كلغة تدريس في الجامعة، فأسس وأدار "معهد اللغة والأدب والثقافة الملايوية" في "الجامعة الوطنية الماليزية" عام 1973.
في عام 1987، تأسس "المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية" في كوالالمبور، وكان العطاس مؤسسه ومديره، وافتتحه رئيس الوزراء الماليزي آنذاك مهاتير محمد رسميًا في عام 1991.
وكان الهدف من تأسيسه تعزيز الوعي الإسلامي لدى طلابه وأعضاء هيئة التدريس، وقد وظف العطاس مبادئ الفن والعمارة الإسلامية، الأندلسية بشكل خاص، في جميع أنحاء الحرم الجامعي ومرافقه.
طرح العطاس مشروعه المركزي "إسلامية المعرفة المعاصرة" لأول مرة بصورة منهجية في المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي بمكة المكرمة عام 1977، ثم بسطه في كتابه "الإسلام والعلمانية" في عام 1978.
انخرط في نقاشات جدلية حول مواضيع التاريخ الإسلامي، وفقه اللغة، وتاريخ الأدب الملاوي، والشعر، كما طرح أفكاره حول تصنيف الأدب الملاوي وتحديد مراحل تاريخه الأدبي، وساهم في تاريخ ونشأة اللغة الملايوية الحديثة.
وقد انتقد العطاس بشدة دراسة الطبيعة واستخدامها دون غاية روحية سامية، معتبرًا أن ذلك قد أوصل البشرية إلى حالة من الاعتقاد بأن الإنسان إله أو شريك.
رأى العطاس أن الحضارة الغربية في تغير مستمر و"صيرورة" دون أن تبلغ حالة "الوجود" المطلق، وحلل كيف تتأثر العديد من المؤسسات والدول بروح الغرب هذه، وكيف أنها تراجع باستمرار أهدافها التنموية الأساسية وغاياتها التعليمية وتغيرها لمواكبة التوجهات الغربية.
يرى العطاس أن الميتافيزيقا الإسلامية نظام موحد يكشف عن الطبيعة المطلقة للواقع بصورة إيجابية، جامعًا بين العقل والتجربة، مؤكدًا أن الوجود هو "الجوهر الحقيقي للأشياء في الواقع خارج العقل، وإن عملية الخلق، أو الإيجاد، والفناء، أو العودة إلى العدم، وإعادة خلق ما يشبهها، هي حركة وجودية ديناميكية. يوجد في الخلق مبدأ الوحدة ومبدأ التنوع، وبالتالي فإن تعدد الموجودات لا ينتقص من وحدة الوجود، لأن كل موجود هو نمط من أنماط الوجود، وليس له وضع وجودي مستقل".
وقد أوضح أن "جوهر الله متعالٍ، وهو مجهول وغير قابل للمعرفة إلا له وحده، بينما يتكون جوهر الشيء أو حقيقته من نمط وجود يوفر له الجانب الدائم، وجوهره، مانحًا إياه صفاته المتغيرة".
أثرى العطاس المكتبة بما يزيد على 27 عملًا حول جوانب مختلفة من الفكر والحضارة الإسلامية، وخاصة في التصوف وعلم الكونيات والميتافيزيقا والفلسفة واللغة الماليزية والأدب.
اظهار أخبار متعلقة
ويُعد كتابه "مقدمات لميتافيزيقا الإسلام" الصادر في عام 1995 أنضج أعماله، إذ يحاول تحديد الرؤية الإسلامية للوجود تحديدًا فلسفيًا شاملًا. وتمتد مؤلفاته الأخرى عبر حقول متنوعة، من "مفهوم التعليم في الإسلام" إلى "شرح حجة الصديق لنور الدين الرانيري" و"الحقيقة والخيال التاريخيان"، وآخر كتبه "الإسلام: الوفاء بالعهود" وصدر في عام 2023 وهو في عمر 92 عامًا.
حصل على العديد من التكريم والجوائز، ففي عام 1975 مُنح زمالة "الأكاديمية الإمبراطورية الإيرانية للفلسفة" تقديرًا لإسهاماته في مجال الفلسفة المقارنة، ومن عام 1976 إلى عام 1977 عمل أستاذًا زائرًا للدراسات الإسلامية في "جامعة تمبل" بمدينة فيلادلفيا الأمريكية.
وكان أول من شغل كرسي اللغة والأدب الملايوي في "الجامعة الوطنية الماليزية"، وأول من شغل "كرسي تون عبد الرزاق" لدراسات جنوب شرق آسيا في "جامعة أوهايو"، كما كان المؤسس والمدير لـ"المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية" في "الجامعة الإسلامية العالمية" بماليزيا، وألقى أكثر من 400 محاضرة في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة واليابان والشرق الأقصى والعالم الإسلامي.
وفي عام 1993، أصبح أول من شغل "كرسي أبو حامد الغزالي للفكر الإسلامي" في "المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية"، وفي عام 1994 منحه الملك حسين ملك الأردن الراحل عضوية "الأكاديمية الملكية الأردنية"، وفي عام 1995 منحته "جامعة الخرطوم" درجة الدكتوراه الفخرية في الآداب.
كان أيضًا خطاطًا ومصممًا موهوبًا، حيث عرضت أعماله في متحف "تروبين" في أمستردام عام 1954، كما قام بتخطيط وتصميم مبنى "المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية"، واللفافة الفريدة لكرسي الغزالي، وقاعة المحاضرات ومسجد المعهد، بالإضافة إلى تنسيق الحدائق والديكور الداخلي.
توفي عن 94 عامًا، تاركًا وراءه مشروعًا فكريًا من أكثر المشاريع طموحًا وإثارة للجدل في الفكر الإسلامي المعاصر. وشيّعه المئات، وأشار أنور إبراهيم إلى أن لقب الأستاذية الملكية، الذي منحه إياه السلطان إبراهيم، ملك ماليزيا، في عام 2024، جاء تكريمًا لإسهامات محمد نقيب في التعليم الإسلامي في ماليزيا، ولم ينل هذا التكريم سوى عالم واحد آخر، وهو الأستاذ الملكي الراحل أونكو عبد العزيز أونكو عبد الحميد في عام 1987.
ونعاه الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وأكد الأزهر أن الفقيد كان علمًا من أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث، وأسهمت كتاباته ومؤلفاته في إثراء الفلسفة الإسلامية، وكان لها أثر كبير في إدارة النقاشات الفكرية المهمة حول قضايا الهوية والحضارة.
برحيله يفقد الفكر الإسلامي علمًا من أعلامه الذين اشتغلوا على سؤال النهضة بكل جدية ومثابرة وعمق، وسعوا إلى إعادة بناء الوعي الحضاري للأمة، وإلى إحياء الصلة بين العلم والقيم، وبين المعرفة ومسؤولية الإنسان في العمران.
لقد قامت رؤية العطاس على عدم رفض العلم الحديث، بل "أسلمته"، وذلك بتجريده من افتراضات المادية وإعادة دمجه في إطار تكون فيه الروح والخالق هما المرجعان الأساسيان.