في خطوة غير مسبوقة،
أعلن رئيس مجلس القضاء الأعلى في
العراق فائق زيدان، الثلاثاء، أن الاعتداء على
البعثات الدبلوماسية يُعد "جريمة خطيرة" تمس أمن الدولة الخارجي، وقد
تترتب عليها عقوبات تصل إلى الإعدام، وذلك بعد سلسلة هجمات شنتها فصائل موالية
لإيران على السفارة الأمريكية في بغداد.
وأمر رئيس الوزراء
العراقي، محمد شياع السوداني، الأجهزة الأمنية بتعقب وملاحقة مرتكبيها وتقديمهم
للعدالة فورا لينالوا جزاءهم العادل، وشدد على أن "أمن الدولة وسلامة
مواطنيها خط أحمر لا يمكن تجاوزه"، كما أمر بمحاسبة المقصرين ممن تلكأ في
أداء الواجب ضمن منطقة عمله.
"تكليف
شرعي"
وعن مدى قدرة الحكومة
على منع الفصائل من استهداف البعثات الدبلوماسية، قال الخبير الأمني والإستراتيجي
العراقي، مهند الجنابي، إن "حديث رئيس مجلس القضاء الأعلى قطع شوطا كبيرا جدا
في عملية تعقب أنشطة الفصائل باعتبار أن هناك دعما قضائيا بوقف هذه الأنشطة، وأن
المطلوب من الحكومة بشكل واضح استثمار هذا الموقف الشجاع".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف الجنابي
لـ"عربي21" أن "الأجهزة الاستخبارية العراقية قادرة على كشف كل
الأشخاص الذي نفذوا عمليات إرهابية على المصالح العراقية في البصرة وبغداد وأربيل
(مطارات ومنشآت نفطية) وتقديمهم إلى العدالة، وهذه فرصة لكي يكون من قام بهذه
الأعمال عبرة لمن يعبث بأمن العراق خلال المرحلة المقبلة".
وأكد الخبير العراقي
أنه "لم تظهر أي إرادة سياسية حقيقية لمكافحة هذه النشاطات، بمعنى أن الحكومة
كانت عاجزة ومتفرجة على أعمال هذه الفصائل رغم إضرارها بالمصلحة الوطنية العراقية
ودفعها للعراق بأن يكون ساحة حرب جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بالتالي هذه
الجماعات متورطة بأكثر من قضية".
وأشار إلى أن
"الحكومة الحالية تشكلت عام 2022 من قوى تمثل الفصائل سواء لديها جهات سياسية
تمثلها أو أخرى من خارج العملية السياسية، بالتالي قوى الإطار التنسيقي تضم فصائل
بأجنحة سياسية".
ولفت إلى أن
"الحرج الأكبر للحكومة للتعامل مع أنشطة الفصائل، هو مواجهة حلفاء أو أطراف
منحتها الثقة في مرحلة تشكيلها، لكن بالنتيجة هناك موقف ومسؤولية وطنية ودستورية
وقانونية تفرض على الحكومة القيام بواجباتها".
وحذر الجنابي من أن
"أي تقصير في تطبيق القانون سيرتد على الاستقرار السياسي في العراق ومستقبل
تشكيل الحكومة المقبلة، لأن الوضع لا يسمح بالمجازفة بإبقاء حالة الهدوء في
البلد".
ولفت إلى أن "كل
الجهات التي تقوم بهذه الأعمال هي معروفة، بالتالي تأخر الحديث عن فرصة لتجنيب
العراق المواجهة مع الولايات المتحدة، خصوصا أن واشنطن انصرفت بشكل مباشر في عمليات
استهداف فصائل من الحشد الشعبي، لذلك المسألة باتت صعبة جدا ومعقدة على
الحكومة".
ورأى الخبير أن
"السبيل الوحيد هو إيقاف نشاط الفصائل وإثبات موقف وطني عراقي على المستوى
الحكومي بهذا المنع وتطبيق البيانات التي تصدرها الحكومة على أرض الواقع، عندها
ستكون الفرصة مواتية للحوار بين بغداد وواشنطن لإيقاف العمليات العسكرية تجاه
استهداف الفصائل".
وخلص الجنابي إلى أن
"الفصائل قرارها بيد
إيران، وأن رسالة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بارك فيها
أعمال الفصائل، بالتالي الأخيرة تستلم هذا الرسائل على أنها تكليف شرعي لهذا السبب
هنا موقف الحكومة حرج، ولكن ومن الضروري أن تفرض القرار الوطني على إرادة الفصائل
التي تأتمر بإمرة طهران".
"منازلة
صفرية"
وفي السياق، قال
الخبير الأمني العراقي، مخلد حازم لـ"عربي21" إن "العراق يمر
بمرحلة خطرة، وهي الانزلاق التي لا تعرف نهايته، وأن الجميع يعرف بأن الفصائل هي
ضمن محور المقاومة ووحدة الساحات، واليوم أصبحت جزءا من جبهة الإسناد لما يحصل في
إيران".
وبين حازم أن
"الواقع السياسي الحالي يظهر أن رئيس الوزراء جرى انتخابه من كتل تنتمي إلى
الإطار التنسيقي وفي كثير من الأحيان هذ الكتل لديها تمثيل في الحشد الشعبي وتمثيل
في الفصائل المسلحة".
وتابع: "لذلك فإن
فرضية أن يذهب رئيس الوزراء لتحريك قطعاته العسكرية باتجاه ضرب الفصائل، أمر صعب
التطبيق وليس هينا، لذلك نرى أن الحكومة تتعامل ضمن الأطر الدبلوماسية السيادية
بموجب العلاقات التي لديها مع دول الإقليم، من أجل تجنيب العراق العودة إلى العزلة
الدولية السابقة".
وأضاف حازم أن
"ما يحصل يعكر صفو هذه العلاقات خصوصا استهداف المصالح الأمريكية والبعثات
الدبلوماسية، لأن هذا يعكس واقعا أمنيا غير مستقر في العراق وبالتالي ينعكس على
رؤية العالم الخارجي للمجتمع العراقي".
وبحسب الخبير، فإن
"خيارات ضبط إيقاف الأوضاع في العراق صعبة جدا إلا إذا كان هناك إرادة سياسية
من القوى والكتل التي لديها فصائل، وهؤلاء إذا توصلوا إلى قرار فيما بينهم بأن
البلد ذاهب إلى منزلق خطير في حال لم تتم معالجة الأمر، هنا ممكن التوصل إلى حل".
وأكد حازم أن
"جهود رئيس الوزراء بمفرده لا يحل الأزمة، وبالتالي لا أتوقع أن الأخير يريد
أن يجر القطعات الأمنية إلى صراع مع الفصائل الذي هو غير محسوب النهايات، ولدينا
تجارب في حوادث حصلت في بغداد شهدت صداما بين قوى الأمن والفصائل خلفت عددا من
الضحايا".
وشدد الخبير على أن
"الموضوع معقد وشائك، وأن الفصائل اتخذت قرارا بأن تكون جزءا من المنازلة
الصفرية وفق ما يحصل لإيران، وبالتالي نتائجها مرتبطة بما سيحصل مع الجانب
الإيراني في الأيام المقبلة".
من جهته، دعا السفير
الأمريكي الأسبق لدى العراق، زلماي خليل زاد، الإدارة الأمريكية إلى تدمير القدرات
العسكرية للمليشيات الموالية لإيران في العراق، مطالبًا واشنطن بممارسة ضغوط جدية
على رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، لوضع حد لهجمات هذه الجماعات.
اظهار أخبار متعلقة
وقال خليل زاد خلال
تدوينة على منصة "إكس" الثلاثاء، إن "المليشيات العراقية الخاضعة
لسيطرة الحرس الثوري الإيراني تشن هجمات مستمرة تستهدف السفارة الأمريكية في بغداد
وإقليم كردستان والمصالح الأمريكية هناك".
وانتقد الدبلوماسي
الأمريكي السابق موقف الحكومة العراقية تجاه هذه التصعيدات، مشيرا إلى أن بغداد
تكتفي بإصدار "بيانات التنديد والاستنكار" فقط، معتبرا أن الحكومة تبدو
"غير قادرة أو غير راغبة" في لجم هذه الهجمات ومنعها.
ومنذ أسبوع تشن
الفصائل العراقية هجمات متكررة على السفارة الأمريكية في بغداد وتقوم بنشر التصوير
الخاص بالاستهداف على وسائل إعلام خاصة بها، إضافة إلى استهدافها للقنصلية
الإماراتية في إقليم كردستان لأكثر من مرة.