في صباح شتوي،
داخل إحدى قاعات الجلسات، بمحكمة الاستئناف المتواجدة في
الدار البيضاء، أُعلن عن
تأجيل ملف جنحي للمرة الثالثة خلال أسبوعين، ليس بسبب نقص في الوثائق أو غياب المتهم، بل فراغ الكرسي المخصص للدفاع.
خارج القاعة، تجمع محامون ببزاتهم السوداء، محتجّين. في محاكم الرباط وفاس
ومراكش، تكرّر المشهد ذاته: قاعات مفتوحة، ملفات حاضرة، ومحامون غائبون بقرار
جماعي.
واندلعت الأزمة عقب مصادقة المجلس الحكومي في كانون الثاني/ يناير 2026 على مشروع القانون رقم
66.23 المنظم لمهنة
المحاماة، الذي أعدته
وزارة العدل بقيادة عبد اللطيف وهبي، وقدمت الحكومة المشروع باعتباره خطوة إصلاحية لتحديث الإطار القانوني للمهنة،
وتعزيز الحكامة والشفافية، وملاءمة التشريع مع التحولات الاقتصادية والالتزامات
الدولية للمغرب.
بالموازاة مع
ذلك، رأت جمعية هيئات المحامين بالمغرب في المشروع: نصا يمس جوهر استقلالية
الدفاع، ويعيد رسم حدود العلاقة بين الدولة ومهنة دستورية يفترض أن تكون شريكا في
تحقيق العدالة لا مجرد قطاع خاضع للضبط الإداري.
في هذا
التقرير، ركزت "عربي21" على الشلل القضائي الذي عرفته محاكم
المغرب
خلال الأيام الماضية، قبل أن يقرر رئيس الحكومة تأجيل إحالة مشروع قانون تنظيم
مهنة المحاماة إلى البرلمان، عقب تصعيد غير مسبوق من جمعية هيئات المحامين وتعليق
مصالح المتقاضين. سيستعرض التقرير تسلسل الأحداث لفهم ما يجري، من انطلاق الجدل
حول المشروع، مرورا بتصاعد التوتر مع وزارة العدل، وصولًا إلى قرار التأجيل.
في مواجهة
هاجس الاستقلال
منذ الإعلان
عن مشروع القانون، تباينت القراءات بشكل متسارع. وزارة العدل شدّدت على أن تحديث
شروط الولوج إلى المهنة، وتنظيم المعاملات المالية للمكاتب، وتطوير آليات التأديب،
كلها عناصر ضرورية من أجل ضمان جودة الخدمات القانونية ومحاربة الممارسات غير
المشروعة. فيما اعتبرت الهيئات المهنية أن جوهر الإشكال لا يكمن في التفاصيل
التقنية، بل في الفلسفة التي يقوم عليها النص.
وأكّدت جمعية
هيئات المحامين بالمغرب، أنّ توسيع نطاق الإشراف الإداري، وإعادة صياغة آليات
التأديب بما يسمح بتدخل جهات خارج التنظيم المهني، وفرض التزامات مالية وإجرائية
جديدة، كلها مؤشرات على مقاربة تميل إلى الرقابة بدل الشراكة. كما ذهب بعض
المحامين إلى القول إنّ: "المشروع، بصيغته الأولى، ينقل المهنة من فضاء
التنظيم الذاتي إلى دائرة الضبط التنفيذي".
هذا التباين،
بحسب ما توصّلت إليه "عربي21" من عدد المصادر، لم يتم احتوائه داخل لجان
تقنية مُغلقة، بل سُرعان ما خرج للعلن، وتحوّل إلى سجال مفتوح في وسائل الإعلام
وداخل البرلمان. ومع تصاعد التصريحات، بدأ منسوب الثقة يتراجع، وظهرت جُملة من
المؤشرات على أن الخلاف يتجاوز حدود النقاش العادي حول نص تشريعي.
اظهار أخبار متعلقة
وكان
المحامين، في السياق نفسه، قد أطلقوا حركة احتجاجية واسعة، للمطالبة بسحب المشروع
من البرلمان، والتشاور معهم بهدف صياغة نص جديد؛ كما نظّموا تظاهرة أمام البرلمان
جمعت آلافا منهم مطلع شباط/ فبراير الجاري. معلنين تشديدهم على: "ضمان حصانة
الدفاع، واستقلالية المهنة".
وبخصوص أبرز
نقاط الخلاف، فإنّها تتركّز حول: شروط الولوج إلى المهنة، إذ ينص المشروع على
ضرورة حصول المترشح على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص أو دبلوم الدراسات
العليا المعمقة أو المتخصصة في العلوم القانونية، أو شهادة معترف بمعادلتها، مع
اجتياز مباراة ولوج معهد التكوين وفترة التمرين بنجاح، إضافة إلى اشتراط سن لا يقل
عن 22 سنة ولا يتجاوز 40 سنة عند إجراء مباراة الولوج.
كما ينتقد
المحامون أيضا، المادة 72 من المشروع، التي تنصّ على أنّ كلّ أداء يفوق عشرة آلاف
درهم (ما يناهز 1.1 ألف دولار أميركي) يجب أن يجرى بواسطة شيك أو إلكترونيا،
ويشيرون إلى أنّ جميع وكلائهم لا يملكون حسابات مصرفية، الأمر الذي يجعل هذا
المقتضى صعب التطبيق بشكل عملي.
وتتضمّن مطالب
المحامين الدعوة إلى إقرار نظام ضريبي عادل يتناسب مع طبيعة مهنتهم، وتعزيز
مكتسبات التغطية الصحية والاجتماعية، والحفاظ على مكانة المحاماة في التشريعات
الإجرائية بدلا من تقييدها.
ويعترض
محامون، أيضا، على السماح للأجانب بممارسة المهنة دون توفّر بعض الشروط في البلاد،
من قبيل: إمكانية فتح مكاتب دون استشارة نقيب المحامين المغاربة.
حين أصيب
المرفق بالشلل
المنعطف
الحاسم جاء مع إعلان جمعية هيئات المحامين التوقف الشامل عن العمل. القرار شمل
الامتناع عن حضور الجلسات، وتسجيل المقالات، ومباشرة الإجراءات، وهو ما أدّى خلال
أيام قليلة فقط إلى شلل جزئي في المحاكم. آلاف القضايا أُجلت، وملفات تراكمت،
ومواعيد أُعيد تحديدها بعد أسابيع وربما أشهر.
إلى ذلك، علمت
"عربي21" أنّه: في قضايا الأسرة، تأخّر البت في ملفات النفقة والحضانة.
في النزاعات التجارية، تجمّدت مساطر تنفيذ قد يترتب عليها إفلاس مقاولات صغيرة.
أما في القضايا الزجرية، فقد طالت آجال الانتظار، ما يعني استمرار حالة عدم اليقين
بالنسبة إلى متهمين وضحايا على حد سواء.
أمام إحدى
المحاكم، في مدينة الرباط، قال متقاضٍ ينتظر البت في نزاع شغل: "لا أعرف
تفاصيل القانون، لكن أعرف أن ملفي تأخر شهرا إضافيا". تلك العبارة تختصر
البعد الإنساني للأزمة، إذ بات المواطنون يدفعون الثمن.
كذلك، داخل
البرلمان، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، عن مشروعه مؤكدا أنّ: "الإصلاح
لا يستهدف استقلالية الدفاع، بل يسعى إلى تطوير المهنة وحمايتها من
الاختلالات". وأوضح أنّ: "الحكومة منفتحة على التعديلات، لكنها متمسكة
بمبدأ التحديث". غير أن خطاب التطمين لم يكن كافيا خلال الأيام الأولى،
لإقناع الهيئات المهنية، التي رأت أن التعديلات الجزئية لا تعالج أصل الإشكال.
أي تدخل لرئاسة
الحكومة؟
مع اتساع رقعة
التأجيلات وتصاعد الاحتجاجات، دخلت الأزمة فيما وصف بـ"مرحلة سياسية"
أكثر وضوحا؛ في شباط/ فبراير 2026، استدعى رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش،
رئيس جمعية هيئات المحامين. اللقاء انتهى بإعلان عدم إحالة المشروع إلى البرلمان
بصيغته الحالية، وتشكيل لجنة مشتركة لإعادة مناقشة مضامينه تحت إشراف رئاسة
الحكومة.
هذا التدخل،
أنهى عمليا حالة الشلل، عقب إعلان المحامين تعليق التوقف واستئناف العمل. غير أنّه
في الوقت نفسه قد حمل في طياته دلالات أخرى. فانتقال الملف من وزارة العدل إلى
مستوى رئاسة الحكومة عكس ما وصف بـ"إدراك خطورة استمرار الأزمة على صورة
الإصلاح القضائي وعلى الثقة العامة في مؤسسات العدالة". كما أقر، بشكل غير
مباشر، بأن المقاربة الأولى لم تنجح في بناء توافق كاف.
اظهار أخبار متعلقة
وتكشف متابعة
تطورات الأزمة خلال الأسابيع الماضية أن ميزان المكاسب والخسائر يرسم مشهدا أكثر
تعقيدا ممّا يبدو في ظاهره. فقد نجح المحامون في تجميد المسار التشريعي وفرض
العودة إلى طاولة الحوار، وهو ما اعتبره كثيرون انتصارا لمبدأ التشاور في القوانين
المنظمة للمهن الدستورية. في المقابل، لم تتراجع الحكومة عن فكرة الإصلاح، ولم يُسحب
المشروع نهائيا، بل انتقل إلى مسار تفاوضي جديد تحت إشراف رئاسة الحكومة. وبهذا
المعنى، حافظت السلطة التنفيذية على عنوان التحديث، لكنها قبلت بإعادة رسم الطريق
المؤدي إليه.
وأوردت جمعية
هيئات المحامين، في بيان لها، أنّ: رئيس الجمعية التقى، الأربعاء، المسؤول الحكومي
نفسه بدعوة من هذا الأخير، حيث تبادلا نقاشا مسؤولا وصريحا انتهى بالاتفاق على
تشكيل لجنة على مستوى رئاسة الحكومة تحت إشراف عزيز أخنوش، ومشتركة مع مكتب جمعية
هيئات المحامين، لفتح نقاش تشاركي بخصوص مشروع قانون المهنة الذي قدمه وزير العدل،
إلى البرلمان، ما اعتُبر مساسا باستقلالية المهنة، وضربا لمكتسباتها التاريخية.
وتفاعل البيان نفسه، الذي وصل "عربي21" نسخة منه، بشكل إيجابي مع:
"إرادة رئيس الحكومة في إعادة بناء الثقة مع جمعية هيئات المحامين، من أجل
ضمان استمرارية المهنة في لعب أدوارها المجتمعية الكبرى والحفاظ على ثوابتها
وأركانها الأساسية، وهو ما يجسد حسا مؤسساتيا رفيعا وروحا مسؤولة في تدبير هذا
الملف".
في سياق متصل،
تفاعل عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، من المحامين، مع بيان الجمعية
المهنية؛ بينهم المحامي والأمين العام للحزب المغربي الحر، إسحاق شارية، الذي كتب:
"وأخيرا، انهزم الوزير وانتصر المحامون في أولى معارك الكرامة، بعد أن سحب
رئيس الحكومة من عبد اللطيف وهبي ملف مشروع التعديلات على إثر تسببه غير المسؤول
في تعطيل قطاع العدل لحوالي شهر".
وأضاف شارية،
عبر منشور له على حسابه بمنصة "فيسبوك": "الحقيقة التي انكشفت
للجميع أن هذا الوزير لا يمثل لا جهات سماوية ولا دولة عميقة، بل مجرد رجل يقوده
غروره إلى تدمير المنظومة التشريعية المغربية عن قصد أو جهل، وتخريب التوازنات
التي بُنيت عليها منذ عقود".
من جهته،
المحامي زهير أصدور، وصف بيان الجمعية المهنية بـ"إشارة قوية على انتصار منطق
المهنة وصمودها"، متابعا: "فرضت احترام مكانتها وحقها في أن تكون شريكا
حقيقيا في هندسة الإصلاح، لا مجرد طرف مستمع"، مشيرا إلى أنّ: "رئيس
الحكومة التزم بإعادة بناء الثقة مع جمعية هيئات المحامين، وأكد عدم إحالة مشروع
القانون بصيغته الحالية على البرلمان، مع إحداث لجنة حكومية يرأسها شخصيا، وأخرى
من الجمعية لضبط مسار التوافق".
كذلك،
المحامية في هيئة الدار البيضاء، فاطمة الزهراء الإبراهيمي، بيّنت أنّ: "بيان
الجمعية لم يمنح تنازلا، ولم يُغلق باب التفاوض، بل أبقى أوراق القوة قائمة"،
مردفة: "التوجه نحو الإبقاء على المقاطعة كان قرارا يحافظ على ميزان
الضغط".
وفي منشور لها
على حسابها بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أضافت الإبراهيمي:
"الدعوة إلى العودة لتقديم الخدمات المهنية ابتداء من الإثنين تمثل إشارة حسن
نية تجاه رئيس الحكومة، ورسالة مفادها أن المحاماة تفاوض من موقع قوة لا من موقع
قطيعة".
وختمت منشورها بالقول إنّ: "التجربة القريبة علمتنا أن الثقة لا تُبنى
بالنوايا، بل بالضمانات المكتوبة. فالمعركة اليوم ليست معركة بيانات، بل معركة
نصوص دقيقة، من يملك القرار؟ ما حدود تدخل السلطة التنفيذية؟ كيف تُصان
الاستقلالية فعلياً داخل البنية التنظيمية المقترحة؟".
اظهار أخبار متعلقة
كما رصدت
"عربي21" خلال متابعتها لتطورات الأزمة بروز تساؤلات حول طبيعة العلاقة
بين الدولة والمهن المنظمة ذاتيا. فالدستور المغربي ينص على استقلال السلطة
القضائية ويعتبر الدفاع جزءا أصيلا من منظومة العدالة، غير أن تنظيم مهنة المحاماة
يتم عبر قانون تبادر به الحكومة ويصادق عليه البرلمان. وهو ما يخلق منطقة يصعب
تحديد حدودها: كيف يتم التوازن بين حق الدولة في سن القوانين وضبط المهن وحق هذه
المهن في الحفاظ على استقلالها الوظيفي والتنظيمي؟.
وبينما عادت
الجلسات إلى نسقها المعتاد، يوم الاثنين 16 شباط/ فبراير الجاري، وعاد المحامون
إلى قاعات المرافعة، ظلّت الأسئلة مطروحة. فيما لم تكن أزمة مشروع قانون المحاماة
مجرد خلاف حول مواد قانونية فقط، بل اختبارا لمدى قدرة الدولة المغربية والمهن
الدستورية على إدارة الإصلاح دون كسر الثقة؛ كما يبقى المتقاضي الطرف الأكثر
هشاشة، منتظرا أن تُدار الخلافات بعيدا عن حقه في عدالة مستقرة.