دبي في الصدارة.. دراسة تكشف تحول أموال النخب الإفريقية إلى ملاذات آسيوية

أكسفورد: دبي “محور تهريب الذهب” و95% من تجارة الذهب غير القانونية تمر عبرها - جيتي
أكسفورد: دبي “محور تهريب الذهب” و95% من تجارة الذهب غير القانونية تمر عبرها - جيتي
شارك الخبر
أفادت دراسة حديثة صادرة عن جامعة أكسفورد بأن النخب الإفريقية والشركات في القارة باتت تتجه بصورة متزايدة إلى مراكز مالية آسيوية، أبرزها دبي وسنغافورة وهونغ كونغ، وذلك مع تشديد القيود التنظيمية والرقابية في ملاذات مالية تقليدية مثل سويسرا.

وقالت الدراسة إن هروب رؤوس الأموال يلحق خسائر جسيمة بالاقتصادات الإفريقية، إذ تشير أرقام الأمم المتحدة التي استندت إليها الورقة البحثية إلى أن إفريقيا “تنزف” أكثر من 88 مليار دولار سنويا نتيجة هذه التدفقات المالية إلى الخارج.

ووصفت الورقة المراكز الثلاثة بأنها أصبحت من بين “أسرع الروابط العابرة للحدود نموا وأكثرها أهمية لإفريقيا”، في سياق تحوّل تدريجي لوجهة الأموال بعيدا عن الغرب نحو آسيا.

وبحسب الدراسة، فهي عبارة عن “ورقة عمل” لم تخضع بعد لمراجعة علمية محكمة، وأعدها الباحث ريكاردو سواريس دي أوليفيرا، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية (سيانس بو) وزميل بحثي أول في جامعة أكسفورد.

وقال دي أوليفيرا في تصريح لـالاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) إن بحثه “جاء مدفوعا بحقيقة أن الروابط الإفريقية مع المراكز المالية الآسيوية زادت بشكل هائل خلال العقد الأخير، في حين أن الدراسات التي تتناول هذه الديناميكية لا تزال قليلة”.

وأضاف: “بينما أصبحت بعض المراكز المالية أكثر تشددا وتنظيما وأقل إتاحة للتدفقات الإفريقية، ظهرت مراكز أخرى لتحل محلها”، مشددا على أنه “لا يوجد نقص في العرض لتلبية الطلب، ولا سبب للاعتقاد بأن إخفاء الأموال في الخارج أصبح أكثر صعوبة”.

دبي: روابط مالية.. وغسل أموال

ووفق التقرير، تبرز دبي باعتبارها المركز الأكثر ارتباطا بإفريقيا، ليس فقط بسبب وجود شركات إماراتية كبرى تعمل داخل القارة، بل أيضا بسبب دور الإمارة في التدفقات المالية غير المشروعة وعمليات غسل الأموال المرتبطة بالسلع.

وأشار التقرير إلى أن دبي أصبحت رابع أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا. وذكر أن قرب دبي الجغرافي من إفريقيا، وشبكة الرحلات الجوية الواسعة، والبنية التحتية المتقدمة، إلى جانب صورتها “البراقة”، جعلتها وجهة مفضلة للأثرياء الأفارقة. كما لفتت الدراسة إلى أن الإمارة “استقطبت أصحاب الثروات الكبيرة” عبر حوافز ضريبية وتنظيمات “خفيفة” وبيئة توفر قدرا كبيرا من السرية المالية.

اظهار أخبار متعلقة


“محور تهريب الذهب

وسلطت الدراسة الضوء على تصاعد دور دبي كمركز لغسل الأموال والتدفقات غير المشروعة، وهو ما قالت إنه ظهر بوضوح في تسريبات كبرى مثل وثائق بنما (Panama Papers) وتحقيقات أخرى أجراها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.

وأضافت أن تحقيق “أسرار سوازي (Swazi Secrets)” الذي نشره ICIJ كشف أن جزءا كبيرا من هذه الأموال يتم غسله عبر الذهب.

وبحسب الدراسة، تحولت دبي إلى “حلقة الوصل الأساسية في تهريب الذهب من إفريقيا”، مشيرة إلى أنها استحوذت على نحو 95% من تجارة الذهب غير القانونية القادمة من شرق ووسط إفريقيا عام 2020.
وأوضحت أن الذهب غير المشروع “يصهر داخل دبي مع ذهب آخر”، ثم يعاد شحنه إلى الأسواق الدولية.

ملاذ للنخب المتهمة بالفساد

كما وصفت الدراسة دبي بأنها “ملاذ معروف للنخب الفاسدة وأصولها”، لافتة إلى أن الإمارة تتهم أيضا بعدم التعاون بشكل كاف مع الجهات الشرطية الدولية.

ونقل التقرير قولا مفاده إن “الأثرياء وأصحاب النفوذ إذا كانوا مقيمين هناك، فمن شبه المؤكد أنهم سيفلتون من الملاحقة القانونية في بلدانهم”.

وقدمت الورقة أمثلة على ذلك، منها إيزابيل دوس سانتوس، ابنة رئيس أنغولا السابق، التي ما تزال ـ وفق التقرير ـ تتجنب السلطات الأنغولية، وكذلك الإخوة غوبتا المطلوبون في جنوب إفريقيا في قضايا فساد واسعة النطاق، والذين “لا يزالون في مأمن” في دبي رغم مساعي بريتوريا لتسليمهم.

وذكرت الدراسة أن أحد أبرز المؤشرات على تصاعد أهمية دبي بالنسبة للنخب الإفريقية يتمثل في الطفرة العقارية، إذ ارتفعت الاستثمارات الإفريقية في عقارات دبي “بأكثر من أربعة أضعاف” بين عامي 2013 و2018.

القائمة الرمادية.. ثم الإزالة في 2024

وفي سياق الضغوط الدولية، أشارت الورقة إلى أن مجموعة العمل المالي (FATF)، وهي هيئة عالمية لمكافحة غسل الأموال، أدرجت دبي على “القائمة الرمادية” للدول الخاضعة لمراقبة مشددة بسبب أوجه قصور في أنظمة مكافحة غسل الأموال.

لكنها أزيلت من القائمة عام 2024، في خطوة قالت الدراسة إن بعض المراقبين اعتبروها مرتبطة بحسابات سياسية وجيوسياسية.

ونقلت الورقة عن موقع بوليتيكو قوله إن “مجموعة من الدول الأوروبية التي كانت تدعم في البداية معاقبة الإمارات، بدأت العام الماضي تدفع باتجاه إخراجها من القائمة الرمادية”، بالتزامن مع محاولات أوروبية للحصول على دعم طاقي من الخليج بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022.

اظهار أخبار متعلقة


سنغافورة وهونغ كونغ

وفيما اعتبرت الدراسة أن سنغافورة وهونغ كونغ أقل شعبية من دبي كوجهة للعيش بالنسبة للنخب الإفريقية، فإنها أكدت أن المركزين باتا أكثر أهمية في اقتصاد “الأوفشور” الإفريقي، ويقدمان بيئة مشابهة من حيث “التنظيم المتساهل، وحماية الأصول، والسرية، والإعفاءات الضريبية”.

وقالت الورقة إن توسع المصالح الصينية في إفريقيا جعل هونغ كونغ تتحول إلى “محطة عبور” نحو السوق الإفريقية، موضحة أنها توفر “وصولا مميزا إلى الصين القارية”، وسهولة ممارسة الأعمال، وتنظيما منخفضا، إلى جانب نظام قانوني قائم على القانون العام يمنحها مصداقية إضافية.

وأضافت الدراسة أن شركات صينية عديدة تعمل في إفريقيا، خاصة في القطاعات الاستخراجية المعروفة بارتفاع مخاطر الفساد، تعتمد على ترتيبات شركات “غامضة” ومعاملات مالية تتم في هونغ كونغ، بما يفتح المجال أمام التهرب الضريبي وغسل الأموال.

كما أشارت إلى أن البيئة التجارية السرية في هونغ كونغ تجعلها وجهة مفضلة لإخفاء الأصول غير المشروعة للنخب الإفريقية أو استخدامها كقناة لمعاملات مشبوهة.

وثائق بنما

وأوضحت الدراسة أن تسريبات كبرى مثل وثائق بنما كشفت الدور المحوري لهونغ كونغ في عالم الأوفشور، مشيرة إلى أن “أكثر مكاتب شركة موساك فونسيكا نشاطا” كانت تقع في هونغ كونغ والصين.

لكن التقرير تحدث أيضا عن تحول حديث يتمثل في تراجع بعض الشركات الغربية عن هونغ كونغ بسبب تباطؤ النمو الصيني، والتشدد السياسي لبكين، والقيود المفروضة على الشركات الأجنبية.

ووفق الدراسة، فإن هذا الانسحاب يصب في مصلحة مراكز أوفشور أخرى مثل سنغافورة. وذكرت الورقة أن تسريبات “أوفشور ليكس (Offshore Leaks)” أبرزت دور شركات مقرها سنغافورة، مثل Portcullis TrustNet وAsiaciti Trust، في إنشاء شركات وهمية وبناء هياكل مالية معقدة لإخفاء الأصول وإخفاء المالك الحقيقي.

وبحسب التقرير، استعانت نخب إفريقية بارزة بخدمات هذه الشركات للاستفادة من قوانين السرية في سنغافورة، ومن بينهم ـ كما أظهرت “وثائق باندورا (Pandora Papers)” ـ رجل التعدين الزيمبابوي بيلي راوتنباخ الذي كان خاضعا للعقوبات آنذاك، وكذلك السياسي النيجيري أبوبكر أتيكو باغودو المتهم بالتواطؤ في نهب واسع لثروات بلاده.

اظهار أخبار متعلقة


“لا نظام جديد بالكامل”

وقالت الدراسة إن صعود هذه المراكز الآسيوية جاء بعد تشديد الرقابة المالية في الاقتصادات الغربية عقب أزمة 2008. وبينما تستمر إفريقيا في خسارة مليارات الدولارات، ترى الورقة أن حكومات إفريقية عدة تتعامل بـ”تردد” مع مواجهة المشكلة.

ونقل التقرير عن دي أوليفيرا قوله إن لهذا التردد “أسبابا كثيرة”، لكن أحد أبرزها هو “وجود مصالح راسخة لدى أولئك الذين يستفيدون شخصيا من استراتيجيات الأوفشور”.

وأضافت الدراسة أنه رغم التحول نحو آسيا، فإن الشركات الغربية والولايات القضائية الغربية لا تزال لاعبا مركزيا في صناعة الأوفشور، مؤكدة أن المنظومة “متشابكة بالكامل”، وأن المراكز الغربية والآسيوية تعمل “بطرق متشابهة بشكل لافت”، فيما تظل الشركات الغربية الكبرى شريكا أساسيا في أسواق الأوفشور الآسيوية.

ورغم النظر إلى هذا التحول باعتباره “ترتيبا تجاريا جديدا بعد الغرب” غير مقيد بخطاب “الحوكمة الجيدة”، خلصت الورقة إلى أن هذه الاتجاهات لا تعني قيام نظام أوفشور منفصل ومنافس بالكامل، بل تمثل “توسعاً وتنويعاً لشبكة أوفشور عالمية قائمة بالفعل”.

وشدد دي أوليفيرا في ختام حديثه على أن الإصلاحات الرامية إلى كبح التدفقات المالية غير المشروعة “يجب أن تكون عالمية حقا”.

وقال: “إذا لم تكن كذلك، فإن التشديد في بعض الولايات القضائية ينقل الأعمال فقط إلى ولايات أخرى أكثر تساهلا”، مضيفا: “إذا أصبحت بلدانهم الأصلية أكثر تشددا، فإن مقدمي الخدمات الغربيين يسعدون بملاحقة الأعمال وتوسيع وجودهم في المواقع الجديدة”.
التعليقات (0)