تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في
السودان مقطع فيديو مؤثرا لقائد طائرة تابعة لشركة “سودانير” كانت متجهة إلى العاصمة الخرطوم، ظهر فيه وهو يخاطب الركاب بنبرة عاطفية قبل أن ينهار بالبكاء، في مشهد أثار تعاطفا واسعا.
وخاطب قائد الطائرة المسافرين بإحساس وطني قائلا: “عائدون إلى خرطوم الجمال والمحبة والصمود”، في وقت لا تزال فيه البلاد تعيش تداعيات الحرب الداخلية التي دفعت الملايين إلى النزوح واللجوء خارج السودان.
ويأتي انتشار هذا المقطع بالتزامن مع تصاعد شكاوى منظمات وكيانات مدنية سودانية بشأن ما تصفه بـ”
الترحيل القسري والانتهاكات” التي يتعرض لها
لاجئون سودانيون في
مصر، وسط تزايد وقائع التوقيف والاحتجاز داخل أقسام الشرطة، حتى لمن يحملون وثائق صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
مذكرة قانونية إلى الأمم المتحدة
وفي هذا السياق، تقدم 12 كيانا مدنيا بمذكرة قانونية عاجلة تتعلق بالترحيل القسري والانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون السودانيون في جمهورية مصر العربية، ووجهت إلى الأمين العام للأمم المتحدة، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومنظمة الهجرة الدولية، ووزارة الخارجية المصرية، وجهات أخرى.
وأكدت المذكرة المشتركة، التي شارك فيها كيانات من بينها “تجمع السودانيين في الخارج” و”تحالف قوى التغيير الجذري”، أن ما يجري في مصر يتمثل في مداهمات ومطاردات وترحيل قسري خارج أي إطار قضائي مكتمل الأركان، إضافة إلى توقيفات واعتقالات أمنية جماعية تعسفية، واحتجازات مطوّلة دون توجيه تهم أو تمكين من الدفاع، وحرمان المحتجزين من الحق في الوصول إلى محام أو ممثل قانوني، أو حتى التواصل مع أسرهم في كثير من الأحيان.
وتزامن ذلك مع تسليط الضوء على وفاة المواطن السوداني مبارك قمر الدين أبو حوة، البالغ من العمر 67 عاما، داخل قسم شرطة الشروق في بداية شباط/فبراير الجاري، حيث جرى احتجازه رغم أنه لم يكن مخالفا لقوانين الإقامة، بل كان يحمل بطاقة مفوضية سارية تم تجديدها في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وفاة لاجئ سوداني داخل قسم شرطة
وبحسب صفحة “الجالية السودانية في مصر”، التي يتابعها عشرات الآلاف وتنشر أخبار الجالية، فقد أوقفت الشرطة الرجل المُسن بعد شرائه الخبز من مخبز بجوار مسكنه. وأوضحت الصفحة أن قمر الدين كان يعاني من أمراض السكري وقصور الكلى، وأن أسرته نجحت في إدخال أدويته إلى القسم، كما سعت السفارة السودانية في إجراءات إخلاء سبيله، قبل أن يلقى حتفه متأثرا بنوبة سكر، بعد تسعة أيام قضاها محتجزا داخل القسم.
وذكرت المعلومات أن قمر الدين كان يحمل صفة لاجئ ومعه بطاقة من مفوضية الأمم المتحدة للاجئين تؤكد هذه الصفة، لكنه لم يكن يحمل إقامة لجوء سارية تصدر عن إدارة الجوازات والهجرة بوزارة الداخلية المصرية، بل حمل إيصالا يفيد بأن موعد مقابلته القادمة في الجوازات لتجديد الإقامة سيكون في 2 أيلول/سبتمبر 2027.
وتقول شهادات من مجموعات لاجئين إلى جانب رصد حقوقيين، إضافة إلى تصريح من مصدر أمني، إن قصة قمر الدين ليست استثناء، بل واحدة من قصص عشرات اللاجئين في مصر الذين تعرضوا للتوقيف والحبس والترحيل القسري بوتيرة متزايدة في الفترة الأخيرة، على اختلاف أوضاعهم القانونية.
اظهار أخبار متعلقة
وفي شهادة نقلت عن لاجئ سوداني يدعى نصر الدين، يبلغ 50 عاما، وصل إلى مصر عام 2016، قال: “إحنا مش قادرين نتحرك. الناس كلها بيتقبض عليها سواء معاها ورق أو معندهاش. ناس كتير أعرفهم اتقبض عليهم، وفيه حالة رعب عامة. في ناس بقت تخاف تنزل من البيت تشتري حاجتها حتى، والميكروباصات بتاعة الشرطة دايمًا بتلف في الشوارع”.
كما روى أحمد، وهو لاجئ سوداني عمل سابقا في التواصل المجتمعي مع اللاجئين السودانيين في مشروعات “مركز خدمات التنمية”، واقعة مشابهة لما تعرض له قمر الدين وانتهت بالترحيل، إذ قال إن الشرطة ألقت القبض منذ ثلاثة أسابيع على لاجئ سوداني من مكان عمله بمنطقة أرض اللواء بالجيزة لأنه لا يحمل أوراقا ثبوتية.
وأضاف أحمد أن أسرة اللاجئ سارعت بإحضار بطاقة لجوئه السارية من المفوضية، إضافة إلى ما يثبت أن لديه موعدا لتجديد الإقامة في إدارة الجوازات، إلا أن القسم كان قد حرر له محضرا بالفعل يتهمه بعدم حمل أوراق هوية.
ووفق الشهادة، عانى اللاجئ خلال احتجازه لأسابيع بسبب مرضه، ما دفع القسم إلى استدعاء أسرته أكثر من مرة لإدخال الأدوية له، قبل أن يأتي قرار بترحيله رغم بطاقة المفوضية السارية.
ومع صدور قرار الترحيل والحالة الصحية السيئة للاجئ في محبسه، اضطرت أسرته، بحسب الشهادة، إلى التوجه إلى وسيط قام بتسريع إنهاء إجراءات الترحيل في السفارة السودانية وإدارة الجوازات، وشراء تذكرة العودة إلى السودان، وهي العملية التي تكلفت نحو 13 ألف جنيه، وتم ترحيله إلى السودان بالفعل.
مطالبات بوقف الحملات والإفراج عن المحتجزين
وحذرت المذكرة القانونية التي تقدمت بها الكيانات المدنية من أن هذه الإجراءات تسببت في آثار وصفتها بـ”الكارثية”، تمثلت في تفكك الأسر وضياع الأطفال وانقطاع سبل العيش وخسائر مادية جسيمة نتيجة مصادرة أو ضياع الممتلكات والوثائق، إلى جانب صدمات نفسية عميقة، خاصة بين الأطفال والنساء والناجين من العنف وويلات الحرب، فضلا عن انعدام الإحساس بالأمان القانوني وانتشار الخوف وعدم الاستقرار النفسي والاجتماعي.
وأكدت المذكرة أن هذه الوقائع تشكل انتهاكا مباشرا وصريحا لالتزامات الحكومة المصرية الدولية، مشددة على أن هذه الانتهاكات لا يمكن تبريرها بدواع أمنية عامة أو اعتبارات إدارية، إذ يلزم القانون الدولي بمعالجة أي مخالفة عبر المساءلة القضائية الفردية لا من خلال التدابير الجماعية أو الاستثنائية، ويحظر بشكل قاطع أي إجراء يؤدي مباشرة أو غير مباشرة إلى الإعادة القسرية أو تعريض الأشخاص لخطر جسيم.
اظهار أخبار متعلقة
وطالبت المذكرة بالوقف الفوري للحملات الأمنية وجميع أشكال الترحيل القسري أو الإبعاد خارج الإطار القضائي، والإفراج عن المحتجزين تعسفيا أو عرضهم فورا على القضاء المختص مع ضمان حقهم في الدفاع وتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة.
كما شددت على الالتزام الصارم بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وعدم تنفيذ أي إبعاد إلا بموجب قرار قضائي نهائي وبعد استنفاذ سبل الطعن القانونية، وضمان الحق في الوصول إلى محامٍ والمساعدة القانونية، والإخطار بأسباب التوقيف بلغة مفهومة.
ودعت كذلك إلى تمكين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية من الوصول غير المقيد إلى أماكن الاحتجاز والترحيل، وضمان الرقابة الكاملة على أماكن وظروف الاحتجاز، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في الوقائع المبلغ عنها، ومساءلة كل من يثبت تورطه في أي انتهاكات، إلى جانب دعم برامج التوعية القانونية للاجئين بشأن حقوقهم وواجباتهم، بما في ذلك احترام قوانين البلد المضيف.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب الداخلية في السودان، التي تسببت في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر وفق إحصاءات رسمية.