قال موقع
كونفرسيشن، إنه ولأكثر من 80 عاما،
كان يعتقد أن هرمون
التستوستيرون يساعد على نمو سرطان
البروستاتا. لكن صورة مختلفة
تماما ظهرت خلال العقدين الماضيين.
البروستاتا غدة صغيرة تقع أسفل المثانة مباشرة.
وظيفتها إنتاج السائل الذي يساعد على نقل الحيوانات المنوية، وتعتمد بشكل كبير على
هرمون التستوستيرون للقيام بذلك، وتعد البروستاتا من أكثر أعضاء الجسم تأثرا
بهرمون التستوستيرون.
وقال أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة شيفيلد
هالام، دانيال كيلي، "تحتوي جميع خلايا البروستاتا، سواء كانت سليمة أو
سرطانية، على مستقبلات الأندروجين. هذه المستقبلات هي المفاتيح الجزيئية التي تفعل
عمل هرمون التستوستيرون داخل الخلايا. عندما يرتبط هرمون التستوستيرون بهذه
المستقبلات، فإنه يساعد البروستاتا على النمو والعمل بشكل طبيعي".
اظهار أخبار متعلقة
ويعد هذا التحكم الهرموني الدقيق بالغ الأهمية،
ولكنه يرسي أيضا أحد أكثر الافتراضات رسوخا في مجال صحة الرجال: بما أن هرمون
التستوستيرون يحفز نمو البروستاتا الطبيعي، فلا بد أنه يحفز نمو السرطان أيضا.
استند هذا الاعتقاد إلى حد كبير على بحث تشارلز
هيغنز الحائز على جائزة نوبل في أربعينيات القرن الماضي. فقد وجد أن سرطان
البروستاتا يتقلص عند خفض مستويات التستوستيرون، ويتسارع عند إضافة التستوستيرون
عن طريق الحقن.
أصبح خفض مستويات التستوستيرون، المعروف باسم
العلاج بحرمان الأندروجين، العلاج القياسي لسرطان البروستاتا المتقدم، ولا يزال
كذلك. غالبا ما يؤدي إزالة التستوستيرون إلى تقليص الأورام، وإبطاء تطور المرض،
وتحسين فرص البقاء على قيد الحياة.
ترسخ هذا الاعتقاد في الممارسة الطبية، مشكلا
عقودا من الحذر بشأن العلاج التعويضي بالتستوستيرون لقصور الغدد التناسلية (نقص
التستوستيرون) بسبب المخاوف من أنه قد يحفز أو يسرع من الإصابة بسرطان البروستاتا.
تغيير السرد
في أوائل التسعينيات، بدأ أبراهام مورغنتالر،
طبيب المسالك البولية بجامعة هارفارد ورائد العلاج بالتستوستيرون، في دحض هذا
الرأي. وأشار إلى أن بعض الأبحاث المبكرة اعتمدت بشكل كبير على استجابة مريض واحد
فقط.
في عيادته، لاحظ أن الرجال الذين يعانون من
انخفاض حاد في مستوى التستوستيرون يصابون بسرطان البروستاتا، الذي غالبا ما يكون
أكثر شراسة، بينما لم يظهر الرجال الذين يتلقون العلاج بالتستوستيرون الارتفاع
المتوقع في معدلات الإصابة بالسرطان.
أدى ذلك إلى اقتراح "نموذج التشبع"،
الذي يشير إلى أن أنسجة البروستاتا حساسة للتستوستيرون فقط عند مستويات منخفضة
جدا. وبمجرد تشبع مستقبلات الأندروجين، يصبح تأثير التستوستيرون الإضافي ضئيلا.
في الوقت نفسه، أظهرت الدراسات أن انخفاض مستوى
التستوستيرون المزمن يرتبط بسرطان البروستاتا الأكثر شراسة، مما يشكك في فكرة أن
انخفاض مستوى التستوستيرون يعد وقائيا بطبيعته.
تظهر الدراسات الطبية الحديثة الآن أن العلاج
بالتستوستيرون آمن. أظهرت دراسات متعددة عالية الجودة أن العلاج بالتستوستيرون لدى
الرجال ذوي مستويات التستوستيرون المنخفضة لا يزيد من خطر الإصابة بسرطان
البروستاتا مقارنة بالرجال الذين لم يتلقوا العلاج. بل تشير أبحاث جديدة طويلة
الأمد إلى أن الرجال الذين يتم استعادة مستويات التستوستيرون لديهم بشكل صحيح
ومراقبتها من قبل الأطباء قد يكون لديهم معدلات إصابة أقل بالسرطان.
لكن ماذا عن الرجال المصابين بسرطان
البروستاتا؟ هنا يكمن الالتباس في كثير من الأحيان. فبالنسبة للرجال المصابين
بسرطان البروستاتا النشط، وخاصة في مراحله المبكرة، يظل خفض مستوى هرمون
التستوستيرون علاجا فعالا. فكيف يمكن أن يوجد هذا التناقض مع وجود أدلة تشير إلى
أن مستويات التستوستيرون الطبيعية غير ضارة؟
يكمن الجواب في كيفية تفاعل خلايا البروستاتا
مع كميات التستوستيرون المختلفة. فعندما تكون مستويات التستوستيرون منخفضة جدا،
تستطيع الخلايا السرطانية التكيف من خلال إيجاد طرق جديدة للنمو والبقاء. وتصبح
شديدة الحساسية لأي إشارات تستوستيرون يمكنها رصدها.
لهذا السبب، يصاب العديد من الرجال في نهاية
المطاف بسرطان البروستاتا المقاوم للعلاج الهرموني، حيث يتطور المرض وقد يصبح أكثر
شراسة على الرغم من انخفاض مستوى التستوستيرون إلى ما يقارب الصفر. وقد تدفع
المستويات المرتفعة من التستوستيرون هذه الخلايا السرطانية إلى حالة نمو أبطأ وأكثر
استقرارا، وفي بعض الحالات، قد تزعزع استقرارها، مما يحفز موتها.
انقلابٌ مذهل
أدى هذا الاكتشاف إلى تغييرٍ مفاجئ في العلاج.
في حالات مختارة بعناية من المرضى الذين يخضعون لمراقبة دقيقة من قبل الأطباء، يعاد
الآن إعطاء هرمون التستوستيرون بعد علاج سرطان البروستاتا دون زيادة احتمالية عودة
السرطان.
والأكثر إثارة للدهشة، أن الأطباء يختبرون نهجا
جديدا لدى بعض الرجال المصابين بسرطان البروستاتا يسمى العلاج الأندروجيني ثنائي
القطب، والذي يغير مستويات التستوستيرون بين مستويات منخفضة جدا وعالية جدا. وتقوم
الفكرة على استخدام التستوستيرون نفسه كسلاح لتضليل وقتل الخلايا السرطانية التي
تعلمت البقاء على قيد الحياة بدونه.
يعد هذا أحد أبرز التحولات في علاج السرطان
الحديث. فقد تحول التستوستيرون من كونه عدوا يخشى أن يشعل سرطان البروستاتا، إلى
هرمون ذي تأثيرات أكثر تعقيدا مما كان يعتقد سابقا، بل وحتى حليف محتمل في مكافحة
سرطان البروستاتا.
وأخيرا، وصل هذا التطور إلى الممارسة الطبية
وتنظيم الأدوية. ففي 10 كانون الأول/ ديسمبر، بعد شهر واحد فقط من إعلان إدارة
الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) إزالة التحذيرات المغلفة بـ"الصندوق الأسود" من منتجات
الإستروجين، شكلت الإدارة لجنة من الخبراء للنظر فيما إذا كانت التحذيرات القديمة
المتعلقة باستخدام التستوستيرون قديمة بالمثل. يدور جزء كبير من هذه النقاشات حول
سلامة البروستاتا، مما يعكس مدى تطور الأدلة العلمية.
لا يعني هذا أن العلاج التعويضي بالتستوستيرون
- للرجال الذين يعانون من انخفاض مستويات التستوستيرون - خالٍ تماما من المخاطر.
يجب على الرجال الذين يبدأون العلاج الخضوع لفحوصات طبية دقيقة، ومراقبة
البروستاتا بانتظام، واتخاذ القرارات بعد استشارة الطبيب.
لكن العلم قد تغير، ولم يعد الاعتقاد القديم
بأن العلاج بالتستوستيرون يزيد من خطر الإصابة بسرطان البروستاتا أو يفاقمه مدعوما
بالأبحاث الحديثة.
بالنسبة للرجال الذين يعانون بالفعل من انخفاض
التستوستيرون، يعد هذا التغيير مهما. فهو يزيل العقبات غير الضرورية أمام الحصول
على الرعاية، ويوفر لهم خيارات علاجية أكثر أمانا ومدعومة علميا، مما يساهم في
تحسين صحة الرجال بشكل عام.