كتاب عربي 21

العدوان الصهيوني إذ يكرس عولمةَ الحرب ويضاعف من كُلفها على اليمن

ياسين التميمي
"اختراقات تقنية سمحت بسيطرة عملياتية على منظومة الاتصالات الهاتفية الأرضية والتحكم بحركة بعض القيادات"- إكس
"اختراقات تقنية سمحت بسيطرة عملياتية على منظومة الاتصالات الهاتفية الأرضية والتحكم بحركة بعض القيادات"- إكس
شيئا فشيئا تتحول الضربات العسكرية التي ينفذها الكيان الصهيوني على العاصمة صنعاء ومناطق أخرى من البلاد؛ إلى عملية روتينية لا تثير حفيظة أحد، وتُكسب هذا العدو فوق ذلك خبرة متزايدة في إدراك الأهداف العسكرية على الساحة اليمنية، حتى وإن كانت تخص طرفا يمنيا منبوذا، والأهم أنها تُقَزٍّم الهيمنة المفترضة للرياض على هذه الساحة، وتكرس عولمةَ الحرب وتعدد أطرافها وارتفاع الكلفة التي يدفعها اليمنيون جراء تورط أطراف دولية على رأسها أمريكا في استباحة هذا البلد.

المعطيات تشير إلى أن الضربة الجوية الصهيونية التي تعرضت لها صنعاء الخميس الماضي وأودت برأس حكومة الأمر الواقع وعدد من وزرائه؛ اعتمدت على اختراقات تقنية سمحت بسيطرة عملياتية على منظومة الاتصالات الهاتفية الأرضية والتحكم بحركة بعض القيادات ودعوتها إلى اجتماع، في حين كانت الطائرات تتهيأ للقصف، وهو منهج من المتوقع أن يزداد رسوخا في المقاربة الصهيونية مع جماعة الحوثي.

دفع اليمنيون، خلال أكثر من عقد من زمن الحرب، أثمانا باهظة جراء سطوة الأطراف الخارجية والداخلية على القرار السيادي: السياسي والعسكري والاقتصادي، وتوزعت ولاءات وتبعية فرقاء الحرب على أطرافٍ إقليمية

دفع اليمنيون، خلال أكثر من عقد من زمن الحرب، أثمانا باهظة جراء سطوة الأطراف الخارجية والداخلية على القرار السيادي: السياسي والعسكري والاقتصادي، وتوزعت ولاءات وتبعية فرقاء الحرب على أطرافٍ إقليمية، من بينها إيران التي نجحت نجاحا باهرا في تعظيم حصتها الجيوسياسية في الساحة اليمنية، أكثر من أي طرف آخر، واستثمرتها على الفور في تحقيق انتصارات مشهودة في معركة النفوذ الإقليمي، وفي تعزيز موقفها العسكري والاستراتيجي الذي سمح لها بفك عزلتها الإقليمية والدولية؛ عبر فرض تفاهمات سياسية مع المملكة العربية السعودية التي كانت قد نجحت أول أيام الحرب في إغلاق المجال اليمني أمام إيران.

أما اليوم فإن المملكة العربية السعودية تواجه خيار فقدان الهيمنة التقليدية على ما عُرِفَ لعقودٍ مضتْ بأنه "الحديقة الخلفية". وهذا الخيار تكرَّسَ بتأثير الدور الأمريكي المتزايد في الملف اليمني، وفي عملية الانتقال السياسي، بعد أن كان دورها محصورا في الحرب على ما سمي بـ"الإرهاب". إذ نزع الأمريكيون بوضوح نحو تمكين جماعة الحوثي والتغطية على انقلابها والتضحية بالانتقال السياسي الناجح في اليمن، والتحكم الكامل بمسار المعركة العسكرية وبحدود القوة الخشنة للقوة الجوية السعودية والتحالف، وبناء شراكة أمنية خطيرة مع الإماراتيين على هامش الحرب؛ حولت الجزء الأكثر تأثيرا من التدخل العسكري للتحالف نحو استهداف السلطة الشرعية ومعسكرها ونفوذها السياسي.

وبفعل طوفان الأقصى الذي لا يمكن وصفه بأكثر من هذا التوصيف المكثف والبليغ، والتحولات السياسية الداخلية في واشنطن، تغيرت المقاربة الأمريكية تجاه جماعة الحوثي، فتحولت إلى جزء أصيل في "الحرب العشوائية" التي يتعرض لها اليمن، بالنظر إلى دوافعها التي تأخذ منحى انتقاميا دون وجود أية رغبة واضحة في إعادة الأمور إلى نصابها في اليمن، استئناسا بالإجماع الدولي تجاه السلطة الشرعية الدولية وسيادة اليمن ووحدته، ورفض الانقلاب، والإصرار على إنجاز استحقاقات العملية السياسية، وإنهاء تأثير السلاح الانقلابي.

ومن منظور استراتيجي، لا يمكن النظر إلى الضربات العسكرية الأمريكية ومن بعدها الإسرائيلية على أنها مجرد سياحة سياسية في جغرافيا قليلة الأهمية، بقدر ما هي تطور خطير يعزز فكرة الاستباحة متعددة الأطراف لليمن، التي قد تقود إلى بدائل ومقاربات لتقرير مصير بلدنا، وفق ما تتطلبه مصالح الأطراف الدولية وادعاءاتها بشأن المخاطر الآتية منه، وليس بناء على اعتبارات المصلحة العليا للشعب اليمني، و"الأمن القومي العربي" المهدور.

فعل طوفان الأقصى الذي لا يمكن وصفه بأكثر من هذا التوصيف المكثف والبليغ، والتحولات السياسية الداخلية في واشنطن، تغيرت المقاربة الأمريكية تجاه جماعة الحوثي، فتحولت إلى جزء أصيل في "الحرب العشوائية" التي يتعرض لها اليمن، بالنظر إلى دوافعها التي تأخذ منحى انتقاميا دون وجود أية رغبة واضحة في إعادة الأمور إلى نصابها في اليمن

وعلى الرغم من عدم وجود تغييرات جوهرية في الموقفين الصيني والروسي تجاه اليمن، يمكن أن يشكل تهديدا مباشرا للنفوذ السعودي، فإن الأمر يتم عبر الانخراط في عمليات سرية تشمل خليطا من التزويد الجزئي للحوثيين بتقنيات تسليحية واتصالية، عبر شبكة تشرف عليها إيران، بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي الذي يسمح لكل من الصين وروسيا باستغلال الاشتباك الأمريكي والإسرائيلي مع الحوثيين، في بناء خبرات معتبرة تجاه تكتيكات الحرب الأمريكية، وهو أمر يسهم لا شك في تعزيز المكانة الجيوسياسية للحوثيين؛ لا كقوة تابعة لإيران بل ككيان تتقاطع عنده ومعه مصالح القوى الإقليمية والدولية، ويدفع اليمن وحده الثمن مقابل الدور المستحدث للحوثيين في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

ومن هنا يمكن توضيح الأثر المدمر للنهج السلبي الاستعلائي الذي اعتمده التحالف بقيادة السعودية طيلة السنوات الماضية، تجاه السلطة الشرعية والشعب اليمني، إذ تصرَّفَ التحالف كقوة تدخل بلا أفق سياسي أو استراتيجي واضح، ولم يتصرف التحالف مع السلطة الشرعية كجزء منه بل كهدف مستباح من أهداف حربه في اليمن.

ومع ذلك، فإن الخيبات والنكبات لم تكن فقط من نصيب السلطة الشرعية ومؤيديها في اليمن، بل أيضا من نصيب التحالف، فقد ارتد تدخله العسكري إلى موقف دفاعي يائس أمام صواريخ ومسيرات إيرانية، نُقلتْ للحوثيين عبر جسر بحري وبري أمام أنظار القوات الأمريكية والغربية وبمباركتها الكاملة، لتُحدِثَ التّحولَ الكبير الذي دُشِّنَ باستهداف المنشآت النفطية من مصافي وخطوط نقل النفط في عمق المملكة وشرقها، وقواعد عسكرية ومطارات في جنوب المملكة وفي أبو ظبي، ترافق مع انسحاب أمريكي كامل عن تأمين التغطية من الدفاع الجوي في عهد أكثر الرؤساء حماسا لدولتي التحالف: السعودية والإمارات.

x.com/yaseentamimi68
التعليقات (0)