مقابلات

"رايتس ووتش" لـ"عربي21": نطالب بجهود دولية أكبر لمحاسبة مرتكبي الجرائم ضد الروهينغا

مديرة قسم آسيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش" أكدت أن العقوبات الغربية ضد جيش ميانمار لم تكن منسقة ولا كافية- عربي21
مديرة قسم آسيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش" أكدت أن العقوبات الغربية ضد جيش ميانمار لم تكن منسقة ولا كافية- عربي21
قالت مديرة قسم آسيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إيلين بيرسون، إن المجتمع الدولي مُطالب اليوم ببذل جهود أكبر وأكثر جدية من أجل محاسبة مرتكبي الجرائم المروّعة التي تعرّض لها مسلمو الروهينغا في ميانمار، مُشدّدة على أن غياب المساءلة خلال السنوات الماضية شكّل عاملا رئيسيا في استمرار الانتهاكات وتكرارها، وترك هذه الأقلية في مواجهة مخاطر جسيمة وواقع إنساني كارثي.

وأشارت بيرسون، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إلى أن "الجيش في ميانمار تجاهل بصورة شبه كاملة تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية التي وثّقت الانتهاكات الجسيمة بحقه، ولم يُبدِ أي استعداد جاد لمعالجة أسبابها أو محاسبة المسؤولين عنها".

وأكد أن "العقوبات الغربية المفروضة ضد جيش ميانمار لم تكن منسقة ولا كافية؛ إذ لم يُفرض حتى الآن حظر شامل على توريد الأسلحة إلى ميانمار، وهو ما أضعف من فعالية تلك العقوبات، ويزداد الأمر تعقيدا بسبب استمرار دعم دول كالصين وروسيا للجيش البورمي، الأمر الذي قلّل من أثر الضغوط الغربية وجعل قدرة العقوبات على تغيير سلوك النظام محدودة للغاية".

ولفتت مديرة قسم آسيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إلى أن "الروهينغا داخل ميانمار يعيشون وضعا كارثيا في ولاية أراكان، حيث فرضت الطغمة العسكرية وجيش أراكان قيودا على حرية تنقلهم، وتسبّبت في عرقلة وصول المساعدات في تفاقم أزمة الغذاء، فضلا عن المجازر الجماعية وعمليات الحرق والتجنيد القسري التي تعرّضوا لها منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2023".

يُشار إلى أنه في 25 آب/ أغسطس 2017، شنّت حكومة ميانمار وجيشها حملة عسكرية واسعة ضد أقلية الروهينغيا المسلمة في ولاية أراكان، وصفتها الأمم المتحدة بأنها تطهير عرقي وإبادة جماعية. أسفرت الحملة عن مقتل الآلاف، واغتصاب النساء، وحرق مئات القرى بالكامل، ما دفع أكثر من 700 ألف من الروهينغيا إلى الفرار نحو بنغلاديش طلبا للنجاة.

ومنذ ذلك الحين، يعيش مئات الآلاف من الروهينغيا في مخيمات مكتظة وظروف إنسانية بالغة القسوة، بلا هوية قانونية ولا حقوق مواطنة، بينما ما زالوا محرومين من العودة الآمنة إلى ديارهم. ومع حلول الذكرى الثامنة للمأساة، تظل قضيتهم واحدة من أطول الأزمات الإنسانية وأكثرها إهمالا على المستوى الدولي.

وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

كيف تصفون الوضع الراهن لحقوق الإنسان الخاصة بالمسلمين الروهينغا داخل ميانمار بعد ثماني سنوات من حملة التهجير الجماعي؟


فيما يتعلق بالوضع الحالي في ولاية أراكان، فإن الروهينغا هناك يعيشون وضعا كارثيا؛ فقد فرضت الطغمة العسكرية وجيش أراكان قيودا على حرية تنقل الروهينغا، كما أن عرقلة وصول المساعدات فاقمت من أزمة نقص الغذاء.

وهناك أيضا احتياجات صحية ملحّة، وقد تدهورت الأوضاع أكثر مع تصاعد حدة القتال؛ فمنذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 شهدنا الجيش الميانماري، ومؤخرا جيش أراكان، يرتكبون مجازر جماعية وعمليات حرق للمنازل، إضافة إلى التجنيد القسري في صفوف مجتمعات الروهينغا بولاية أراكان. وبالتالي، يظل الروهينغا الذين ما زالوا هناك عرضة لمخاطر جسيمة واضطهاد مستمر وخطير.

هل يمكن اعتبار الجرائم المرتكبة بحق الروهينغا إبادة جماعية وفقا للقانون الدولي؟

نعم، ما تعرّض له الروهينغا عام 2017 يرقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، بل ويُصنّف أيضا كأعمال إبادة جماعية ممنهجة، نظرا لكونها استهدفت جماعة بعينها بقصد اقتلاعها وطمس وجودها، وهو ما ينطبق بشكل واضح على التعريف الوارد في القانون الدولي.

ما أبرز الأدلة التي جمعتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" لإثبات مسؤولية الجيش البورمي عن التطهير العرقي الذي وقع عام 2017 وما تلاه؟

لقد أصدرنا سلسلة من التقارير استندت إلى عشرات المقابلات المباشرة مع الضحايا والشهود الناجين من الهجمات، حيث قدّموا روايات تفصيلية عن الانتهاكات التي تعرّضوا لها. كما اعتمدنا على صور الأقمار الصناعية التي أظهرت بشكل جلي تدمير مئات القرى الروهينغية وحرقها بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، قمنا بعملية تحقق رقمي دقيق للصور ومقاطع الفيديو التي التقطها المدنيون أو نشرت على المنصات المفتوحة، بما يعزز من مصداقية الشهادات. وإلى جانب ذلك، استعنا بمصادر محلية ودولية متعددة للتحقق من الوقائع ومطابقتها، وهو ما شكّل قاعدة قوية من الأدلة لإثبات مسؤولية الجيش البورمي عن الانتهاكات الواسعة التي ترقى إلى مستوى التطهير العرقي.

ما موقفكم من محاولات الإعادة القسرية للاجئي الروهينغا من بنغلاديش إلى ميانمار، رغم المخاطر الجسيمة التي تهدّد حياتهم؟

نحن نؤكد أن إجبار أي فرد من الروهينغا على العودة إلى ميانمار في الوقت الراهن أمر غير مقبول إطلاقا، نظرا لأن الظروف هناك ما تزال غير آمنة ولا تضمن لهم أي حماية. وعليه، يتعيّن على بنغلاديش أن تواصل السماح للاجئين بالبقاء داخل المخيمات، إلى أن تتحقق شروط العودة الطوعية والآمنة والكريمة، وهي شروط غير متوفرة حاليا.

إن العودة يجب أن تكون خيارا طوعيا يضمن للروهينغا أمنهم وحقوقهم الأساسية، لا عملية قسرية تضع حياتهم في خطر. وفي هذا السياق، يبرز مبدأ "عدم الإعادة القسرية" المنصوص عليه في القانون الدولي، والذي يعني ببساطة عدم إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب أو سوء المعاملة أو الاضطهاد. وبما أن هذه المخاطر قائمة بوضوح في ميانمار، فإن على بنغلاديش التزاما قانونيا وأخلاقيا باحترام هذا المبدأ، وعدم إعادة أي لاجئ قسرا إلى بلد يشكّل تهديدا وجوديا له.

كيف تقيّمون ردّ الحكومة العسكرية في ميانمار على التقارير الدولية التي توثق الانتهاكات؟

الجيش في ميانمار تجاهل بصورة شبه كاملة تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية التي وثّقت الانتهاكات الجسيمة بحقه، ولم يُبدِ أي استعداد جاد لمعالجة أسبابها أو محاسبة المسؤولين عنها.

هل نجحت الضغوط والعقوبات الغربية في إحداث أي تغيير فعلي في سلوك النظام البورمي تجاه الروهينغا؟

إن العقوبات المفروضة لم تكن منسقة ولا كافية ضد جيش ميانمار؛ إذ لم يُفرض حتى الآن حظر شامل على توريد الأسلحة إلى ميانمار، وهو ما أضعف من فعاليتها. ويزداد الأمر تعقيدا بسبب استمرار دعم دول كالصين وروسيا للجيش البورمي، الأمر الذي قلّل من أثر الضغوط الغربية وجعل قدرة العقوبات على تغيير سلوك النظام محدودة للغاية، ونحن نطالب الحكومات المؤثرة بتجاوز أخطائها السابقة واتخاذ تدابير قوية لوقف تدفق الأسلحة والعائدات التي تضمن استمرار جرائم الطغمة العسكرية.

ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الأمم المتحدة في حماية الروهينغا ومنع تكرار الجرائم التي وقعت عام 2017؟

ينبغي على الأمم المتحدة أن تضطلع بدور أكثر فاعلية لحماية الروهينغا ومنع تكرار الجرائم التي شهدناها في عام 2017، وهذا يتطلب أولا ضمان محاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات واسعة النطاق، من خلال الدفع باتجاه آليات عدالة دولية مستقلة. كما يجب على الأمم المتحدة أن تضمن إيصال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود إلى ولاية راخين (أراكان)، حيث يعيش المدنيون أوضاعا إنسانية كارثية تستدعي تدخلا عاجلا.

وفي الوقت نفسه، يتعيّن على الأمم المتحدة أيضا ممارسة ضغط مباشر على جيش ميانمار، وكذلك على جيش أراكان الذي يسيطر حاليا على أجزاء واسعة من الولاية، لحملهما على التحقيق الجاد في الانتهاكات ومحاسبة المتورطين فيها.

وهذا الدور يدخل بطبيعة الحال ضمن مسؤوليات مجلس الأمن الدولي، الذي أخفق حتى الآن في اتخاذ خطوات حاسمة، سواء عبر إحالة ملف ميانمار إلى المحكمة الجنائية الدولية أو من خلال فرض حظر شامل على توريد الأسلحة. وللأسف، فإن استمرار عرقلة الصين وروسيا لأي تحركات جدية في مجلس الأمن يمثّل عائقا أساسيا أمام محاسبة الجناة ووقف دوامة الانتهاكات. على بكين وموسكو أن تتوقفا عن عرقلة التحركات الدولية في مجلس الأمن بشأن ميانمار.

كيف ترون تعامل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية مع القضايا المرفوعة ضد حكومة وجيش ميانمار؟

فيما يخص مسار المساءلة القضائية الدولية، من المهم الإشارة إلى أن هناك خطوات جارية بالفعل، رغم بطئها الشديد. فمن الإيجابي أن قضية محكمة العدل الدولية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار تتقدّم، وقد حظيت بدعم متزايد من عدة حكومات. ومن المقرر عقد جلسة استماع هذا العام للنظر في الأسس الموضوعية للقضية، وهو تطور مهم من حيث المبدأ. غير أن هذا التقدّم يبقى بطيئا للغاية، فيما يستمر الإفلات من العقاب، حيث لا تزال الفظائع تُرتكب ضد الروهينغا، سواء على يد جيش ميانمار أو مؤخرا على يد جيش أراكان.

أما فيما يتعلق بالدعوى المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية، فقد كانت صلاحيات المحكمة محدودة نسبيا، إذ اقتصر نظرها على الانتهاكات المرتبطة ببنغلاديش، لكون ميانمار ليست طرفا في نظام روما الأساسي. ومع ذلك، شهدنا تطورات مهمة، أبرزها إعلان المحكمة عن طلب إصدار مذكرة اعتقال بحق القائد العسكري مين أونغ هلاينغ، مع التأكيد أن مذكرات أخرى قيد التحضير. وحتى الآن، لا يزال هذا الطلب قيد نظر قضاة المحكمة.

ومع ذلك، تبقى الإحالة الكاملة لملف ميانمار إلى المحكمة الجنائية الدولية شرطا أساسيا لضمان عدالة شاملة، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا عبر مجلس الأمن الدولي. وهنا تكمن المعضلة الكبرى، إذ لم يتمكّن المجلس حتى الآن من توسيع صلاحيات المحكمة أو اتخاذ خطوات ملموسة، بسبب التلويح المستمر باستخدام حق النقض (الفيتو) من قبل الصين وروسيا، مما عطّل أي تحرك جاد منذ طرح مشروع القرار في كانون الأول/ ديسمبر 2022. ومن ثمّ، يظل الضغط على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ضروريا لدفع مسار المساءلة قُدما، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، الأمر الذي يعدّ مخيبا للآمال.

وبالتالي، فإن تعامل المحكمتين، محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، يعكس مفارقة واضحة: تقدم قانوني بطيء يبعث على بعض الأمل، لكنه غير كافٍ لردع الجرائم أو وقفها ميدانيا، في ظل غياب إرادة سياسية دولية حقيقية لتفعيل أدوات المساءلة بفعالية أكبر.

هل ترون أن المجتمع الدولي قد قصّر في محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الروهينغا؟

أعتقد أنه لو كانت الحكومات جادة حقا في وقف دورة الانتهاكات والدمار والتهجير المستمرة، لكان ذلك استدعى جهودا دولية أكبر وأكثر جدية وفاعلية لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.

ما هي المسؤوليات القانونية للدول المجاورة لميانمار تجاه الروهينغا الفارين إلى أراضيها؟

فيما يتعلق بمسؤوليات الدول المجاورة، فإن دولا مثل بنغلاديش وتايلاند مُلزمة بالقانون الدولي العرفي، ولا سيما بمبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص قسرا إلى مكان قد يواجه فيه تهديدا لحياته أو خطر الاضطهاد أو التعذيب أو غيره من أشكال المعاملة السيئة. كما يجدر التذكير بأن اللاجئين الروهينغا في بنغلاديش أكدوا مرارا رغبتهم في العودة إلى ديارهم، ولكن بشرط أن تُضمن سلامتهم وحقهم في الأرض وحرية التنقل وحقوق المواطنة. وحتى الآن، لا توجد أي مؤشرات على إمكانية ضمان هذه الحقوق في ولاية أراكان.

وأخيرا، ما الخطوات العاجلة التي تدعو "هيومن رايتس ووتش" المجتمع الدولي لاتخاذها من أجل حماية مسلمي الروهينغا وضمان حقوقهم الأساسية؟

الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بضمان اتخاذ خطوات إضافية لدعم مبدأ المساءلة بحق جميع المتورطين في ارتكاب الفظائع في ولاية أراكان، وكذلك التأكد من استمرار حكومات مثل بنغلاديش في تقديم الدعم والحماية للروهينغا.

ومن المقرر عقد مؤتمر في أيلول/ سبتمبر بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، من شأنه أن يسلّط الضوء الذي تشتد الحاجة إليه على أزمة الروهينغا. غير أن هناك مخاوف من غياب تمثيل كافٍ للروهينغا في هذا المؤتمر، مما يستدعي ضمان إشراك طيف واسع من الأصوات، بما في ذلك النساء والشباب والمجتمع المدني من الروهينغا، سواء داخل ميانمار أو في بنغلاديش أو في الشتات العالمي، ومن المهم للغاية أن يكون أفراد المجتمع الروهينغي في صدارة النقاشات حول مستقبلهم.

ومن هذا المنطلق، نؤكد على ضرورة أن يكون المؤتمر أكثر شمولية، وأن يركّز على الناجين وحقوقهم، وعلى مبدأ المساءلة وإيجاد حلول مستدامة، بما في ذلك استعادة الجنسية وضمان كامل الحقوق للروهينغا أسوةً بجميع مواطني ميانمار.
التعليقات (0)

خبر عاجل