تقارير

السر الروحي أم السلطة والمال؟ قراءة في خلافة الزاوية البوتشيشية بالمغرب

الشيخ منير القادري اختار في نهاية المطاف، كما بينت ذلك مواقفه المترددة السيناريو الأقل ضررا، أي التمسك بالقيادة الروحية دون التدبير المالي والإداري..
الشيخ منير القادري اختار في نهاية المطاف، كما بينت ذلك مواقفه المترددة السيناريو الأقل ضررا، أي التمسك بالقيادة الروحية دون التدبير المالي والإداري..
الكثيرون تفاجأوا من الصراع الذي تعرفه الزاوية البوتشيشية، وهي تعد أكبر زاوية صوفية بالمغرب. بدأ الصراع في صورته الأولى كما ولو كان صراعا على الولاية الروحية، ومن يقود الزاوية بعد وفاة شيخها وزعيمها جمال الدين القادري، ثم تحول بعد ذلك إلى صراع بأبعاد مختلفة، تداخلت فيه حسابات فروع الداخل برهانات فروع الخارج، وتداخل فيها خلاف العائلة بتقديرات السلطة، ولم تكن سلطة المال بعيدة عن هذا الخلاف الذي يبدو أن آثاره لا تزال مستمرة إلى  اليوم، بما يدلل على أن الزاوية الصوفية بالمغرب، خاصة البوتشيشية القادرية، لم تعد فقط مؤسسة دينية صوفية، تقوم بوظيفتها التخليقية، وتجد في سبيل دورها غير المسيس، دعما سلطانيا ماليا ورمزيا، وإنما  أضحت جزءا من رهانات مختلفة، تدخل فيه رمزية الروحي، ورهانات السلطة،  ويلعب المال دوره الأساسي في  تأجيج الصراع العائلي حول الزعامة الروحية.

السر الروحي.. يحسم للنزاع أم يغذيه؟

للشيخ عبد السلام ياسين معاناة كبيرة داخل الزاوية البوتشيشية حكا فصولها بلغة ناعمة وراقية في كتابه: "الإسلام بين الدعوة والدولة"، وأيضا في كتب أخرى، فقد كانت علاقته بشيخ الزاوية العباس، علاقة الشيخ بالمريد، وقد أقر عبد السلام ياسين أنه عرف الطريقة على يده، وبدأ السير إلى الله مع شيخه، حتى عاش التجربة الشخصية، التي توصف في الأدبيات الصوفية بالحال الدالة على لزوم الطريق، وحكا بتفصيل هذه التجربة، كما حكا طرفا من الخلاف بينه وبين الزاوية، لم يشأ أن يكشف عن بؤرته، فلفت الانتباه إلى  جوانب من الفساد فيها، وبعدها عن طريق الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحولها إلى تكايا للجمود والتكلس، وخدمة السلطة.

عبر الشيخ عبد السلام ياسين عن هذه الانتقادات بأدب جم، لكنه لم يكشف جوهر الخلاف بينه وبين الزاوية، وأنه كان يتمنى أن يودع الشيخ العباس السر الروحي إليه أو الإذن بتلقين الذكر والدعاء والدعوة الله على طريق الافتقار إليه، فيصير شيخ الزاوية من بعده، فلما اختار الشيخ العباس ابنه حمزة، غادر الشيخ عبد السلام ياسين الزاوية بهدوء كما يصف، وراح يبحث عن "منهاج نبوي لتغيير الإنسان" يجمع بين الطريقة الإحسانية والجهادية، فكانت أسرة الجماعة، ثم جماعة العدل والإحسان بعد ذلك.

وفاة الشيخ جمال الدين القادري في الثامن من أغسطس الجاري، فجرت الصراع على مصراعيه، على خلافة الزاوية، فالإذن حسب وصية الشيخ سيدي حمزة القادري، لم يقتصر على الابن، بل تعداه إلى الحفيد، مما جعل الشيخ منير القادري، يتمسك بمشيخة الطريقة، بحجة أنه مأذون، وأن شيخ الطريقة أودع إليه السر الروحي، لكن كان للعائلة، وربما لأوساط في السلطة وبعض شرفاء الطريقة، رأي آخر، يقدر مصلحة الزاوية، ومكانتها الروحية، وما يمكن أن تتعرض له من أضرار جسيمة في سمعتها بسبب أحوال الشيخ منير، وتصرفاته الملتبسة التي أثارت انتقادات واسعة داخل العائلة، وأيضا داخل أوساط السلطة نفسها.
لا يهمنا أن نفصل الحديث عن أحداث حصلت في بداية السبعينيات، وتحديدا قبل صدور كتاب عبد السلام ياسين" الإسلام بين الدعوة والدولة" أو بالأحرى، قبيل صدور رسالته الشهيرة إلى الملك الحسن الثاني: "الإسلام أو الطوفان" سنة 1972، لكن ما يهم بدرجة أولى، هو الطريقة التي تتم بها انتقال الولاية الروحية داخل الزاوية الصوفية، وداخل الزاوية البوتشيشية على وجه الخصوص، إذ تكشف قصة الشيخ عبد السلام  ياسين ان الأمر يتعلق بسر روحي و"إذن بالذكر والدعاء والدعوة إلى الله على طريق الافتقار إليه"، يودعه الشيخ  إلى من يراه أحق بالولاية وبمشيخة الزاوية من بعده، وأنه فضل ابنه حمزة على الشيخ عبد السلام ياسين، فكان أن اختارت الزاوية الشيخ حمزة بعد وفاة والده  الحاج سيدي العباس القادري سنة 1972، واستقر له  الأمر، ولم تعرف الزاوية أي خلاف بعده، لأن السر الروحي،  يعتبر في أدبيات الزاوية ومنهجها أساس المشروعية الروحية، وطريق استمرار القيادة الروحية لها.

لم يتغير المنهج مع الشيخ حمزة بن العباس، فقد نشرت وسائل الإعلام نسخة من لوصيته تركها لذويه ومريديه بتنصيب ابنه جمال الدين القادري من بعده، وذكر بمبادئ الزاوية البوتشيشية فيما يخص الذكر والدعاء والدعوة إلى الله، وتبرأ من كل من خالف العمل بالوصية، فجعل الإذن في تلقين الذكر والدعوة إلى الله على طريق الافتقار إليه، بعد موته بيد ولده مولاي جمال الدين ثم من بعده إلى ابنه مولاي منير، ودعا مريدي الزاوية إلى تجديد العهد لوارثه المأذون وتعظيم الرابطة بينهم وبينه، وذكر بعض مناقب ولده المستحق للولاية من بعده، فأشار في الوصية إلى أن ولده جمال "قد  نشأ على الطهارة كما يعرفه الأقارب والأباعد وقد هيأه الله لأحوال الذكر السنية التي نشأ عليها ونبت حتى تحقق له ميلاد جديد من الصلب الروحاني لهذه الطريقة".

وفاة الشيخ جمال الدين القادري في الثامن من أغسطس الجاري، فجرت الصراع على مصراعيه، على خلافة الزاوية، فالإذن حسب وصية الشيخ  سيدي حمزة القادري، لم يقتصر على الابن، بل تعداه إلى الحفيد، مما جعل الشيخ منير القادري، يتمسك بمشيخة الطريقة، بحجة أنه مأذون، وأن شيخ الطريقة أودع إليه السر الروحي، لكن كان للعائلة، وربما لأوساط في السلطة وبعض شرفاء الطريقة، رأي آخر، يقدر مصلحة الزاوية، ومكانتها الروحية، وما يمكن أن تتعرض له من أضرار جسيمة في سمعتها بسبب أحوال الشيخ منير، وتصرفاته الملتبسة التي أثارت انتقادات واسعة داخل العائلة، وأيضا داخل أوساط السلطة نفسها.

الحجة التي تم الاعتراض بها على خلافة الشيخ منير القادري لوالده، أنه أخذ الإذن ممن لا يحق له ذلك، إذ الثابت في أدبيات الطريقة الصوفية أنه الإذن لا يؤخذ عن طريق الوارث، وإنما يودع الشيخ الصوفي السر إلى من يأذن له ممن يرى فيه جدارة من مريديه، يكتسبها بملاحظة الشيخ لسيره وطريقة ذكره ودعائه ودعوته والتزامه طريق الزاوية، وأن الشيخ حمزة خالف منهج الطريق عندما جعل  خلافة في عقله ابنا وحفيدا، وربما تعرض لضغط عائلي قوي دفعه لذلك كما زعم أحمد التوفيق في رسالته الناصحة للشيخ منير القادري كما سنعرض لها في الفقرة التالية.

الحجة التي أدلى بها منير وإخوانه في التمسك بخلافته لوالده ليست فقط وصية الشيخ حمزة الجد (صدرت بتاريخ 3 أكتوبر 1990) التي انتقد عليها مخالفتها لمنهج الطريق في توريث الإذن الصوفي للابن (الابن) وابنه من بعده (الحفيد)، وإنما أيضا وصية والده الشيخ جمال الدين القادري المؤرخة بتاريخ 5 ديسمبر 2024.

خلافة الطريقة بين الإذن الصوفي وصراع العائلة ورهانات السلطة

بعد وفاة الشيخ جمال الدين القادري، ثار خلاف عائلي حول خلافة شيخ الطريقة، وإذا كانت الوصية التي تعتمد أساسا في المشروعية الروحية لزعامة الطريقة، حسمت الأمر لفائدة الابن الأكبر منير القادري، إلا أن انتقادات كبيرة انطلقت من أوساط في العائلة، وأيضا من لدن كبراء في رابطة الشرفاء البوتشيشيين،  تتعلق بتدبير أمر الزاوية الإدارية والمالية، خاصة وأن عددا من الملاحظات أثيرت حول مصداقية الشيخ المأذون في هذين الجانبين، مما جعل البعض يطالب بأن يتم الفصل بين الشأن الروحي (القيادة الروحية) وبين التدبير المالي والإداري، بالمعنى الذي يفيد تجريد شيخ الطريقة الجديد من التصرف في مال الزاوية وأيضا في أمورها التنظيمية، والاكتفاء فقط بالتوجيه والتزكية الروحية.

هذا الخلاف، وضع الشيخ الجديد أمام سؤال المشروعية من جهة، وسؤال رضا السلطة عن تحمله للمسؤولية، ما حذا به إلى الإعلان بتاريخ 17 أغسطس 2025 ربما تحت الضغط، عن تزكية أخيه الأصغر معاذ القاردي خلفا لوالده في قيادة الزاوية رأبا للصدع. وقد صدر بلاغ لرابطة الشرفاء البوتشيشيين يقول "إنه بعد استخارة وتوجه روحي عميق من منير القادري، جاء هذا القرار في خطوة تتناغم مع مقاصد الشرع، وتستند إلى تزكية شرعية وروحية، بما يضمن انتقالا سلسا ومسؤولا لمشيخة الطريقة".

وفيما ساد الاعتقاد بأن الشيخ منير تنازل عن مشيخة الطريقة لفائدة أخيه معاذ القادري، خرج في تصريح إعلامي جديد بتاريخ 20 غشت يؤكد فيه أنه تنازل عن إدارة الشأن الإداري والمالي للزاوية فقط، لا عن السر والأذن ومن ثمة القيادة الروحية للطريقة.

البعض اعتبر هذا التصريح الإعلامي الذي حمل في بعض جوانبه إرجاء الحسم في أمر مشيخة الطريقة إلى إمارة المؤمنين (ما يراه أمير المؤمنين) مناورة ذكية لفهم مزاج السلطة، وما إذا كانت إرادة إبعاده من على رأس الزاوية، هو قرار من أعلى سلطة في بالبلاد، أم مجرد ضغط يمارسه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويحاول من خلاله استغلال قبعتين: قبعة المنتمي الراسخ إلى الطريقة، وقبعة الوزير المؤتمن على تنفيذ سياسات الحقل الديني التي يؤطرها أمير المؤمنين لتجريد منير من تدبير الشأن المالي والإداري أو تجريده من أي سلطة على الزاوية روحية كانت أم إدارية أو مالية.

في اليوم الموالي لتصريح الشيخ منير القادري، أي يوم 21 أغسطس 2025، ، نشرت وسائل الإعلام رسالة من عائلة الراحل جمال الدين القادري وجهتها إلى الملك محمد السادس لدعم خلافة منير القادري، وقع عليها أربع من بنات الشيخ حمزة الجد(آسية، وفوزية وعائشة وزكية)، وولدي الشيخ الراحل جمال الدين القادري مع (مراد وأناؤه جميعا ومحمد وأبناؤه)، وتخلف عن توقيع الرسالة معاذ القادري الذي يتنافس الخلافة مع أخيه منير، وتطلب الرسالة من الملك محمد السادس أن يشمل برعايته الدكتور منير القادري بودشيش، باعتباره المّون له من قبل الشيخ للراحل، مؤكدة أهليته للاضطلاع بمهمة الإرشاد والتربية الروحية استنادا إلى شيوخ  ومريدي الطريقة القادرية البوتشيشية.

وهي الرسالة التي حاول فيها منير القادري أن يخرج من الالتباس، ويقيس عن نبض إرادة أمير المؤمنين، وما إن كانت الضغوط التي تأتي من أوساط في السلطة توحي بأنها من توجيه من أعلى سلطة، أو هكذا يفهم منها، أو أن الرجل هو خارج مربع الرضى الملكي مستعينا بذلك بدعم العائلة.

في واقع الأمر، رسالة التعزية الملكية في وفاة الشيخ جمال الدين القادري، جاءت خالية من أي إشارة بهذا الخصوص، فقد ذكرت مكارم الشيخ جمال الدين القادري، وأفضال الطريقة البوتشيشية وأدوارها دون أن تحمل أي إشارة إلى وراثة السر ومن يستحقه، وما هي المواصفات التي يفترض مراعاتها في ذلك، مما فهم منه، أو على الأقل، ما فهمه المنتصرون لولاية الشيخ منير القادري، أن إمارة المؤمنين نأت بنفسها عن الموضوع، واعتبرته شأنا يخص الطريقة، وكيفية إدارة المشروعية فيها.

ولذلك، سارع إلى التراجع عن قراره بالتنازل عن خلافته لوالده لفائدة أخيه الأصغر معاذ القادري، أو على الأقل تعديله والقبول بأنصاف الحلول (القبول بالقيادة الرحية دون التدبير الإداري والمالي)، اعتقادا منه، أن قضية التدبير المالي والروحي باتت خطا أحمر في نظر السلطة، وأن ما دونها، وربما بالنظر الصوفي، ما فوقها من قيادة روحية، ترد في مقام أقل، وليست محل اعتراض.

في واقع الأمر، لم يبد أي مؤشر يدعم فرضية تدخل السلطة، لكن وسائل الإعلام (موقع اليوم 24) نشرت رسالة نسبت إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وجهها إلى الشيخ منير القادري، ينصحه فيها بالتنازل عن رئاسة الطريقة البوتشيشية، ويعدد جملة من النقائص المنسوبة إليه، والتي من شأنها أن تسيء إلى سمعة الزاوية، وتشوه وظيفتها الروحية والتخليقية، فذكر من ذلك  أن الطريقة ليست مؤسسة عائلية، وأن هذا الفهم يتناقض مع منطق الطريق في الزاوية البوتشيشية، والذي يعتمد على صحبة شيخ عارف المسالك، محذرا من اندثار الزاوية بسبب الخلاف بين أولاد الشيوخ وتحزب الفقراء حولهم وأن هذا حدث في تاريخ المغرب (حالة مولاي بوعزة وأحفادهم).

في واقع الأمر، رسالة التعزية الملكية في وفاة الشيخ جمال الدين القادري، جاءت خالية من أي إشارة بهذا الخصوص، فقد ذكرت مكارم الشيخ جمال الدين القادري، وأفضال الطريقة البوتشيشية وأدوارها دون أن تحمل أي إشارة إلى وراثة السر ومن يستحقه، وما هي المواصفات التي يفترض مراعاتها في ذلك، مما فهم منه، أو على الأقل، ما فهمه المنتصرون لولاية الشيخ منير القادري، أن إمارة المؤمنين نأت بنفسها عن الموضوع، واعتبرته شأنا يخص الطريقة، وكيفية إدارة المشروعية فيها.
يعود السيد الوزير في رسالته الناصحة ليقول للشيخ منير القادري أنه إذا كان قد فهم بطريق من الطرق أنه الشيخ الوارث لقيادة الزاوية من بعد أبيه، فعليه أن يظهر "بمسكنة صادقة مثل مسكينة سيدي الحاج العباس، وما ينبغي من التواضع الحق كتواضع سيدي حمزة" وينتقد أحمد التوفيق على الشيخ منير القادري في رسالته إليه جملة من الأحوال والتصرفات التي لا تليق بالمستحق للولاية، ويذكر منها "إرادة الاستعانة بوسائل لا تتناسب مع كمال طريقة والدك وجدك" وذكر من ذلك الاستعانة بالجن، والسحر والدجل. ثم يوجه النصيحة إليه بشكل مباشر بـ"الابتعاد عن فكرة الاستعجال في طلب المشيخة، وقطع الطريق عن المتملقين إليه، واجتناب كل الأنشطة المشوشة على الطريق،" وأنه لتجنب حصول شقاق داخل العائلة بخصوص خلافة الشيخ جمال الدين القادري، عليه إذا لم يستجب لنصيحة الوزير في ظرف شهر "أن يحتم على والده شيخ الطريقة أن يأمر ابنه سيدي معاذ بأن يكون هو من يتخلى من قيادتها" وينسحب،  ثم يحذره من هذا السيناريو، الذي يؤمن فيه حصول الشقاق داخل العائلة، لكنه في المقابل سيحول الطريقة إلى ملاذ للمتملقين وطلاب الدنيا، وسيقع الانحراف في وظيفتها، بما يؤول في النهاية إلى إفساد الطريقة وحرفها عن مسارها.

واللافت في هذه النصيحة، أن السيد أحمد التوفيق، نبه الشيخ منير القادري، أن الطريقة ملك لكل الفقراء، وأنهم شركاء فيها، و "أن الشريك الأكثر أهمية فيها، هو أمير المؤمنين الذي لن يقبل أن تضعف الطريقة أو تندثر" .

وقد ذكر السيد الوزير أنه في اليوم ذاته التي وجه هذه الرسالة إلى الشيخ منير، وجه رسالة مماثلة إلى والده الشيخ جمال الدين القادري ينضحه فيها بتكوين مجلس الفقراء، واستفتاء أمرهم في شأن وراثة السر ومآل الزاوية من بعده لافتا انتباهه إلى قضية التدبير المالي والإداري للزاوية.

ولم يفت السيد الوزير أن ينبه الشيخ منير إلى وجود ممسك مهم لدى الصحافة الفرنسية عليه، يمكن في حالة نشر حيثياته أن تتعرص الزاوية لهزة عنيفة تعرضها لضرر شديد يؤثر بشكل سلبي على وظيفتها التحليقية ورمزيتها الروحية.

في واقع الأمر، لا أحد يدري كيف تسربت هذه الرسالة التي يفترض أن طرفين فقط من لهما الأذن لتسريب مضمونها، وهي لم تتسرب بكل تأكيد من وزير الأوقاف، لأن مضمونها ونشرها بدون إحالة على توقيت بعث الرسالة، لا يخدمه، بل يورطه ويثبت تدخله في الشأن الصوفي، وولوغه في تأثيث البيت التنظيمي للزوايا، بما يخالف منهج الطريق في الإذن الصوفي.

أغلب الظن أنها نشرت من محيط الشيخ منير القادري، وذلك حتى يمارس ضغطا مضادا على وزير الأوقاف، وفي الآن ذاته، حتى يتثبت من أن هذا الضغط ليس بتوجيه من أعلى سلطة في البلد، وإنما هو تقدير خاص لوزير الأوقاف وبعض المؤثرين في دوائر مختلفة فيه يدفعونه للتحرك لما لديه من سلطة على الزوايا باعتباره أولا وزيرا، ثم باعتباره رجلا صوفيا منتسبا إلى الطريقة البوتشيشية.

السيد الوزير نشر عبر مقرب منه رسالة توضيحية إلى جريدة اليوم 24 نفسها، يوضح فيها أن تاريخ إرسالها يعود إلى 2022، أي إلى زمن سابق عن وفاة الشيخ جمال الدين القادري، وأنه أرسلها بصفة شخصية بصفته منتسبا إلى الطريقة لا بوصفه وزيرا، وأن القصد من بعثها كان مجرد النصح لا التموقع مع منير أو من ضده، وأن سياق بعثها لم يكن مرتبطا بأي صراع بين العائلة حول موضوع خلافة الشيخ جمال الدين القادري على زعامة الطريقة.

المال والسلطة ومآل الإذن الصوفي

ما يهم في هذا التوضيح الصادر عن مقرب من وزير الأوقاف أنه كشف صحة الرسالة ولم ينفها، ولا نفى مضامينها، بل غاية ما فيها أن السيد وزير الأوقاف حاول أن يبعد وزارته، وإمارة المؤمنين من أي علاقة تأثير على الزاوية وعلى تدبير شؤونها التنظيمية، وأن توقيتها والقصد منها، يبين ذلك بوضوح.

تاريخ النشر في سنة 2022، له دلالات متناقضة، إذ من المؤكد أنه لم يكن هناك ما يستدعي النقاش حول خلافة الشيخ جمال الدين القادري، الذي كان على قيد الحياة، لكن، في الآن ذاته، في تقدير السلطة، وفي حسابات الأسوأ، يتم دائما الاعتبار بالحالة الصحية لشيخ الطريقة لطرح الخيارات المستقبلية الممكنة. فليس مستبعدا أن تكون الحالة الصحية للشيخ وقتها مستدعية لهذا النقاش، خاصة وأن جزءا من مضمون هذه الرسالة دار فيه الحديث عن الصراع بين العائلة على من يخلفه الشيخ، وأن أهم مضمون فيها تنبيه الشيخ منير القادري إلى أن الأحوال والتصرفات التي تصدر منه تتناقض مع مواصفات شيخ الطريقة، الذي يفترض أن يكون متصفا بصفة المسكنة الصادقة والتواضع، والبعد عن استعمال أي وسائل غير شرعية لا تتناسب مع منهج الطريق، هذا بالإضافة إلى النصيحة في حال التمسك بالقيادة الروحية الطريقة الابتعاد عن التدبير المالي والإداري.

الوزير تحدث عن الصفة التي راسل بها الشيخ منير القادري بقصد النصح، وأنه تحدث بوصفه منتسبا ناصحا للطريقة التي قضى فيها ما يقرب نصف قرن، لكن هذه الصفة تحمل هي الأخرى دلالات متناقضة، فهي من جهة تحيل إلى حق الوزير المنتسب للطريقة في ممارسة النصح في شأن يشترك فيه مع الشيخ منير القادري، لكن مضمونها أو للدقة الأوامر التي وردت فيها، تخلق نوعا من الالتباس حول صفة هذه النصيحة، وكان إذا كانت توجيها من أعلى، أم مجرد رأي ناصح من داخل الزاوية، فالسيد أحمد التوفيق كان يشغل سنة 2022 وزير الأوقاف ولا يزال.

قد يكون التأويل الأول صحيحا، لكن الحديث عن أمير المؤمنين بوصفه من الذين يشتركون إلى جانب فقراء الطريق في شأن هذه الزاوية، يحمل رسالة سياسية، إلى أن هناك اعتراض ما على الشيخ منير القادري، أو على الأقل، دعوة للتريث وعدم الاستعجال في حال وفاة الشيخ إلى إعلان خليفته حتى يتم معرفة رأي من له الأمر.

هذا المضمون يشوش بشكل كبير على النصيحة الصادرة من داخل الزاوية، لأن حجة الوزير في رسالته لمناقشة مشروعية خلافة الشيخ منير القادري هو شرعية الأخذ بوصية الشيخ للابن وابن الابن من بعده، وأن ذلك يخالف منطق الطريق، فكيف يسوغ بالمنطق نفسه، أن يكون مصدر مشروعية الشيخ خارج الإذن الممنوح من شيخ الطريقة لشيخ عارف مسالك الطريق؟

رسالة السيد وزير الأوقاف في واقع الأمر كتبت من محبرة السياسة، لأنها طرحت خيارين: التنازل عن القيادة الروحية بحجة رأي الصدع داخل العائلة وألا تواجه الزاوية البوتشيشية سيناريو الاندثار كما واجهته زاوية أولاد بوعزة بسبب الخلاف بين الأبناء والأحفاد، ثم سيناريو ثان، هو الاحتفاظ بالقيادة الرحية دون التدبير المالي والإداري.

الشيخ منير القادري اختار في نهاية المطاف، كما بينت ذلك مواقفه المترددة السيناريو الأقل ضررا، أي التمسك بالقيادة الروحية دون التدبير المالي والإداري، لكن يبقى السؤال: لماذا جرد نفسه أو تم تجريده من هذا النفوذ المالي؟ وهل الأحوال والتصرفات التي يتلبس بها الشيخ منير القادري ستشوه على الزاوية فقط حين يتمسك بالقيادة الكلية للطريقة، ولن تمس هذه السمعة أية أضرار إن تمسك بالقيادة الروحية دون المالية والإدارية؟

ليس لدينا ما يكفي من المعطيات لنبين حجم الموارد المالية للزاوية، وإن كان مزار مداغ السنوي لإحياء ذكرى المولد النبوي، يكشف بأن هذه الموارد كبيرة جدا، وأن روادها والمنتسبون إليها ممن يأتون إليها كل سنة من ربوع المملكة ومن خارجها بلغوا أرقاما كبيرة تقدر بمائة ألف أو يزيد، وينتسب إليها أعيان ومسؤولون في السلطة، وتنشر وسائل إعلام عن أرقام مالية ضخمة مودعة في حساب الزاوية، بل تتحدث عن ثراء فاحش لأبناء الشيخ جمال الدين القادري، وأن الصراع داخل العائلة، بدأ يتسرب منه تحويلات مالية من  حساب الزاوية إلى حسابات خاصة لأبناء الشيخ الراحل وزوجاتهم مما لم يتم تأكيده بتحقيق رسمي إلى اليوم.

هذه المعطيات كلها، تفيد بأن قضية المال في الزاوية البوتشيشية صارت أكثر خطورة وأهمية من القيادة الروحية، وأن هناك تخوفا كبيرا من أن يوضع التدبير المالي بأيد، لا تدري كيف تبقي على صلابة الشجرة التي تغطي الغابة الكثيفة الموحشة.
التعليقات (0)