يعرف بأنه شخصية مبدئية ومتواضعة، وكان رجل عائلة "محب لعائلته" ورجل مجتمع نشط، بقي يكتب على منصات التواصل عن الهم الوطني
الفلسطيني دون انقطاع. كان أحد ركائز النضال المبدئي، لم يبدل ولم يساوم على مبادئه يوما. وأحد السياسيين والمناضلين الفلسطينيين ورمز من رموز الحركة الوطنية المعاصرة.
ولد
عبد الجواد صالح في مدينة البيرة الملاصقة لمدينة رام الله بالضفة الغربية عام 1931، حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد السياسي من "الجامعة الأمريكية" بالقاهرة عام 1955.
وكان في فترة دراسته ناشطا في "حزب البعث" لكنه انفصل عنه بداية ستينات القرن الماضي.
عمل في بداية حياته معلما في مدرسة "القدس الثانوية" التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في عام 1955، ومعلما في دار المعلمين في ليبيا، وكاتبا في صحيفة "الاتحاد" بين عامي 1957 و1962.
وسيلتحق بالعمل السياسي المنظم ومن ثم في العمل السياسي الجماهيري في مرحلة مبكرة من حياته، وتوج ذلك بانتخابه رئيسا لبلدية البيرة على رأس قائمة وطنية في عام 1972، وشكل مع آخرين من ممثلي المؤسسات الشعبية والأحزاب التي نشطت في الأراضي المحتلة "الجبهة الوطنية الفلسطينية" التي قادت النضال الفلسطيني ضد الاستيطان وممارسات
الاحتلال.
وبعد عام من انتخابه قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإبعاده بالقوة مع سبعة من القادة الفلسطينيين للأراضي الأردنية عبر وادي عربة، وكان بينهم الدكتور وليد قمحاوي، والقائد الشيوعي عربي عواد، وجريس قواس رئيس بلدية جفنا، وثلاثة آخرون.
وأدى الإبعاد إلى اندلاع مظاهرات عفوية في سائر أنحاء الضفة الغربية والقدس، تحولت إلى نواة انتفاضة، شكلت الحدث الأهم جماهيريا منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.
اظهار أخبار متعلقة
أسس وترأس "مركز القدس للدراسات التنموية" في عمان بعد إبعاده عن الضفة الغربية في عام 1973.وأحدث استشهد ابنه ماهر عبد الجواد في تدريبات عسكرية كان يجريها في لبنان في عام 1974 قناعة لديه بمواصلة النضال مهما كان الثمن.
وكان في انتقاله من بيروت إلى عمان يحمل دائما رسالة احتجاج على حالة الترهل التي حلت بمنظمة التحرير في بيروت قبل عام 1982.ومع توقيع "
أوسلو" عاد إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1993، فانتخب عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني عن رام الله في عام 1996، وكانت حملته الانتخابية تحمل شعارا بسيطا "ليس لنا غير هذا الوطن".
وعلى أثر ذلك عين وزيرا للزراعة في السلطة الوطنية الفلسطينية لمدة عامين إذ ما لبث أن استقال من منصبه في عام 1998، وكان أحد الموقعين على "وثيقة العشرين" أول بيان علني ينتقد الفساد في السلطة الفلسطينية تحت عنوان "صرخة من أرض الوطن".
اتخذ صالح مواقف مستقلة ومعارضة لسياسة "أبو عمار" الذي لم ينجح في تطويعه كما طوع غالبية القيادات الفلسطينية، فعارض بشدة التنازلات التي وقعت إبان "اتفاق أوسلو" وبقي على مبدئه. وكان له موقف صريح ضد " أوسلو" من منطلق رؤيته بأنها "تشكل خطيئة سياسية، ونحن نرى نتائجها وآثارها على الأرض".
رفض الإدلاء بشهادته أمام لجنة من الكونغرس الأمريكي في عام 2004 في تحقيق حول إساءة استخدام المال من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، وحالات الفساد المستشرية في هذه السلطة، وقال يومها "رفضي للشهادة أمام لجنة المالية التابعة للكونغرس الذي يمثل أعتى أعداء حقوق شعبنا الفلسطيني وينعت نضاله بالإرهاب ويمول عشرات جرائم الحرب التي تنفذها إسرائيل يوميا".
داعيا الشعب الفلسطيني مع ذلك إلى مكافحة الفساد والإفساد الذي قال إنه ينهش في جسم "شعبنا الجائع الواقع تحت ضربات الاحتلال الإسرائيلي من الإعدامات خارج القانون والاعتقالات الجماعية والعيش تحت إجراءات تعسفية تمثل نموذجا جديدا عن الإبادة". بحسب قوله.
وأحدثت استقالته من المجلس المركزي لمنظمة التحرير في عام 2020 ضجة كبيرة في الحياة السياسية الفلسطينية، فقد اتهم في نص الاستقالة قيادة
منظمة التحرير وعلى رأسها محمود عباس بتقويض القضية الفلسطينية.
اظهار أخبار متعلقة
صالح أعلن استقالته مرجعا ذلك لعدة أسباب أبرزها عدم تنفيذ قرار المجلس المركزي بوقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة مع سلطة الاحتلال، وقال في كتاب استقالته غاضبا "لقد بلغ السيل الزبا".
صدرت له عدة كتب منها: "المشكلات الذاتية لمؤسسات التعليم العالي في الضفة الغربية وقطاع غزة "، و"الاحتلال الإسرائيلي: وأثره على المؤسسات الثقافية والتربوية في فلسطين المحتلة"، و"سياسة إسرائيل في المأسسة: الأوامر العسكرية الإسرائيلية"، و "فلسطين- التدمير الجماعي للقرى الفلسطينية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني خلال مئة عام 1882-1982"، و"الاحتلال والمخدرات- حول دور الاحتلال الإسرائيلي في نشر المخدرات بين صفوف المواطنين العرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة "، و"سبل مواجهة الهجرة اليهودية"، و"حول مهمات المرحلة القادمة: أساليب الدعم الجماهيري للانتفاضة "، و"الاستيطان اليهودي أبعاده وعواقبه، و"الزراعة الفلسطينية إلى أين؟ "
وفي منشوراته الأخيرة، كان يركز على المأزق الذي وصلته القضية الفلسطينية حيث كان يرى أنه لا بد أن يستعيد الشعب الفلسطيني روحه، وتساءل "ترى لو كانت القيادة الفلسطينية منتخبة، حسب الدستور أو ما يسمى بالقانون الأساسي الذي رحب به العالم، لتغيّرت وجهة النظر العالمية ومنحت فلسطين اعترافا جماعيا من قبل أمم العالم. لكن البعض منا، اختار اغتصاب الحكم بعد أن دمر الدستور وألغى المجلس التشريعي ودمر النظام الديمقراطي الفلسطيني والذي أدى مؤخرا إلى انتكاسة سياسية".
أعلن عن وفاته في 23 أب/ أغسطس الحالي، ودفن في مدينة البيرة بكثير من القهر والحزن، محذرا من استمرار الإبادة الجماعية قائلا: " مصير الضفة الغربية سيكون كمصير قطاع غزة، وإن الاستيطان خير دليل على ذلك".أما المشهد قبل الأخير من حياته فقد كان قبل أن توافيه المنية بأيام، فقد كان يطل من شرف منزله يرى المستوطنة وبعض بقايا بيوت البيرة القديمة، حاملا رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" يقرأها كما لو كانت المرة الأولى، فالعودة، رغم القهر تبدو مؤجلة لكنها ممكنة.