ماذا يعني العيش داخل خيمة في غزة؟

فاقم أول منخفض جوي يضرب قطاع غزة هذا الموسم من عمق الأزمة الإنسانية وأدى إلى غرق 70 ألف خيمة- جيتي
يزيد تبدل الفصول من معاناة أهالي قطاع غزة، لا سيما الذين يعيشون داخل خيام مهترئة قاموا في غالبيتهم بصنعها بأنفسهم مما يتوفر في السوق المحلية من أقمشة أو أغطية بلاستيكية وأخشاب وبعض الأنابيب الحديدية المتوفرة من مخلفات المنازل والعمارات المدمرة.

رغم أن المؤسسات الإغاثية وفرت نوعيات مختلفة الجودة من الخيام للنازحين في شهور حرب الإبادة الأولى، إلا أنه مر على أحدثها أكثر من عام، وسرّعت عوامل الصيف والشتاء من استهلاكها واهتراء أقمشتها، مع تواصل تعطل تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار التي كان من المفترض أن تتضمن اتضاح آلية إعادة الإعمار ودخول المنازل المؤقتة للإيواء.

وفاقم أول منخفض جوي يضرب قطاع غزة هذا الموسم من عمق الأزمة الإنسانية، وأدى إلى غرق 70 ألف خيمة للنازحين وانهيار بعض المباني المتضررة، بحسب ما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.

قلق لا يتوقف 

يخلص أبو محمد (67 عاما) معنى العيش في خيمة لأكثر من سنتين بأنه حالة من "القلق المستمر حول كل شيء"، موضحا أنه خلال فترة الصيف يبقى من يسكن الخيمة في حالة قلق مستمرة من خطر القوارض والزواحف والحشرات، وأن هذه الكائنات الحية نفسها تجرأت بشكل أكبر على الإنسان.

ويقول أبو محمد لـ"عربي21" إن هذه الكائنات طالما كانت موجودة في غزة، لكنها تعيش بمعزل نوعا ما عن السكان، وتوجد في الأماكن المهجورة والأراضي المفتوحة والأماكن الزراعية، لكن ما حدث خلال سنوات الإبادة هو أن النازحين ذهبوا مضطرين إلى أماكن تواجد هذه الكائنات، ما جعلهم مثل المتعدين عليها.

ويضيف: "تعيش في خيمة في الصيف وأنت قلق من حية أو فأر يقوم بقرص (لدغ) أحد أفراد عائلتك، أو من أن تصاب بجفاف نتيجة أنك فعليا تعيش داخل حمام شمسي (دفيئة زراعية) ترفع الحرارة بشكل كبير حتى عن الحرارة خارج الخيمة".

ويوضح: "المشاكل لا تنتهي، وكلما تجد حلا لمشكلة ما تظهر مشكلة جديدة.. فساد الطعام سريعا، والذباب، وضربات الشمس ومشاكل التعرض الطويل لها، وعندما تعتاد على كل ذلك يتغير الفصل وتدخل في دورة معاناة جديدة".

ويشرح أبو محمد أنه رغم الاستعداد للشتاء، سواء بتجهيز الخيمة بأغطية بلاستيكية مضادة للمياه ومحاولة اختيار مكان لا تتجمع فيه المياه بشكل كبير، تبقى مجرد اجتهادات ومحاولات تنهار غالبا عند أول اختبار حقيقي.

المشكلة ليست المياه

يؤكد إبراهيم (36 عاما) أن المشكلة الأساسية من غرق الخيام ليست مجرد المياه التي تأتي على أماكن النوم والملابس والأمتعة التي من الصعب جدا استبدالها أو الحصول على بدائل منها في غزة حاليا، إنما في فكرة المعرفة بأن كل أمتعتك وما تملك تلوثت بمياه المجاري وليس فقط الأمطار.

ويشرح إبراهيم لـ"عربي21" أنه مع بدء فكرة النزوح والعيش في خيمة اضطر الناس إلى إنشاء دورات مياه بدائية تعتمد على بئر لامتصاص المياه العادمة والفضلات، بدلا من شبكة الصرف الصحي التي تدمرت.

ويوضح: "نحن نتحدث عن مئات أو آلاف الآبار تكون في كل منطقة، وهي التي تم بناؤها في الغالب من قبل أشخاص عاديين وليس مختصين، لذلك فإن كفاءة الامتصاص والتصريف فيها ليست أفضل شيء، ومع تكون السيول جراء الأمطار، كل ذلك يطفو في أماكن تجمع المياه، ويكون ذلك داخل الخيام وأماكن تجمع الناس، وحتى داخل المنازل في طوابقها الأرضية".

ويذكر: "نحن نتحدث عن شبكة صرف صحي مدمرة، لذلك لا يوجد تصريف لمياه الأمطار، وعن تربة رملية أو طينية أصلا رطبة ومبتلة بسبب آبار الصرف الصحي التي قام بها الناس، لذلك عندما هطلت الأمطار بشكل غزير غير معتاد، فحدثت الكارثة الحالية".

"خيمة فارهة"

تقول أم فارس (41 عاما) إنها ترى مشاهد غرق الخيام من نافذة شقتها المستأجرة في مدينة غزة، ومن المقاطع المنتشرة على منصات التواصل، ولا تستطيع التوقف عن البكاء، باعتبار أنها عاشت نفس تفاصيل هذه المعاناة لشتاءين متتاليين عندما كانت تسكن في خيمة.

وتكشف أم فارس لـ"عربي21" أنها فقدت منزلها ومنزل أهلها خلال حرب الإبادة، واضطرت للعيش في خيمة بدائية في أول شتاء خلال الحرب، وتعرضت خيمتها للغرق تماما مثلما حدث في المنخفض الجوي الأخير.

وتوضح: "في الشتاء الثاني حصلنا عن طريق مؤسسة على خيمة قبة (خيمة مربعة بغطاء منحني يمنع تجمع المياه على السقف)، وكانت مقاومة للمياه ولم نتعرض للغرق بشكل كبير يومها، باعتبار أن لدينا خيمة قبة.. تخيل أنه أصبح هناك طبقات اجتماعية حتى في موضوع نوع الخيمة التي تمتلكها، لأن البديل يعني أن ستخسر كل مقومات الحياة البسيطة التي تعتمد عليها".