قاعدة عسكرية بأيدي تركية على حدود مصر.. هل انقلب حفتر على داعمه؟

أرفع المسؤولين الأتراك أجروا زيارات إلى ليبيا مؤخرا- الأناضول
توالت مؤخرا عدة وقائع تكشف وفق محللين عن حجم التباعد بين رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، وأبناء خليفة حفتر في شرق ليبيا وذلك بعد أكثر من 12 عاما من التقارب العسكري والسياسي مع أبيهم، الذي قاد انقلابا عسكريا ضد الحكومة الشرعية في طرابلس 14 شباط/فبراير 2014، على غرار انقلاب السيسي على الشرعية في مصر 3 تموز/يوليو 2013، وبمعاونته.

ونجح حفتر، خلال نحو 12 عاما في تمكين أبنائه في شرق وجنوب ليبيا، بتعيين نجله صدام في آب/أغسطس 2025، نائبا لقائد قوات الشرق الليبي، وتولية نجله خالد منصب رئيس أركان قوات الشرق الليبي، وتمكين ابنه بلقاسم من ملف الإعمار والاستثمار والجانب الاقتصادي عبر "صندوق إعمار ليبيا"، إلى جانب منح نجله الأكبر الصديق ملف المصالحة الوطنية والجانب الاجتماعي، وغيرها من المناصب والامتيازات العلنية.


لكن، ما يزيد المشهد تعقيدا أن التباعد البادي بين أبناء حفتر، والسيسي، ورغم لقاءات متتابعة في القاهرة، والذي تمثل في 3 ضربات موجعة تقلل من حضور السيسي في شرق ليبيا، يأتي في مقابل تقارب لافت بين الأبناء الصاعدين بقوة مع تركيا، ما يزيد حجم التشابكات في علاقات الأطراف الثلاثة، ويثير التكهنات ويضع العديد من علامات الاستفهام، حول حجم تضارب المصالح، وإلى أين تسير الأمور مستقبلا.

قاعدة جوية وحضور تركي


أحدث تلك الوقائع كشفتها وكالة "نوفا" الإيطالية للأنباء معلنة في 28 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عن إنشاء قاعدة جوية جديدة تابعة لقوات حفتر بمنطقة "جغبوب" شرق ليبيا، على بُعد 23 كيلومترا فقط من الحدود المصرية تضم مدرجا بطول 3600 متر.

مما يمكن قوات حفتر التي تسيطر على إقليم برقة ومناطق واسعة من جنوب ليبيا من استقبال المقاتلات الحربية، والطائرات المسيّرة، وطائرات النقل العسكري الثقيلة، ما يمثل علامة استفهام كبيرة حول وجود طائرات بهذا الحجم في تلك المنطقة.

المشروع الذي بدأ العمل فيه خلال حزيران/يونيو 2025، تتولاه شركة "ATSG" التركية بالتحالف مع: "أكتيكنيك"، و"تافسيرا"، و"جونوتش" التركية، لتكشف صور الأقمار الصناعية في 24 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عن سرعة في إنجاز 3 ساحات لوقوف الطائرات بينما ساحة رابعة قيد الإنشاء.

ما يدفع للتساؤل حول حجم الدور التركي في تلك القاعدة وتطوراته، وهل سيتوقف عند حد البناء والتشييد وتسليم القاعدة أم هناك اتفاق لم يُكشف عنه يتضمن إدارة تركية للقاعدة واتخاذها نقطة عسكرية جوية، توثق الحضور التركي القوي في غرب وشرق وجنوب ليبيا، بالتوازي مع الحضور التركي في شرق القارة الأفريقية عبر الصومال.

وهنا تعلق الوكالة الإيطالية بقولها: "تُعدّ مسألة مشاركة الشركات التركية حساسة للغاية، وتعكس مشاركة الشركات التركية في البنية التحتية العسكرية لشرق ليبيا تحولا هاما في موازين القوى في البلاد".

مخاوف القاهرة


ووفق الوكالة، فإن مخاوف القاهرة تتمحور بالدرجة الأولى حول احتمال استخدام القاعدة بما لديها من بنية تحتية من قبل قوى أجنبية في عمليات عسكرية ونقل أسلحة دون رقابة مباشرة من السلطات المصرية.

الأمر الذي قد يُؤثر على أمن مصر وتوازن القوى في المنطقة، التي يشهد جنوبها الشرقي صراعا بين الجيش السوداني الذي تسانده مصر، وبين مليشيا الدعم السريع الممولة من الإمارات والمدعومة من حفتر، ويشهد جنوبها الغربي صراعات وأزمات وسط وجنوب الصحراء "منطقة الساحل".

وفي تحليلها للموقف لفتت الوكالة الإيطالية إلى أن "التحقيقات والتحليلات الدولية تشير إلى أن منطقة الكفرة الليبية، القريبة من الحدود السودانية، تُعدّ أحد الممرات اللوجستية الرئيسية المستخدمة لنقل الأفراد والمعدات المتجهة إلى منطقة النزاع في السودان".

علامات تضارب أخرى


ثاني المواقف، الكاشفة عن حجم التضارب بين تحالف السيسي وحفتر، وفق مراقبين، تؤكده مصادقة مجلس النواب الليبي، الذي يقع في "طبرق" شرق البلاد ويرتبط سياسيا بحفتر، في 20 تشرين الأول/أكتوبر الماضي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة عام 2019 بين تركيا وحكومة طرابلس آنذاك، الأمر الذي تعترض عليه القاهرة، بشدة، وفي تحول كبير في موقف حفتر من الاتفاقية.

ثالث المواقف، تتمثل في محاولات تركية لم يُكتب لها النجاح حتى الآن، لتقريب المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب الليبي، وذلك عبر اجتماع شهدته العاصمة التركية أنقرة 23 تشرين الأول/أكتوبر الماضي جمع صدام حفتر بصفته نائبا لقائد قوات الشرق الليبي، بوكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، عبدالسلام الزوبي، وذلك في غياب تام لمصر عن ذلك المشهد.

رابع المواقف، والذي يظل أكثر إثارة للجدل، يأتي بإعلان صدام حفتر في 20 تموز/يوليو الماضي توقيع عقد مع شركة "أكتيكنيك" التركية لتنفيذ مشروع إدارة ومراقبة الحدود البرية الليبية بطول 275 كيلومترا، في المنطقة الجنوبية والشرقية.

علما بأن هذه هي الشركة التركية المشاركة بحسب وكالة "نوفا"، في تدشين القاعدة الجوية الجديدة لقوات حفتر على بعد 23 كيلومترا فقط من حدود مصر، ما يثير التساؤلات حول مدى وجود تنسيق مصري من عدمه مع حفتر بهذا الشأن.

من داعم إلى ضامن


وفي قراءته للمشهد، حول ما يجري بين السيسي وأبناء حفتر، وأسباب ميل الكفة حاليا لصالح تركيا، وعلى حساب ملفات تهم السيسي، ونوع وحجم الخلاف وتضارب المصالح بينهما وإلى أين يقود ذلك تحالف طال لأكثر من 12 عاما، ووضع الإمارات وموقفها مما يجري على الأرض، تحدث الباحث المصري في العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور عمار فايد، لـ"عربي21"، مقدما قراءته السياسية والاستراتيجية حول خطورة بناء مثل تلك القاعدة قرب الحدود المصرية بـ23 كيلومترا.

وقال إن "هذه التطورات تشير إلى توازن جديد في ليبيا يميل لمصلحة تركيا"، مؤكدا أن "إعادة ترتيب العلاقة بين أنقرة والشرق الليبي تغير موقع تركيا من مجرد داعم لأحد طرفي الصراع إلى ضامن للملف الليبي كله أمام القوى الغربية خاصة الولايات المتحدة".

وأضاف: "أي أن أنقرة باتت هي الوسيط الرئيسي الذي بإمكانه جمع الطرفين على طاولة استنادا لمصالح وعلاقات متشابكة مع كل منهما".

بالنسبة لمصر، يرى الأكاديمي المصري، أنه "ليست المسألة الأساسية في اتفاقية تعيين الحدود البحرية، لأنه من الممكن التوصل مع أنقرة وبني غازي لاتفاق يضمن حقوق مصر"، مبينا أن "المشكلة هي تراجع دور مصر في صياغة ترتيبات المستقبل الليبي لمصلحة تركيا".

ويعتقد أن "جانب حفتر مازال حريصا على طمأنة مصر وتجنب الصدام معها، لكنه لم يعد معتمدا على القاهرة ولا مرتهنا لدعمها بعد أن وسّع شبكة علاقاته وخطوط إمداده بما يشمل روسيا وتركيا والإمارات، فضلا عن قبول الأطراف الغربية للأمر الواقع".

وخلص للقول: "لا أعتقد أيضا، أن القاعدة العسكرية الجوية التي تبنيها شركات تركية في جغبوب قرب حدود مصر وفقا لما نشرته وكالة (نوفا) الإيطالية تمثل تهديدا لمصر".

الباحث المصري، أكد أنها "قاعدة ليبية حتى لو كانت شركات تركية هي من تقوم بالبناء، ولا توجد معلومات أنها ستضم قواتا تركية على غرار التواجد التركي في الغرب الليبي".

وأوضح أن "مصر لديها بالفعل قاعدة ضخمة في (سيدي براني) قرب الحدود مع ليبيا، دون أن يعني هذا خطوة عدائية ضد ليبيا"، موضحا أنه "طالما لا توجد قوات أجنبية فلن تكون هناك تحفظات مصرية".

سلوك متهور دون استشارة مصر


وفي قراءته، لهذا المشهد قال المحلل السياسي والباحث في الشأن الليبي، الدكتور فرج دردور، إن "حفتر، فتح ليبيا على مصراعيها عن طريق المناطق التي يسيطر عليها، لكل الدول التي تبحث عن موطن قدم في شمال أفريقيا، وكذلك للتوغل في وسط القارة".

الأكاديمي الليبي بجامعة طرابلس، أضاف لـ"عربي21"، أن "هذا ما حصل تماما مع روسيا، واليوم يتكرر مع تركيا، كما مكن فرنسا من مستعمرتها القديمة جنوب ليبيا، ليكون لها موقع متقدم يساعدها على استعادة ما فقدته من مستعمراتها القديمة بوسط أفريقيا، بعدما طُردت منها مؤخرا".

ويرى دردور، أن "فتح حفتر الباب أمام جميع الدول، لا يقدر عواقب أفعاله، حين يقوم باستباحة أرض ليبيا، فقط ليُظهر نفسه أنه قوي يُمسك بحبال التشابك الدولي والإقليمي، الذي يستفيد من تواجده في ليبيا بدون حدود ولا قيود إلا بشرط واحد؛ وهو تمكين حفتر من حكم ليبيا كلها، الأمر الذي فشل فيه بالحرب عام 2019 بدعم دولي وإقليمي كبير".

وخلص للقول إن "هذا السلوك المتهور الذي يفعله حفتر، لا يتحسس عواقب هذا التغلغل لهذه الدول في ليبيا، حيث من الصعب جدا أن تتخلص ليبيا مستقبلا من هذه القواعد الأجنبية المنتشرة على أرض ليبيا، إضافة إلى ما تشكله هذه القواعد من تهديد لدول الجيران مثل مصر، حيث أن حفتر منح قواعد متقدمة على الحدود المصرية للأجانب دون استشارتها"

وضع حدود البلدين


ويقلل مراقبون من احتمالات تأثر علاقات القاهرة وأنقرة تحت تأثير تلك الصدمات المتتالية من جانب أبناء حفتر، موضحين أن البلدين تخطيا مرحلة الندية إلى مرحلة التعاون والتفاهم وتقديم المصالح المشتركة والبناء عليها، ملمحين إلى تفاهمات واسعة بينهما في مجالات عديدة، وصل حد التعاون العسكري على أرض مصر.

وفي شباط/فبراير الماضي، كشف تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، عن وجود تعاون عسكري مصري تركي في الصحراء الغربية بمصر، كاشفا عن وجود قاعدة عسكرية مصرية تستخدمها طائرات مسيرة تركية وسط مشروع زراعي ضخم للقمح شرق جبل العوينات في الصحراء الغربية على الحدود المصرية السودانية، وتشن غارات تستهدف مليشيا الدعم السريع.


وتشير صور الأقمار الصناعية وسجلات الرحلات الجوية ومقاطع الفيديو التي راجعتها الصحيفة، بالإضافة إلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، إلى أن طائرات عسكرية متطورة بدون طيار، متمركزة في مهبط الطائرات المصري، تشن غارات جوية في السودان.

الأمر الذي أكدته منصة "aeroportist"، التركية، مشيرة إلى "تعاون جديد وهام بين أنقرة والقاهرة"، ناقلة عن مصادر في قطاعي الطيران والأمن، قولهم إن "سماح مصر لتركيا باستخدام منشآتها في الجنوب قد يكون جزءا من اتفاقية لدعم الجيش السوداني بمواجهة الدعم السريع".

وتضم الحدود المصرية الليبية الممتدة من السلوم شمالا إلى العوينات جنوبا 5 قواعد جوية ليبية تعمل منذ عام 1977، تتبع قوات خليفة حفتر حاليا، فيما توجد قاعدة معطن السارة، الواقعة في أقصى جنوب شرق ليبيا، قرب الحدود مع السودان وتشاد والتي تُعتبر مركزا رئيسيا للوجود العسكري الروسي في ليبيا، إلى جانب الجفرة وبراك الشاطئ والقرضابية.

كما أنه ومع دعم الإمارات انقلاب خليفة حفتر عام 2014، منح الأخير أبوظبي وجودا عسكريا في قاعدة الخادم الجوية التي يعود تأسيسها إلى ثمانينيات القرن الماضي، داخل مطار الخاروبة العسكري (شرقي البلاد)، بين مدينتي بنغازي والبيضاء، عام 2016، لتصبح منطلقا للدعم الإماراتي لقوات حفتر، بمواجهة الحكومة الشرعية في طرابلس.

وعلى الجانب المصري، أنشأت مصر سلسلة من القواعد العسكرية الاستراتيجية على حدودها الغربية مع ليبيا، ومنها: قاعدة "محمد نجيب العسكرية" عام 2020، الأكبر في إفريقيا والشرق الأوسط بمدينة الحمام بمحافظة مطروح، إلى جانب قاعدة "3 يوليو البحرية"، عام 2021، بمنطقة جرجوب بمحافظة مطروح، وذلك إلى جانب القواعد القديمة مثل: "حباطة"، و"السلوم"، و"بئر الخمسة".