محمد القرفي.. موسيقار تونسي جعل من التجديد جسرا إلى التراث

لا يختزل إرث محمد القرفي في قائمة من الأعمال أو الأسماء التي تعاون معها، وإنما يمتد إلى تصور للموسيقى بوصفها جزءا من مشروع ثقافي أوسع.. فيسبوك
غيب الموت، الأحد 13 سبتمبر/أيلول، الموسيقار والملحن التونسي محمد القرفي عن عمر ناهز 78 عاما، بعد مسيرة فنية وفكرية امتدت لأكثر من خمسة عقود، تنقل خلالها بين العزف والتلحين والتأليف الموسيقي وقيادة الأوركسترا، وترك خلالها بصمة في الموسيقى والمسرح الغنائي والسينما والتلفزيون، فضلا عن إسهاماته في البحث والكتابة حول الموسيقى.

ونعت وزارة الشؤون الثقافية التونسية القرفي، معتبرة أنه كان من أبرز الموسيقيين المجددين في تونس، وأنه اختار منذ بداياته الفنية طريق البحث والابتكار، بعيدا عن الانسياق وراء الموجات الموسيقية السائدة.

وبرحيله تفقد الساحة الثقافية التونسية أحد الأسماء التي امتد مشروعها من الممارسة الموسيقية إلى التفكير في الموسيقى وتاريخها وأشكالها، ومن الأغنية إلى المسرح الغنائي، ومن الذاكرة الفنية المحلية إلى فضاء عربي أوسع.

من الأوركسترا السنفونية إلى "مجموعة 71"


وُلد محمد القرفي في تونس العاصمة عام 1948، وبدأ مسيرته الموسيقية عام 1969 عازفا على آلة الألتو ضمن الأوركسترا السنفونية التونسية، في مرحلة مبكرة من تشكل تجربته التي ستتخذ لاحقا منحى أكثر انفتاحا على التجريب والبحث.

ولم يكتف القرفي بالعزف، بل اتجه إلى تأسيس "مجموعة 71"، قبل أن يتولى لاحقا قيادة وإدارة فرقة مدينة تونس للموسيقى، وهي محطة أساسية في مساره، أتاحت له العمل مع أسماء متعددة من الشعراء والموسيقيين والمغنين التونسيين.

وخلال هذه المرحلة، تعاون مع الشاعر عبد الحميد خريّف، ومع الفنانين ثامر عبد الجواد وعزيزة بوترعة وأحمد زروق، كما جمعته شراكة فنية مع البشير الدريسي، صديقه وزميله، في عدد من الأعمال المسرحية والأوبرات التي تولى القرفي تصميمها وإخراجها.

وتكشف هذه التجربة المبكرة عن تعدد الأدوار التي شغلها القرفي في المشروع الموسيقي التونسي؛ فلم يكن حضوره مقتصرا على كتابة الألحان، بل جمع بين التأليف والتنفيذ والقيادة الموسيقية والعمل المسرحي.

الموسيقى في خدمة المسرح والسينما والتلفزيون


امتد نشاط القرفي إلى مجالات فنية متعددة، إذ شارك ملحنا ومؤلفا موسيقيا وقائد أوركسترا في أعمال للمسرح والسينما والتلفزيون، كما ارتبط اسمه بتجارب في المسرح الغنائي والأوبرالي.

وكان المسرح بالنسبة إليه مجالا لتوسيع وظيفة الموسيقى، وتحويلها من عنصر مرافق إلى مكوّن أساسي في بناء العرض، وهو ما ظهر في أعماله التي جمع فيها بين الموسيقى والمشهدية والأداء.

كما تعاون مع البشير الدريسي في عدد من الأعمال المسرحية والأوبرات، وهي تجربة عكست اهتمامه بتطوير صيغة فنية تتداخل فيها الموسيقى مع الدراما والغناء والأداء المسرحي.

وفي أعماله المتنوعة، ظل القرفي حاضرا بوصفه ملحنا ومؤلفا موسيقيا وقائدا للأوركسترا في آن واحد، وهي أدوار جعلت تجربته تتجاوز إنتاج الأغنية المنفردة إلى بناء أعمال موسيقية ذات تركيب أوسع.

حضور عربي.. من الرحابنة إلى "أصوات الحرية"


لم تتوقف تجربة القرفي عند حدود المشهد التونسي، إذ انفتح على تجارب وأسماء عربية بارزة، وتعاون مع الرحابنة ومارسيل خليفة وجوليا بطرس وعلي الحجار ضمن برنامج "أصوات الحرية".

ويكشف هذا الحضور العربي عن أحد الجوانب اللافتة في تجربته؛ فقد تعامل مع الموسيقى باعتبارها لغة تتجاوز الحدود الجغرافية، مع احتفاظه في الوقت نفسه بصلته بالتراث والذاكرة الفنية التونسية.

كما ارتبط اسمه بأعمال تبنت قضايا وصفها الوسط الثقافي والفني بالقضايا العادلة، وهو توجه ظهر في عدد من اختياراته الفنية وتعاونه مع شعراء وفنانين حملت أعمالهم مضامين وطنية وإنسانية وقومية.

ومن أبرز ما ميز هذه التجربة أيضا تعامله مع نصوص شعرية لعدد من كبار الشعراء العرب، إذ لحن قصائد لمحمود درويش وأبي القاسم الشابي وأحمد فؤاد نجم وسعيد عقل ومنصور الرحباني ومنور صمادح وسويلمي بوجمعة.

وهكذا التقت في مشروعه نصوص شعرية من أجيال وبيئات مختلفة مع رؤية موسيقية سعت إلى منح القصيدة مساحة جديدة في الأداء والغناء.

"زخارف عربية".. البحث عن صيغة موسيقية خاصة


بعد مغادرته فرقة مدينة تونس للموسيقى، واصل القرفي العمل على مشاريع خاصة، من بينها عروض "زخارف عربية" التي قدمها في عدد من المهرجانات.

وكان هذا المسار امتدادا لاهتمامه بالموسيقى العربية من جهة، وبالبحث عن إمكانات جديدة للتعامل مع عناصرها من جهة أخرى، وهي ثنائية ظلت حاضرة في تجربته بين المحافظة على الذاكرة الموسيقية وإعادة قراءتها فنيا.

ولم يكن التجديد في تجربة القرفي منفصلا عن التراث، بل بدا مرتبطا بمحاولة استعادة عناصر من الذاكرة الموسيقية وإعادة صياغتها ضمن أعمال وعروض تستفيد من إمكانات الأوركسترا والمسرح.

"من قاع الخابية".. عودة إلى ذاكرة الأغنية التونسية


وفي يوليو/تموز 2025، عاد محمد القرفي إلى مهرجان قرطاج الدولي من بوابة عرض "من قاع الخابية"، الذي افتتح الدورة التاسعة والخمسين للمهرجان في 19 يوليو/تموز.

وجاء العرض بمثابة عودة إلى الذاكرة الفنية التونسية، إذ استعاد محطات وأسماء من تاريخ الأغنية والموسيقى في البلاد خلال القرن العشرين، مستحضرا أعمال ملحنين وشعراء وفنانين أسهموا في تشكيل المشهد الموسيقي التونسي.

وأفادت وزارة الشؤون الثقافية حينها بأن العرض يستعرض محطات مهمة من الحياة الفنية في تونس، من خلال أعمال عدد من الملحنين والفنانين الذين أسهموا في إثراء سجل الإبداع التونسي، وشارك فيه الأوركسترا السنفوني التونسي لمسرح الأوبرا إلى جانب عدد من الفنانين والفرقة الوطنية للفنون الشعبية.

وكان القرفي قد اختار في هذا العمل أن يعود إلى الذاكرة الموسيقية، مستعيدا أعمال أسماء مثل خميس الترنان ومحمد التريكي ومحمد الجموسي وعلي الرياحي والهادي الجويني وعبد الحميد السلايتي وصالح الخميسي.

وبذلك حمل "من قاع الخابية" دلالة خاصة في مسيرة صاحبه؛ فآخر أعماله الكبرى جاء احتفاء بتاريخ الموسيقى التي تشكل جزءا من الذاكرة الثقافية التونسية، وكأن التجربة الطويلة عادت في نهايتها إلى أحد منابعها الأساسية: التراث الموسيقي المحلي.

باحث في الموسيقى إلى جانب كونه فنانا


لم يكن القرفي موسيقيا ممارسا فحسب، بل اهتم أيضا بالبحث والكتابة، وترك عددا من المؤلفات والدراسات التي تناولت الموسيقى من زوايا تاريخية وفنية ونظرية.

ومن أبرز كتبه "الأشكال الآلاتية في الموسيقى الكلاسيكية بتونس" الصادر عام 1996، و"صفحات من الموسيقى العالمية" عام 1997، ثم "المسرح الغنائي العربي" عام 2009، إضافة إلى ترجمة حول الموسيقى العربية لأنطونان لافاج صدرت عام 2006.

وتضيف هذه المؤلفات بعدا آخر إلى إرثه، إذ تكشف عن اهتمام لم يتوقف عند صناعة الموسيقى، وإنما امتد إلى دراسة أشكالها وتاريخها وعلاقتها بالمسرح وبالمشهد الثقافي الأوسع.

ومن هنا تبدو تجربة القرفي متعددة المستويات: فهناك الفنان الذي يعزف ويؤلف ويلحن، وقائد الأوركسترا الذي يشتغل على التوزيع والأداء الجماعي، والمسرحي الذي يتعامل مع الموسيقى باعتبارها جزءا من بنية العرض، والباحث الذي يحاول توثيق جوانب من تاريخ الموسيقى.

أكثر من خمسة عقود في البحث والتجديد


امتدت مسيرة محمد القرفي منذ عام 1969، عندما بدأ عازفا في الأوركسترا السنفونية التونسية، وصولا إلى عرض "من قاع الخابية" في قرطاج عام 2025، أي أكثر من خمسة عقود ظل خلالها حاضرا في المشهد الموسيقي التونسي والعربي.

وخلال هذه العقود، تغيرت الأدوار التي اضطلع بها، لكن الخيط الناظم لتجربته ظل مرتبطا بالبحث عن صيغ جديدة للتعبير الموسيقي، وبمحاولة وصل التراث بالتجديد.

وإذا كانت وزارة الشؤون الثقافية قد وصفته ضمن الموسيقيين المجددين، فإن مساره العملي يقدم شواهد متعددة على هذا التوجه، من تأسيس "مجموعة 71"، إلى قيادة فرقة مدينة تونس للموسيقى، والعمل في المسرح والأوبرا، والتعاون العربي، ثم العودة في آخر أعماله إلى استعادة الذاكرة الموسيقية التونسية.

إرث يتجاوز الألحان


لا يختزل إرث محمد القرفي في قائمة من الأعمال أو الأسماء التي تعاون معها، وإنما يمتد إلى تصور للموسيقى بوصفها جزءا من مشروع ثقافي أوسع.

فقد اشتغل على الأغنية، لكنه اشتغل أيضا على المسرح الغنائي، والأوبرا، والموسيقى الأوركسترالية، والأعمال السينمائية والتلفزيونية، والبحث الموسيقي، فيما ظل حاضرا في مشاريع تستعيد الذاكرة الفنية وتعيد تقديمها للأجيال الجديدة.

وكانت علاقته بالشعر إحدى أبرز مساحات هذا التداخل، إذ نقل نصوصا لشعراء من مدارس وتجارب مختلفة إلى فضاء التلحين، من درويش والشابي إلى أحمد فؤاد نجم وسعيد عقل ومنصور الرحباني، بما جعل القصيدة عنصرا أساسيا في جانب من مشروعه الموسيقي.

كما أن تعاونه مع أسماء عربية مثل الرحابنة ومارسيل خليفة وجوليا بطرس وعلي الحجار وضع تجربته ضمن حركة أوسع للموسيقى العربية، في وقت كانت فيه العلاقة بين الأغنية والمسرح والقضية والهوية الثقافية تتخذ أشكالا متعددة.

رحيل فنان ترك ذاكرة موسيقية


برحيل محمد القرفي، تخسر تونس موسيقيا جمع في تجربته بين العزف والتلحين والتأليف وقيادة الأوركسترا والبحث الأكاديمي والعمل المسرحي، بينما تخسر الساحة العربية فنانا امتد حضوره إلى تجارب وأسماء خارج بلده.

وقد شكلت السنوات الأخيرة من حياته امتدادا لهذا المسار، لا قطيعة معه؛ فكان "من قاع الخابية" في قرطاج عام 2025 عودة إلى الموسيقى التونسية وذاكرتها، في عمل استعاد أسماء وألحانا من تاريخ البلاد الفني.

وبين بدايته عازفا على آلة الألتو عام 1969 ونهايته واحدا من أبرز الموسيقيين المجددين في تونس، ترك القرفي مسارا فنيا يصعب وضعه في خانة واحدة. فقد كان موسيقيا ومؤلفا وملحنا وقائدا للأوركسترا وباحثا في الموسيقى، وظل طوال مسيرته منشغلا بالسؤال نفسه: كيف يمكن للتراث أن يبقى حيا من دون أن يتحول إلى قالب جامد، وكيف يمكن للتجديد أن ينطلق من الذاكرة لا أن يقطع صلته بها؟

ذلك الإرث، بما يحمله من أعمال موسيقية ومسرحية وكتابات ودراسات وتجارب عربية، يبقى أحد وجوه الذاكرة الثقافية التي تركها محمد القرفي وراءه، بعد أكثر من نصف قرن من العمل في الموسيقى والفن والثقافة.