رحبت صحيفة "
الغارديان" بالتحول الجديد في سياسة
بريطانيا تجاه
الاحتلال الإسرائيلي، معتبرة أن إعلان وزير الخارجية إد ميليباند اتخاذ إجراءات اقتصادية ضد المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية يمثل واحدة من أشد الإدانات لسلوك تل أبيب في الأراضي
الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة.
وقالت الصحيفة في افتتاحيتها الثلاثاء، إن بريطانيا تقف الآن على رأس ائتلاف من 12 دولة يبحث فرض قيود اقتصادية على المستوطنات، فيما تعهدت بريطانيا وفرنسا وكندا بفرض حظر تجاري على منتجات المستوطنات.
وربطت الصحيفة هذه الخطوة بتصاعد هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، والمضي في مشروع الاستيطان بمنطقة E1، معتبرة أن المشروع يهدد بتقسيم الضفة الغربية ودفن إمكانية إقامة دولة فلسطينية.
واعتبرت "الغارديان" أن إعلان ميليباند أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، انسجاماً مع رأي محكمة العدل الدولية الصادر عام 2024، هو الجانب الأكثر أهمية في السياسة الجديدة، لكنها شددت على أن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرة الحكومة البريطانية على تحويل موقفها إلى إجراءات شاملة وملموسة.
وتاليا الترجمة الكاملة لافتتاحية "الغارديان":
نـادراً ما بدا مجلس العموم البريطاني في السنوات الأخيرة وكأنه مسرح لصناعة التاريخ، لكنه بدا كذلك يوم الثلاثاء. فقد وضعت بريطانيا، على لسان وزير خارجيتها إد ميليباند، نفسها على رأس تحالف يضم 12 دولة تدرس فرض قيود اقتصادية على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، حيث التزمت كل من المملكة المتحدة وفرنسا وكندا بفرض حظر تجاري على المستوى الوطني.
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب تصاعد وتيرة الهجمات التي يشنها مستوطنون إسرائيليون على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية. ويبدو أن الرأي العام الدولي قد شهد تحولاً حاسماً بعد أن أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لبناء 1200 وحدة سكنية في منطقة "E1" الاستيطانية، وهو مشروع من شأنه شطر الضفة الغربية إلى قسمين، مستخدماً المستوطنات غير القانونية للقضاء نهائياً على فرص قيام الدولة الفلسطينية. وأضاف ميليباند أن الأدلة على ارتكاب جرائم حرب في غزة تتزايد، مما يعزز الحاجة الملحة -التي طال انتظارها- لأن تعيد بريطانيا صياغة علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل.
وقد أكد ميليباند -وهو يهودي فقد أكثر من 60 من أقاربه على يد النازيين- أنه يعتبر نفسه صديقاً لإسرائيل، لكنه يرى بوضوح أن الأصدقاء يجب أن يتصارحوا فيما بينهم. لقد وجه ميليباند ما يمكن اعتباره أقوى إدانة رسمية بريطانية للسلوك الإسرائيلي في التاريخ الحديث، مصرحاً بأن "تطهيراً عرقياً" يجري في الضفة الغربية، ومتهماً أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بدعم التهجير القسري.
ولعل الخطوة الأهم التي اتخذها ميليباند هي الإعلان رسمياً عن عدم قانونية احتلال الأراضي الفلسطينية، تماشياً مع الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024. ويأتي قرار حظر الاستيراد كنتيجة منطقية لهذا الموقف، غير أن الممارسات الخاصة للشركات يجب أن تتغير أيضاً؛ إذ قد تجد الشركات البريطانية نفسها قريباً مضطرة للتساؤل عما إذا كانت تجني أرباحاً من احتلال غير قانوني -أو تساهم في استمراره-.
وتأكيداً على هذه النقطة، تعهد وزير الخارجية أيضاً باتخاذ إجراءات ضد الجهات التي تقدم خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل؛ لأن حظر السلع وحدها لن يمس الأنشطة التجارية التي تدعم المستوطنات غير القانونية. كما التزم باستهداف المستوطنين المتطرفين ورفض منح تراخيص لبيع الأسلحة التي "تساهم في الاحتلال". من خلال فرض عقوبات متزامنة على إيران وحزب الله، تبعث المملكة المتحدة برسالة مفادها أنها تدرك التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وفي الوقت نفسه تعارض ممارساتها غير القانونية.
لا أحد يستطيع اتهام السيد ميليباند بالتهرب من المواجهة؛ إذ ستخضع تصريحاته لتدقيق دقيق من جانب إدارة ترامب، التي لطالما دعمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ومما لا شك فيه أن الانخراط في تحالف دولي سيساعد في حماية بريطانيا من غضب الولايات المتحدة. ومع ذلك، حذّر مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، من أن بعض الولايات الأمريكية -مثل فلوريدا- قد تفرض عقوبات على الحكومات الأجنبية التي تُعتبر مقاطعةً لإسرائيل.
تأتي الخطوة البريطانية في خضم حملة انتخابية إسرائيلية؛ حيث لا تمنح استطلاعات الرأي تقدماً مستمراً لأي من ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف أو المعارضة. وفي موقف مثير للاستغراب، ادعى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ -وهو شخصية يُفترض أن تنأى بنفسها عن الصراعات السياسية- أن السيد ميليباند يتدخل في الانتخابات، وكأن الحملة الانتخابية بحد ذاتها يمكن أن تبرر التطهير العرقي. وقد أغلقت إسرائيل القنصلية البريطانية في القدس كخطوة أولى للرد.
إن إعلان يوم الثلاثاء يستحق الترحيب؛ فقد أظهر السيد ميليباند شجاعة معهودة. لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن فيما قاله، بل فيما سيطبقه فعلياً في الأسابيع والأشهر المقبلة. فهو يعد بفرض "نظام عقوبات" يستهدف "الشركات والأفراد" الذين يدعمون المستوطنات. لقد أقرت بريطانيا بمبدأ ضرورة قطع العلاقات التجارية التي تدعم احتلالاً غير قانوني، ويتمثل التحدي الآن فيما إذا كان السيد ميليباند قادراً على تحويل هذا المبدأ إلى حظر شامل، بدلاً من الاكتفاء بقائمة سوداء رمزية.