بينما تقترب حركة الملاحة
عبر
مضيق هرمز من التوقف شبه الكامل بسبب الحرب والتوترات العسكرية في الخليج، بدأت
حركة السفن عبر
قناة السويس المصرية في التحسن تدريجيًا، في مفارقة قد تبدو للوهلة
الأولى غير منطقية.
لم تكن قناة السويس
في نهاية آب / أغسطس 2026 قد استعادت حركة الملاحة التي كانت تتمتع بها قبل أزمة البحر
الأحمر، لكنها سجلت في الأسابيع الأخيرة مؤشرات واضحة على تحسن تدريجي في أعداد السفن
العابرة، خصوصًا سفن الحاويات.
قناة السويس تستعيد
جزءًا من حركة التجارة التي فقدتها لصالح طريق رأس الرجاء الصالح، بينما تعيد أزمة
هرمز في الوقت نفسه تشكيل طرق نقل النفط والغاز عالميًا.
قناة السويس تتحسن..
ولكنها لم تتعافَ
أحدث البيانات المتاحة
حتى نهاية آب / أغسطس تظهر استمرار الارتفاع التدريجي في حركة قناة السويس، فبحسب
شركة "لويدز
ليست إنتليجنس"، المختصة في
الملاحة البحرية والتجارة الدولية، سجلت عمليات العبور
عبر القناة خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 23 آب / أغسطس الماضي أعلى مستوى لها
منذ الأسابيع الأربعة المنتهية في 4 شباط / فبراير 2024، أي بعد فترة قصيرة من بدء
هجمات الحوثيين التي دفعت شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر.
لكن هذا التحسن لا
يعني عودة القناة إلى وضعها الطبيعي؛ إذ بقيت حركة العبور خلال الفترة نفسها أقل بنحو
40 بالمئة من مستويات ما قبل هجمات الحوثيين.
ما الذي يتحسن تحديدًا؟
التحسن الحالي ليس
متساويًا بين جميع أنواع السفن، فخلال الأسبوع من 17 إلى 23 آب / أغسطس، ارتفع إجمالي
حركة المرور في قناة السويس بنسبة 5.8 بالمئة على أساس أسبوعي.
وبحسب شركة "لويدز
ليست إنتليجنس"، كانت الزيادة الأكبر بين سفن البضائع السائبة، التي ارتفعت عبوراتها
بنسبة 22.2 بالمئة، وسفن الحاويات التي ارتفعت بنسبة 15.4 بالمئة.
في المقابل، انخفض
عبور ناقلات النفط بنسبة 3.8 بالمئة، بينما ظلت حركة ناقلات الغاز مستقرة تقريبًا.
وتكشف هذه الأرقام
أن المحرك الأساسي للتحسن الحالي هو التجارة والسلع وسفن الحاويات، وليس عودة ضخمة
لناقلات النفط.
عودة سفن الحاويات
التطور لم يعد مجرد
قراءة لبيانات تتبع السفن، ففي 30 آب / أغسطس الماضي، قال الفريق أسامة ربيع، رئيس
هيئة قناة السويس، إن التقارير الملاحية للقناة رصدت تعافيًا تدريجيًا في معدلات عبور
سفن الحاويات.
وأوضح أن ذلك يأتي
في ظل عودة خدمات عدد من الخطوط الملاحية الكبرى إلى العبور عبر قناة السويس بدلًا
من الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح.
لماذا بدأت بعض الشركات تعود إلى قناة السويس؟
السبب الرئيسي هو أن
طريق قناة السويس يظل أقصر بكثير بالنسبة لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا من طريق الدوران
حول رأس الرجاء الصالح، وهذا يعني أن العودة إلى السويس يمكن أن توفر وقتًا ومسافة
ووقودًا وتكاليف تشغيلية، لكن بشرط أن ترى شركات الشحن أن مستوى المخاطر في البحر الأحمر
وباب المندب أصبح مقبولًا.
وأكدت
هيئة قناة السويس
أن عودة خدمات الخطوط الملاحية الكبرى إلى القناة تمثل أحد أبرز أسباب التحسن الحالي.
وفي 22 آب / أغسطس،
أعلنت الهيئة عبور سفينة الحاويات العملاقة "بانكوك ميرسك" للمرة الأولى
عبر قناة السويس. ويبلغ طول السفينة 350 مترًا، وعرضها 56 مترًا، وتبلغ حمولتها
190 ألف طن، وتصل طاقتها الاستيعابية إلى 17,200 حاوية مكافئة.
وكانت السفينة تعمل
ضمن خدمة "إيه إي 7" التي تربط موانئ آسيا بموانئ شمال أوروبا والبحر المتوسط.
حالة منفردة
وأشارت
هيئة قناة السويس
إلى أن سفن شركة "ميرسك" شهدت زيادة ملحوظة في معدلات العبور اليومية، في
مؤشر على استعادة عدد من الخدمات الملاحية العاملة بين أوروبا وآسيا.
كما أشارت شركة
"لويدز ليست إنتليجنس" إلى أن تعاون "ميرسك" و"هاباغ-لويد"
ضمن شبكة "جيميني" بدأ يعيد مزيدًا من الخدمات إلى قناة السويس منذ فبراير.
وفي الوقت نفسه، أعلنت
شركة "إم إس سي" استئناف عدد محدود من الرحلات بين الشرق والغرب عبر قناة
السويس بعد مراجعة الظروف الأمنية والتشغيلية.
لكن هذه العودة لا
تزال حذرة؛ إذ تؤكد شركة "لويدز ليست إنتليجنس" أن قرارات شركات النقل البحري
بالعودة إلى البحر الأحمر لا تزال مؤقتة وقابلة للعكس بسبب استمرار المخاطر الأمنية.
القناة تستعيد تجارة..
وليس تجارة هرمز
عندما اضطرت شركات
الشحن إلى الابتعاد عن البحر الأحمر خلال أزمة هجمات الحوثيين، تحولت نسبة كبيرة من
خدمات آسيا-أوروبا إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
ومع تحسن الظروف الأمنية
نسبيًا، بدأت بعض هذه الخدمات تعود إلى طريق البحر الأحمر وقناة السويس.
وبحسب شركة
"لويدز
ليست إنتليجنس"، عادت أكثر من 30 بالمئة من أحجام التجارة بين آسيا وأوروبا التي
كانت قد تحولت إلى طريق رأس الرجاء الصالح إلى قناة السويس.
الأزمة أكبر من أرقام
أغسطس
في عام 2023، سجلت
القناة عبور 26,434 سفينة، وهو أعلى رقم سنوي في تاريخ القناة، كما بلغت الحمولات الصافية
1.568 مليار طن، ووصلت الإيرادات إلى 10.250 مليار دولار، وهو أعلى إيراد سنوي في تاريخ
القناة.
لكن في عام 2024، تراجعت
حركة السفن إلى 13,213 سفينة، بانخفاض قدره 50 بالمئة مقارنة بعام 2023، كما هبطت الحمولات
الصافية إلى نحو 525 مليون طن، بانخفاض قدره 66.5 بالمئة، بينما تراجعت الإيرادات إلى
3.991 مليار دولار، بانخفاض 61 بالمئة.
وتؤكد بيانات
هيئة
قناة السويس عن عام 2025 استمرار الفجوة، فقد سجلت القناة خلال العام 12,758 سفينة،
مقابل 13,213 سفينة في 2024، بانخفاض قدره 3.4 بالمئة.
وبلغت
الحمولات الصافية
522.1 مليون طن، مقابل 524.5 مليون طن في 2024، بانخفاض 0.5 بالمئة. وفي الوقت نفسه،
ارتفعت حركة البضائع العابرة للقناة بمقدار 6.6 مليون طن، أي بنسبة 1.4 بالمئة.
وتراجعت سفن الحاويات
بنسبة 3.1 بالمئة خلال العام، بينما ارتفعت ناقلات البترول بنسبة 1.5 بالمئة، وناقلات
الغاز الطبيعي بنسبة 132.4 بالمئة.
التحسن بدأ قبل أزمة
هرمز
بدأ التحسن في قناة
السويس قبل أزمة إغلاق هرمز، حيث سجلت هيئة قناة السويس بالفعل تحسنًا في النصف الأول
من العام المالي 2025 / 2026.
وبحسب الهيئة، ارتفع
عدد السفن العابرة بنسبة 5.8 بالمئة، وزادت الحمولات الصافية بنسبة 16 بالمئة، كما
ارتفعت الإيرادات بنسبة 18.5 بالمئة مقارنة بالنصف الأول من العام المالي السابق.
كما سجلت القناة منذ
بداية عام 2026 وحتى وقت إعلان الهيئة تلك البيانات عبور 1,315 سفينة بحمولات صافية
قدرها 56 مليون طن وإيرادات بلغت 449 مليون دولار، مقابل 1,243 سفينة و47 مليون طن
وإيرادات قدرها 368 مليون دولار في الفترة المقابلة.
ما بعد هرمز
وبحسب
وكالة الطاقة
الدولية، مر عبر المضيق خلال عام 2025 متوسط يقارب 20 مليون برميل يوميًا من النفط
الخام والمنتجات النفطية.
وهذا يعادل نحو 25
بالمئة من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، لكن هرمز لا يحمل "خمس التجارة
العالمية" بالمعنى العام؛ فالرقم يتعلق بتجارة النفط المنقولة بحرًا.
وقالت وكالة الطاقة
الدولية إن نحو 80 بالمئة من النفط والمنتجات النفطية التي تمر عبر مضيق هرمز تتجه
إلى آسيا، وفي عام 2025، مر عبر المضيق قرابة 15 مليون برميل يوميًا من النفط الخام،
أي نحو 34 بالمئة من تجارة الخام العالمية.
كما استحوذت الصين
والهند وحدهما على 44 بالمئة من صادرات الخام التي مرت عبر هرمز خلال العام نفسه، أما
أوروبا، فكانت حصتها من تدفقات الخام الإقليمية التي تمر عبر المضيق نحو 600 ألف برميل
يوميًا، أي قرابة 4 بالمئة فقط.
فما علاقة هرمز بتحسن
قناة السويس؟
العلاقة ليست في انتقال
السفن من هرمز إلى السويس، وإنما في إعادة تشكيل شبكة النقل البحري والطاقة.
ويعد أحد الأمثلة هو
النفط السعودي، فمع اضطراب الملاحة في هرمز، زادت السعودية من عمليات نقل النفط خارج
المضيق باستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة الفجيرة وصحار.
وقالت
رويترز إن ما
لا يقل عن 4 ملايين برميل من النفط السعودي بيعت إلى الصين خلال آب / أغسطس عبر هذه
العمليات.
إعادة ترتيب مسارات
النفط تخلق رحلات أطول
وأشارت "لويدز
ليست إنتليجنس" إلى أن اضطرابات هرمز والبحر الأحمر تدفع بعض مالكي ناقلات النفط
إلى عمليات نقل ومسارات أطول، وهو ما يزيد ما يعرف في صناعة الشحن باسم "طن-ميل"،
أي حجم البضائع مضروبًا في المسافة التي تقطعها.
وأدت هذه العمليات
إلى إشغال مزيد من الناقلات لفترات أطول بسبب الانتظار وإعادة التموضع وعمليات النقل
بين السفن، ومن بين المسارات التي تستفيد من هذه التحولات مسار النفط السعودي عبر ينبع
– سوميد – سيدي كرير، وهو مسار يرتبط مباشرة بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وتستفيد قناة السويس
من إعادة ترتيب مسارات الطاقة والتجارة، ومن استخدام بعض الناقلات لمسارات البحر الأحمر
والسويس، كما يمكن أن تستفيد من عودة خدمات آسيا-أوروبا التي كانت تدور حول أفريقيا،
لكنها لا تحصل تلقائيًا على تجارة النفط التي كانت تمر عبر هرمز.
وفي المقابل، يمكن
أن تتحول أزمة هرمز إلى عامل سلبي على قناة السويس إذا أدت إلى ارتفاع أسعار النفط
والوقود والتأمين وتكاليف الشحن، أو إلى تباطؤ التجارة العالمية.
باب المندب.. الحلقة
التي تحدد مستقبل السويس
يعد باب المندب صاحب
التأثير الأكبر على مستقبل قناة السويس، وحتى إذا لم تكن هناك مشكلة مباشرة في قناة
السويس نفسها، فإن السفن القادمة من آسيا عبر البحر الأحمر تحتاج إلى المرور من باب
المندب.
ولهذا فإن تحسن حركة
باب المندب يمثل مؤشرًا مهمًا على إمكانية استمرار عودة شركات الشحن إلى قناة السويس.
وأشارت بيانات
"لويدز ليست إنتليجنس" إلى أن حركة باب المندب خلال الأسبوع من 17 إلى
23 آب / أغسطس ارتفعت؛ إذ زادت عبورات الناقلات بنسبة 13.6 بالمئة، وسفن الحاويات بنسبة
10 بالمئة، وسفن البضائع السائبة بنسبة 12.2 بالمئة.