بحث رئيس هيئة أركان الجيش التركي سلجوق
بيرقدار أوغلو، الإثنين، مع رئيس أركان القوات المسلحة
السودانية ياسر العطا،
العلاقات العسكرية بين البلدين، في لقاء جرى بمقر رئاسة الأركان التركية في
العاصمة أنقرة، في أحدث مؤشر على استمرار الاتصالات رفيعة المستوى بين أنقرة
والقيادة العسكرية السودانية في ظل الحرب المستمرة في السودان.
وأقيمت للعطا مراسم استقبال رسمية لدى وصوله
مقر رئاسة الأركان، تضمنت عزف النشيدين الوطنيين التركي والسوداني، قبل أن يؤدي
التحية العسكرية لمنصة الشرف، ثم انتقل المسؤولان إلى اجتماع ثنائي مغلق.
ولم تعلن تفاصيل إضافية عن الملفات التي
ناقشها الجانبان، لكن اللقاء يأتي في سياق مساع تركية معلنة لتطوير العلاقات مع
السودان، بما في ذلك التعاون الدفاعي، بالتوازي مع تأكيد أنقرة دعمها لوحدة
السودان وسيادته وسلامة أراضيه وسعيها إلى وقف الحرب.
لقاء عسكري في توقيت حساس
يكتسب اجتماع بيرقدار أوغلو والعطا أهمية
تتجاوز البروتوكول العسكري، بالنظر إلى توقيته وطبيعة المرحلة التي يمر بها
السودان، حيث تدخل الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الرابع، وسط
تداعيات إنسانية وأمنية وإقليمية واسعة.
ويشغل العطا منصبا قياديا في القوات المسلحة
السودانية، وبرز خلال الحرب بوصفه أحد كبار القادة العسكريين في معسكر الجيش. وفي
تموز/يوليو الماضي، شارك في اجتماع عسكري رفيع المستوى في الرياض بحث إنشاء تحالف
متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب قادة ومسؤولين
عسكريين من دول عدة.
أما بيرقدار أوغلو، فيقود رئاسة الأركان
التركية في وقت تعمل فيه أنقرة على توسيع علاقاتها الدفاعية والأمنية في محيطها
الإقليمي، مع اهتمام متزايد بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي وأمن الممرات البحرية.
علاقات تتجاوز التعاون العسكري
لا تنفصل المحادثات العسكرية الأخيرة عن
مسار سياسي ودبلوماسي أوسع بين أنقرة والخرطوم. فتركيا تعد من أوائل الدول
التي اعترفت باستقلال السودان عام 1956، وافتتحت سفارتها في الخرطوم عقب
الاستقلال، فيما تصف وزارة الخارجية التركية السودان بأنه أحد أهم شركائها في
أفريقيا، مستندة إلى روابط تاريخية ودينية وثقافية وإلى سلسلة من الزيارات
والاتفاقيات الثنائية.
وشكلت
زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
إلى السودان في كانون الأول/ديسمبر 2017 محطة بارزة في العلاقات الثنائية، إذ وقعت
خلالها 12 اتفاقية وبروتوكولا ومذكرة تفاهم، بينها إعلان إنشاء آلية للتعاون
الاستراتيجي رفيع المستوى.
ومنذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023،
حافظت أنقرة على اتصالاتها مع القيادة السودانية، وأعلنت في أكثر من مناسبة دعمها
لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، إلى جانب دعوتها إلى وقف إطلاق النار
واستئناف المسار السياسي.
أردوغان والبرهان.. دعم لوحدة السودان
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد
استقبل رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في أنقرة في 2 حزيران/يونيو
2026، وبحث الجانبان العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وأكد أردوغان خلال اللقاء أن
تركيا تواصل
جهودها لوقف إراقة الدماء في السودان، وأن العمل مستمر لتطوير العلاقات في مجالات
عدة، بينها التجارة والزراعة والطاقة والدفاع. كما شدد على أهمية دعم السودان في
مواجهة الأزمة التي يعيشها.
وجاء لقاء البرهان مع أردوغان بعد اتصالات
تركية متواصلة مع الخرطوم، فيما استقبل الرئيس التركي في أيار/مايو الماضي رئيس
الوزراء السوداني كامل إدريس، وأكد خلال اللقاء دعم أنقرة لسيادة السودان ووحدة
أراضيه، ودعمها الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لوقف إطلاق النار وإطلاق
عملية سياسية شاملة.
وفي اتصال هاتفي سابق مع البرهان في
آذار/مارس، أكد أردوغان أن بلاده تولي أهمية لوحدة السودان السياسية وسلامة
أراضيه، وأنها تتابع عن كثب جهود الجيش السوداني لتوفير الأمن، مع استمرار الدعم
والمساعدات الإنسانية التركية.
الدفاع في صلب الشراكة
ويأتي اجتماع رئيسي الأركان في سياق جعل
الدفاع أحد المحاور الرئيسية في تطوير العلاقات التركية السودانية. فخلال لقاء أردوغان
والبرهان في كانون الأول/ديسمبر 2025، أكدت الرئاسة التركية أن التعاون بين
البلدين مرشح للتوسع في مجالات عدة، بينها التجارة والزراعة والصناعات الدفاعية
والتعدين. كما شدد أردوغان آنذاك على رغبة بلاده في إحلال السلام والاستقرار
والحفاظ على وحدة الأراضي السودانية، داعيا إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.
وفي حزيران/يونيو 2026، قال السفير التركي
لدى السودان فاتح يلدز إن بلاده تنظر بقلق إلى هجمات قوات الدعم السريع، ودعا
المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات ملموسة تجاه الجهات الخارجية التي تقدم دعما
للقوات شبه العسكرية. كما أشار إلى فرص إعادة الإعمار والاستثمار في السودان.
وتعكس هذه المواقف أن المقاربة التركية تجاه
السودان تجمع بين البعد السياسي والدبلوماسي، والدعم الإنساني، والسعي إلى الحفاظ
على علاقات دفاعية وأمنية وثيقة مع مؤسسات الدولة السودانية.
تركيا والسلاح في الحرب السودانية
وتأتي العلاقات الدفاعية بين البلدين في ظل
تقارير دولية تناولت وصول معدات عسكرية تركية إلى الجيش السوداني خلال الحرب.
وفي آذار/مارس 2025، نشرت صحيفة «واشنطن
بوست» تحقيقا قالت فيه إن شركة "بايكار" التركية، المصنعة للطائرات
المسيّرة، أرسلت إلى الجيش السوداني طائرات مسيرة وصواريخ، وقدرت قيمة الأسلحة
التي وصلت إلى الجيش السوداني بما لا يقل عن 120 مليون دولار، استنادا إلى وثائق
وعقود وشهادات قالت الصحيفة إنها حصلت عليها وحققت في جزء منها.
وتحدث التحقيق عن طائرات "بيرقدار TB2" ومعدات وذخائر أخرى،
كما أشار إلى وجود فريق تابع للشركة في السودان لمتابعة عملية التسليم.
وتشكل هذه التقارير جزءا من سياق أوسع يتعلق
بتدويل الحرب السودانية وتعدد الأطراف الخارجية المنخرطة فيها، سواء عبر الدعم
السياسي أو العسكري أو اللوجستي، وهو ما جعل الصراع السوداني مرتبطا بصورة متزايدة
بالتنافس الإقليمي على النفوذ والأمن في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
أنقرة والبحر الأحمر
ويمنح الموقع الجغرافي للسودان أهمية خاصة
في الحسابات التركية، إذ يمتلك ساحلا طويلا على البحر الأحمر، ويقع بالقرب من واحد
من أهم الممرات البحرية في العالم.
وكانت تركيا قد سعت خلال السنوات الماضية
إلى تعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فيما تمثل العلاقات مع السودان
جزءا من شبكة أوسع من العلاقات التركية في المنطقة.
وتتزامن زيارة العطا مع نقاشات إقليمية
متزايدة حول أمن البحر الأحمر وحماية الملاحة البحرية، خصوصا في ظل التوترات التي
شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ومن اللافت أن العطا شارك قبل أسابيع في
اجتماع عسكري بالرياض حول تشكيل تحالف لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب
وخليج عدن، وهو ملف يكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة إلى تركيا التي تنظر إلى أمن
طرق التجارة والطاقة البحرية باعتباره جزءا من أمنها الاقتصادي والإقليمي.
الحرب تعيد ترتيب العلاقات الإقليمية
منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات
الدعم السريع، تحول السودان إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.
وتحظى الحرب باهتمام خاص من دول الجوار
والقوى المطلة على البحر الأحمر، في ظل مخاوف من تمدد آثارها إلى الدول المحيطة،
وتدفق اللاجئين، وتنامي نشاط الجماعات المسلحة، وتهديد طرق التجارة والملاحة.
وفي هذا السياق، تبرز تركيا باعتبارها دولة
تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع مؤسسات الدولة السودانية، مع تقديم نفسها في
الوقت نفسه كطرف يدعم الحل السياسي ووقف الحرب.
وقد أكد أردوغان في أكثر من مناسبة أن أنقرة
تريد إنهاء القتال، فيما تقول وزارة الخارجية التركية إن تركيا تدعو جميع الأطراف
إلى إنهاء الصراع المستمر منذ نيسان/أبريل 2023 وتحقيق السلام والاستقرار في
السودان.
تقارب مع الخرطوم في مرحلة ما بعد الحرب
ولا يعني اللقاء العسكري في أنقرة، في حد
ذاته، الإعلان عن اتفاق دفاعي جديد أو صفقة تسليح محددة، إذ لم يصدر حتى الآن
إعلان رسمي عن مخرجات الاجتماع أو تفاصيل الملفات التي ناقشها بيرقدار أوغلو
والعطا.
لكن عقد اللقاء في مقر رئاسة الأركان
وبمراسم استقبال رسمية، إلى جانب تزامنه مع سلسلة اتصالات سياسية ودبلوماسية رفيعة
المستوى بين البلدين، يعكس استمرار مستوى مرتفع من التواصل بين أنقرة والخرطوم.
ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه الأطراف
السودانية، في حال التوصل إلى تسوية للحرب، لمرحلة شديدة التعقيد تتعلق بإعادة
بناء مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية والبنية التحتية المدمرة.
ومن المرجح أن يكون التعاون الدفاعي أحد
الملفات المطروحة في أي تصور مستقبلي لإعادة بناء القدرات العسكرية السودانية،
خصوصا في ظل الخبرة التركية المتنامية في الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة
والتدريب والتعاون العسكري.
غير أن طبيعة هذا التعاون ستظل مرتبطة
بتطورات الحرب وبالمسار السياسي السوداني، فضلا عن المواقف الدولية والإقليمية من
أي ترتيبات عسكرية جديدة.
اجتماع بلا تفاصيل.. لكن برسائل واضحة
وبينما لم يكشف الجانب التركي أو السوداني
عن تفاصيل الاجتماع المغلق، فإن توقيته وموقعه والمستوى الذي انعقد به يحملان
رسائل سياسية وعسكرية واضحة.
فأنقرة تؤكد من خلال استمرار استقبال كبار
المسؤولين السودانيين أنها ماضية في الحفاظ على علاقاتها مع الخرطوم، فيما يعكس
حضور قائد عسكري سوداني بارز إلى مقر رئاسة الأركان التركية اهتماما متبادلا
بتعزيز قنوات الاتصال العسكرية.
وفي ظل حرب لم تضع أوزارها بعد، وأزمة
إنسانية تعد من الأكبر عالميا، تبدو العلاقات التركية السودانية أمام مرحلة جديدة
تتداخل فيها ملفات الدفاع والأمن والبحر الأحمر وإعادة الإعمار، إلى جانب المساعي
السياسية لإنهاء الحرب.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه
الاتصالات ستقود إلى ترتيبات عسكرية أو دفاعية جديدة، أم ستظل في إطار التشاور
والتنسيق الذي تصفه أنقرة بأنه جزء من شراكة أوسع مع السودان.
وفي غياب إعلان رسمي عن نتائج الاجتماع، فإن
المؤكد أن لقاء بيرقدار أوغلو والعطا يمثل أحدث حلقة في مسار تركي سوداني آخذ في
التوسع، ويأتي في وقت تتجه فيه أنقرة إلى تثبيت حضورها في ملفات الأمن والدفاع
الإقليمية، بينما يبحث السودان عن شركاء لإعادة بناء مؤسساته وقدراته بعد سنوات
الحرب.