أظهرت دول صغيرة
مثل
قطر وعُمان وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان قدرة متزايدة على التأثير في
ملفات دولية وإقليمية تتجاوز حجمها السياسي والاقتصادي، مستفيدة من أوراق قوة
مختلفة تشمل الطاقة والوساطة والموقع الجغرافي وطرق التجارة والعلاقات الدبلوماسية.
أكدت صحيفة "فايننشال
تايمز"، في مقال للزميل غير المقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي زوار شريف،
أن هذه الدول تمثل نموذجاً لما وصفه الكاتب بـ"القوى المتوسطة المصغرة"،
وهي دول ذات نفوذ إجمالي محدود، لكنها تتمتع بتأثير حقيقي في مجالات محددة، مثل الطاقة
وخطوط النقل والأمن الإقليمي والوساطة والتمويل والتكنولوجيا والجغرافيا، أو تمتلك
قدرة على الوصول إلى جهات يصعب على القوى الكبرى التواصل معها.
وأشارت الصحيفة إلى
أن الاهتمام بالقوى المتوسطة ازداد بشكل ملحوظ منذ خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني
في دافوس خلال يناير/كانون الثاني، مع تزايد التساؤلات حول قدرة دول مثل كندا والهند
والبرازيل وجنوب أفريقيا والمكسيك على كبح جماح القوى العظمى أو بناء تحالفات في ظل
تراجع النظام القائم على القواعد، فيما سارعت حكومات عديدة إلى التأكيد على مكانتها
كقوى متوسطة.
لكن الكاتب يرى أن
هناك دولاً أخرى لا تستطيع تحديد الأجندة الدولية الأوسع، لكنها قادرة على إحداث فرق
في مجالات بعينها، موضحاً أن امتلاك إحدى هذه المزايا لا يكفي، وإنما تكمن الأهمية
في القدرة على استخدامها.
قطر وعُمان.. النفوذ
عبر الوساطة
وتابعت "فايننشال
تايمز" أن قطر وعُمان تندرجان ضمن هذا التصنيف باعتبارهما قوتين متوسطتين مصغرتين
في المجال الدبلوماسي.
وأوضحت أن قطر حولت
ثروتها من الغاز وقدراتها التمويلية وإمكانية الوصول إلى جهات يصعب الوصول إليها إلى
دور دبلوماسي بارز، بينما تعتمد
عُمان على الحكمة وموقعها الاستراتيجي وقدرتها على
إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الخصوم.
وأكدت أن الوساطة بالنسبة
إلى البلدين لا تمثل مجرد دور دبلوماسي، وإنما مصدراً للنفوذ.
أذربيجان وكازاخستان
وأوزبكستان.. قوة الجغرافيا
وفي المقابل، تتمتع
أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان بنفوذ يرتبط بصورة أساسية بالجغرافيا والبنية التحتية.
وأشارت الصحيفة إلى
أن أذربيجان تصدر الطاقة وتقع على طرق التجارة بين الشرق والغرب، كما تمتلك ثقلاً في
سياسات وأمن جنوب القوقاز.
أما كازاخستان، فتستمد
نفوذها من موارد النفط واليورانيوم وموقعها بين روسيا والصين، وهو ما يمنحها تأثيراً
يتجاوز المنطقة.
وبالنسبة إلى أوزبكستان،
فإن وزنها الديموغرافي باعتبارها الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في آسيا الوسطى، إلى
جانب موقعها المركزي، يمنحها نفوذاً متزايداً في التجارة والدبلوماسية الإقليمية.
ويقدم "الممر
الأوسط" مثالاً واضحاً على هذا النفوذ، إذ تعد أذربيجان وكازاخستان محوريتين في
الطريق الذي يربط آسيا بأوروبا، فيما تعمل أوزبكستان على تعزيز روابطها به.
ورغم أن هذا الطريق
أكثر تعقيداً من الطريق الشمالي عبر روسيا، فإنه يوفر للحكومات والشركات خياراً بديلاً.
كما تعمل الدول الثلاث على تطوير ممر للطاقة النظيفة في بحر قزوين، يمكن من خلاله نقل
الطاقة المتجددة من آسيا الوسطى عبر أذربيجان، ليرتبط بكابل الكهرباء المخطط له في
البحر الأسود وصولاً إلى أوروبا.
علاقات متعددة الاتجاهات
ولفتت الصحيفة إلى
أن النقاش بشأن جنوب القوقاز وآسيا الوسطى لا يزال يصور المنطقة في كثير من الأحيان
باعتبارها ساحة صراع بين روسيا والصين والغرب، متجاهلاً طبيعة تحركات العديد من دولها.
وأشارت إلى أن أذربيجان
وكازاخستان وأوزبكستان تحافظ على علاقات متعددة الاتجاهات، لأن الجغرافيا والتجارة
والأمن تجعل التحالف الحصري محفوفاً بالمخاطر.
وبناءً على ذلك، تتعاون
الدول الثلاث مع روسيا والصين وتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مع الحرص
على الاحتفاظ بهامش للمناورة بينها.
أما قطر وعُمان، فتربطهما
علاقات أمنية وثيقة بواشنطن، لكنهما في الوقت نفسه تحافظان على قنوات اتصال مفتوحة
مع خصوم الولايات المتحدة، بما يسمح لهما بمقاومة الضغوط من أي طرف.
أذربيجان تتحدى موسكو
وتابعت "فايننشال
تايمز" أن موقف أذربيجان عقب حادث سقوط طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية
بعدما أسقطتها الدفاعات الجوية الروسية في كانون الأول / ديسمبر 2024، أظهر جانباً
آخر من نفوذ الدول الصغيرة.
فقد جاء رد باكو حازماً
بصورة غير معتادة بالنظر إلى اختلال موازين القوى، إذ طالبت موسكو بتحمل المسؤولية
ومعاقبة المتسببين ودفع التعويضات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات العامة بين
البلدين.
وفي وقت لاحق، أقرت
روسيا بدور دفاعاتها الجوية في التسبب بالحادث، ووافقت على دفع التعويضات.
عندما تحتاج القوى
الكبرى إلى الدول الصغيرة
وأكدت الصحيفة أن نفوذ
"القوى المتوسطة المصغرة" يصل إلى ذروته عندما يحتاج الآخرون إلى ما تسيطر
عليه هذه الدول.
فنفط وغاز أذربيجان
يكتسبان أهمية أكبر عندما يبحث المشترون عن مصادر بديلة، بينما استفاد "الممر
الأوسط" من تعطل التجارة عبر روسيا.
لكن الحكومات الموجودة
على طول هذا الممر تدرك أنه في حال استئناف التجارة الغربية مع روسيا، فقد تتحول بعض
الشحنات مرة أخرى إلى الطريق الشمالي.
وبالنسبة إلى قطر وعُمان،
تزداد أهمية الوساطة عندما تتوقف الأطراف عن الحوار.
وخلص المقال إلى أن
قطر وعُمان لن تحددا شروط
النظام الدولي المقبل، لكن القوى التي تسعى إلى تشكيله ستعتمد
غالباً على طرقهما ومواردهما وعلاقاتهما الدبلوماسية، مشيراً إلى أن القوى الكبرى ستجد
صعوبة في تحقيق النجاح من دون التعاون معهما.