أثار إقرار الحكومة
المصرية بتعرض سفينة راسية قبالة ميناء
دمياط لهجوم بطائرة مسيّرة، نقاشاً داخليا واسعاً بشأن طبيعة التعامل المناسب مع الحدث، في ظل استمرار الغموض حول الجهة المنفذة، ونفي كل من
إيران وجماعة "أنصار الله" (الحوثيين) أي صلة لهما بالهجوم.
وبينما أكدت القاهرة أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد مصدر المسيّرة، اتجهت جل الأصوات داخل مصر إلى أن ما جرى هو محاولة لجر البلاد إلى حرب، فيما دعا آخرون إلى رد عسكري حاسم.
ويأتي ذلك في وقت تحرص فيه القاهرة منذ اندلاع الحرب الإقليمية على البقاء خارج دائرة المواجهة المباشرة، رغم تأثرها اقتصادياً وأمنياً بتداعيات الصراع، ولا سيما على حركة الملاحة في البحر الأحمر وإيرادات قناة السويس.
وأشعل الإعلامي عمرو أديب غضبا بين زملائه، إذ دعا إلى رد عسكري مباشر، قائلاً في تدوينة عبر منصة "إكس": "يجب أن يكون الرد المصري قوياً وعنيفاً وواضحاً... ضربة بضربة أعنف حتى لا نتلقى مسيرات جديدة"، مضيفاً أن معرفة مصدر المسيّرة "ليست مستحيلة"، وأن "من أراد مصر بسوء يجب أن يدفع الثمن غالياً".
غير أن هذه الدعوة قوبلت بانتقادات من إعلاميين آخرين، أبرزهم نشأت الديهي، الذي وصف هذا التوجه بأنه "أحمق"، معتبراً أن أطرافاً عدة تسعى منذ بداية الحرب إلى "جرجرة مصر" لتصبح طرفاً مباشراً في الصراع.
وقال الديهي إن قرار الدخول في حرب "يمكن لأي أحمق أن يتخذه"، أما الخروج منها "بأقل الخسائر فهو الأمر الأصعب"، داعياً إلى ترك تقدير الموقف للمؤسسات المعنية لا للانفعالات الإعلامية.
وفي الاتجاه نفسه، دعا الباحث السياسي مأمون فندي إلى عدم دفع المؤسسة العسكرية نحو قرارات مصيرية تحت ضغط وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن مصر "لا تنخرط في الحروب إلا عندما تكون آخر الخيارات المتاحة"، وأن حسابات الأمن القومي تختلف عن "حسابات المراهقين والانفعالات".
وفي مقابل ذلك، شدد البرلماني مصطفى بكري على أن الظروف الصعبة والتحديات الجسام التي تواجهها البلاد لا تدع خياراً أمام المصريين سوى "الحرص على تماسك الجبهة الداخلية، والتصدي للشائعات، والوقوف صفاً واحداً خلف القيادة السياسية"، محذراً من وجود مؤامرة تسعى لتوريط مصر وإلحاقها بالمناطق المشتعلة.
ومن جانبه، حذر صانع المحتوى لؤي الخطيب من الانجرار خلف الروايات الخارجية، مؤكداً أن "الدولة المصرية فقط هي التي تعلن من يقف وراء الهجوم في الوقت الذي تراه مناسباً"، داعياً الجميع إلى توخي الحذر في ظل التهديد الجاد للأمن القومي.
من جهته، رأى الكاتب عمار علي حسن أن الأهم من الحادث نفسه هو رد فعل المصريين، معتبراً أن الواقعة تمثل اختباراً لقدرة الدولة على حماية البلاد، وأن الشفافية مع الرأي العام أصبحت ضرورة في ظل ثورة الاتصالات.
الكاتب الصحفي خالد محمود، قال بدوره "نتأكد أولا من الجهة المسئولة ونحدد من هي وموقعها وهدفها ،قبل أن نرد..
واضح أنه يتم استدراجنا الي حرب لا نريدها..
في كل الأحوال، ردنا قادم لا محالة".
من المستفيد؟
ولم يقتصر الجدل على طبيعة الرد، بل امتد إلى هوية الجهة المنفذة. ففي حين سارع بعض المعلقين إلى توجيه أصابع الاتهام إلى إيران أو حلفائها، استبعد آخرون هذا الاحتمال.
واعتبر الإعلامي يوسف الحسيني أن إيران وحلفاءها "لا مصلحة لهم" في استهداف دمياط، مرجحاً أن تكون هناك أطراف أخرى تسعى إلى الضغط على مصر أو عرقلة دورها كمركز إقليمي للطاقة.
وأضاف "إسرائيل و أمريكا هم أصحاب المصلحة للضغط على المصر، وعرقلة مسارها كمركز إقليمي للطاقة"، متابعا أن "المسيّرة غالبا تم إطلاقها من سفينة في البحر، وطبعا مستحيل تكون إيرانية".
وفي اتجاه معاكس، اعتبر علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، أن الهجوم يمثل تصعيداً خطيراً يمس السيادة المصرية، مشيراً إلى أن التحقيقات ستكشف ما إذا كانت إيران أو أحد أذرعها في المنطقة - كحزب الله في لبنان - يقفون خلف هذا العمل السافر.
غير أن الكاتب وائل قنديل شكك في ذلك مؤكداً تصديقه لنفي إيران والحوثيين، ورافضاً ما وصفه بتبني "الرواية الأمريكية الصهيونية".
وفي السياق ذاته، تساءل الكاتب وائل حمدي عن الطرف الأكثر استفادة وفرحاً من نشوب اشتباك عسكري بين مصر وإيران، وهل يملك القدرة والسوابق لتنفيذ مثل هذه العمليات لتوريط الآخرين؟.
فيما رأى الكاتب محمد صلاح أن التحدي الحقيقي الآن بعد إثبات أن الحريق ناجم عن مسيّرة هو "كشف مصدرها والجهة التي أطلقتها لم حاسبتها"، مؤكداً قدرة مصر وشعبها على الصمود والرد في الوقت المناسب.
انتقادات للخليج
وفي موازاة ذلك، وجه إعلاميون مصريون انتقادات إلى الإعلام الخليجي، قائلين إن التركيز على تغطية ضربة السفينة في دمياط، ونقل مشاهد ولقطات متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للهجوم، أمر غير مقبول.
واعتبر مغردون مصريون أنه في وقت اعتادت فيه دول مثل السعودية والإمارات الاكتفاء ببيانات رسمية مقتضبة عند تعرض منشآت أو مواقع داخل أراضيها لهجمات مماثلة، من دون نشر صور أو تفاصيل ميدانية عن المواقع المستهدفة، تقوم وسائل إعلامها بنشر مشاهد لسفينة دمياط.
وذهب بعض الإعلاميين المصريين إلى اعتبار أن تضخيم الحادث قبل صدور رواية رسمية مصرية أسهم في تغذية الشائعات.
وتساءل الأكاديمي أحمد يسري، والناشط عمرو فهمي عن كيفية تأكيد وكالة "رويترز" ومنافسيها أن الحادث تم عبر مسيّرة في اللحظات الأولى وقبل إطفاء الحرائق أو صدور بيانات رسمية.
كما انتقد المغرد عمر حشيش التغطية الإعلامية الخليجية المكثفة والبرامج التحليلية التي أُفردت للحادث، مستغرباً هذا التعامل في وقت تتسم فيه تغطيات الأحداث المشابهة داخل تلك الدول بالتكتم الشديد والاقتصار على البيانات الرسمية المقتضبة دون نشر أية صور أو مقاطع مصورة.