قال موقع "
ريسبونسبل
ستيتكرافت" إن التراجع الحاد في أعداد السفن، وأزمات الصيانة المتراكمة،
وإرهاق البحارة، جعلت من
البحرية الأمريكية قوة غير قادرة على خوض حرب حقيقية
كبرى، أو الحفاظ على نفوذها العالمي المعتاد، لتصبح مجرد قوة تركز جهودها في منطقة
واحدة فقط.
وأشار الموقع،
في التقرير الذي ترجمته عربي21، إلى أن قوة بحرية ضخمة تتركز الآن من البحر الأبيض
المتوسط إلى المحيط الهندي لدعم العمليات المستمرة ضد
إيران، وتضم هذه القوة
حاملتي طائرات، وست سفن هجومية برمائية، و19 طرادا ومدمرة.
وفي هذا الأسبوع
فقط؛ أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه سيعيد فرض حصار على الموانئ الإيرانية، في حين
استمرت الهجمات الأمريكية ضد الأهداف الساحلية والجزرية دون هوادة.
وأوضح الموقع
أن التساؤل حول المدة التي يمكن للبحرية الأمريكية أن تبقي فيها هذا الأسطول منتشرا
في الخطوط الأمامية، يسلط الضوء على التراجع الواضح للقوة البحرية الأمريكية.
ففي عام 1945،
ومع امتلاكها لأكثر من ستة آلاف سفينة، كانت البحرية الأمريكية قوة بحرية عالمية
بحق أما اليوم، وبعد مرور نحو ثمانين عاما، تقلص الأسطول لدرجة أن الأمريكيين
يشكون في صمت في قدرته على الحفاظ على العمليات ضد إيران، والتي تجددت مرة أخرى.
وأشار إلى أن
تجديد الحصار البحري حتى وإن كان حاجزا بعيدا في بحر العرب يعني إطالة وتيرة
العمليات للسفن والأفراد؛ فالسفن الموجودة في مسرح العمليات منذ شهر شباط/ فبراير
الماضي، والتي تم نشرها لمدة عشرة أشهر متتالية وأكثر، يجب سحبها واستبدالها.
ويعني
الاحتفاظ بهذا العدد الكبير من السفن في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية
أن البحرية لا يمكنها التركيز إلا على منطقة واحدة، متخلية فعليا عن نفوذها
العالمي. ويرجع هذا التراجع إلى ثلاثة أسباب رئيسية.
أزمة تراجع
أعداد السفن
ولفت إلى أن
السبب الأول يكمن في أن الأسطول فقد سفنه؛ فقد أدرجت البحرية الأمريكية 6768 سفينة
في عام 1945، وهو ما كان يكفي لعدة عقود.
وحتى خلال حرب
فيتنام، كان الأسطول لا يزال يضم أكثر من 900 سفينة. ومع ذلك، وبحلول أواخر
السبعينيات، انخفض العدد إلى نحو 450 سفينة. ومع صحوة عهد ريغان، انتعش حجم
الأسطول ليصل إلى ما يقرب من 600 سفينة. ولكن مع نهاية الحرب الباردة، بدأ انكماش
طويل الأمد.
وبين الموقع
أن نظام المعركة الفعلي للبحرية يبلغ اليوم حوالي 180 سفينة، مقسمة بين حاملات
الطائرات، والسفن الهجومية البرمائية ذات السطح الكبير، والغواصات الهجومية،
ومدمرات الصواريخ الموجهة. وفي المقابل الحاسم، تمتلك بحرية جيش التحرير الشعبي
الصيني الآن سفنا قتالية أكثر مما تمتلكه الولايات المتحدة.
وأضاف أن سفن
القوة القتالية الأمريكية كبيرة وقوية، لكنها غير مدعومة بشكل كاف بسفن للقيام
بالمهام الفرعية الضرورية، مثل الدوريات، والمرافقة، وكاسحات الألغام. وقد تم
تصميم سفن القتال الساحلي سيئة السمعة الآن لتلبية هذه الحاجة، وفي العشرين عاما
الماضية، تم بناء 35 سفينة منها. ولكن يتم الآن إحالتها للتقاعد، وبعضها لا يزال
جديدا تماما. وعلى حد تعبير النائب الديمقراطي آدم سميث، رئيس لجنة القوات المسلحة
بمجلس النواب آنذاك في عام 2022: لا يمكننا استخدامها، أولا لأنها غير مستعدة
للقيام بأي شيء. وثانيا، عندما تكون مستعدة، فإنها لا تزال تتعطل. وبالتالي، لم
تعد البحرية الأمريكية أسطولا متوازنا.
صيانة متعثرة
وأسطول متهالك
وأكد الموقع
أن العامل الثاني يتلخص في أن تقلص الأسطول يعني وجود عدد أقل من السفن في البحر.
كقاعدة عامة، تحتاج البحرية إلى ثلاث سفن للحفاظ على نشر سفينة واحدة في الخارج.
وفي أوقات التوتر العالي والأزمات، يتم إبقاء السفن في البحر لأطول فترة ممكنة
بشريا لضمان توفر قوة نيران بحرية كافية لإرضاء القائد العام المتطلب، وتهدئة
الحلفاء القلقين، وردع الخصوم الأشرار كما يُزعم. وعلى سبيل المثال، تم نشر حاملة
الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 وهي الآن في بحر
العرب، لأكثر من 210 أيام دون زيارة أي ميناء، وهو رقم قياسي للبحرية. والنتيجة هي
أن السفن الثمينة تتهالك، ثم تُرسل لإخماد المزيد من الحرائق، حتى تتعطل تمامٕا.
وتابع مبينٕا
أنه علاوة على ذلك، عندما تعود هذه السفن أخيرا إلى الوطن وهي متهالكة ومعطلة، لا
توجد ببساطة أماكن كافية لإصلاحها وإعادتها إلى حالة العمل. فمرافق الصيانة محدودة
للغاية لدرجة أن عمليات الإصلاح الشاملة للغواصات في الآونة الأخيرة استغرقت ما
يصل إلى ثماني سنوات لإنجازها؛ بل إن إحدى الغواصات النووية، وهي يو إس إس بويز،
تم التخلص منها كخردة بعد 10 سنوات من الإصلاحات، حيث تم إنفاق 800 مليون دولار
عليها، ولم يتم إنجاز سوى 25 بالمئة فقط من العمل.
لقد بلغ الوضع من السوء أن 40
بالمئة من قوة الغواصات التابعة للبحرية لا يمكن نشرها بسبب اختناقات الصيانة وعدم
كفاءة المقاولين. ورغم أن الغواصات تحظى بالأولوية القصوى، إلا أن الأمور أسوأ
بكثير بالنسبة لأسطول السفن السطحية. إن نظام الصيانة والإصلاح المعطل يجعل
الأسطول الصغير بالفعل أكثر صغرا.
إنهاك الطواقم
والبحارة
وأبرز أن
العامل الثالث الذي يقوض البحرية في صمت هو الأسهل في التغاضي عنه، وهو في الوقت
نفسه التهديد الأكبر لمستقبل البحرية: التعب وانخفاض الروح المعنوية للبحارة. إن
عمليات النشر الطويلة في الخارج، وخاصة تلك التي تستمر في التمديد، تكسر الروح
المعنوية لكل من البحار والأسرة التي تنتظره في الوطن.
ونقل عن نائب
الأدميرال المتقاعد فيل وايسكوب، الذي كان يعمل كمجدول للبحرية في التسعينيات،
إشارته إلى دراسة شارك في تأليفها أوصت بأن تقتصر عمليات نشر البحرية على ستة
أشهر، مع استثناءات عاجلة فقط. وقد تبنت البحرية هذا المعيار. ثم، في جو الأزمة
الذي اجتاح واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، تم التخلص من هذا
المعيار تماما.
ونوه إلى أنه
منذ ربع قرن حتى الآن، تعمل البحرية الأمريكية في ظل ظروف الحرب، على الأقل فيما
يتعلق بنشر السفن. ويبدو الأمر وكأنه تكرار للحرب العالمية الثانية، عندما تم
إرسال السفن عبر المحيط الهادئ، لتعود إلى الوطن فقط بعد انتهاء الحرب؛ أو مثل حرب
فيتنام، عندما تم إبقاء حاملات الطائرات في خليج تونكين حتى أُنهكت، ثم كانت تعود
إلى الوطن لمدة شهر من الراحة والاستجمام، لتعود مرة أخرى مباشرة إلى محطة يانكي
العسكرية.
ومع ذلك، فإن
تلك الأمثلة على القتال المستمر عالي الكثافة استمرت بضع سنوات فقط. أما دفع البحارة
على هذا النحو لمدة 25 عاما متتالية فهو بمثابة ضغط هائل يدفعهم في النهاية إلى
ترك الخدمة. وكما هو الحال مع المدمرات والسفن البرمائية في مهام الحصار في بحر
العرب، أصبحت عمليات النشر لمدة 10 أشهر هي القاعدة في البحرية.
وفيما يتعلق
بسؤال: هل يمكن الحفاظ على الأسطول قبالة إيران؟ أجاب الموقع بأن الإجابة المختصرة
هي نعم، ولكن البحرية الأمريكية قادرة تماما على وضع مجموعة ضخمة من السفن الحربية
المتطورة في أي مكان على محيطات العالم، وإبقائها هناك، من خلال التناوب، طالما
أُمرت بذلك.
ولكن يجب فهم
أن هذا هو الحد الأقصى الجديد للبحرية. لقد عادت الخدمة العسكرية بحرا، كما كان
الحال في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، لتصبح قوة ذات مهمة واحدة؛
يمكنها الذهاب إلى مكان واحد والقيام بشيء واحد. ومع ذلك، لم تعد القوة البحرية
العالمية حقّا كما كانت خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.