مع دخول
كأس العالم 2026 مراحله الحاسمة، لم
تعد المفاجآت مجرد نتائج عابرة، بل تحولت إلى ملامح جديدة تعيد رسم خريطة كرة
القدم العالمية. وبينما تغيب أسماء تاريخية بحجم البرازيل وألمانيا عن دور
الثمانية للمرة الأولى في تاريخ البطولة، يواصل المنتخب
المغربي كتابة فصل
استثنائي في سجل الكرة العالمية، بعدما أصبح المنتخب الأفريقي الوحيد الذي يبلغ
هذا الدور للمرة الثانية على التوالي، في إنجاز يعكس التحول الكبير الذي عرفته كرة
القدم في القارة السمراء خلال السنوات الأخيرة.
وبين ثمانية منتخبات فقط لا تزال تحلم برفع
الكأس الأغلى في العالم على ملعب نيويورك/نيوجيرسي في 19 تموز/يوليو الجاري، يجد
المغرب نفسه مجددًا بين كبار اللعبة، بعد أن صنع التاريخ في مونديال قطر 2022
عندما أصبح أول منتخب أفريقي يبلغ الدور نصف النهائي، قبل أن يواصل حضوره القوي في
النسخة الحالية ويثبت أن ما حدث قبل أربع سنوات لم يكن مجرد لحظة استثنائية عابرة.
ويكتسب الإنجاز المغربي أهمية خاصة بالنظر
إلى طبيعة المنافسة الحالية؛ إذ يضم دور الثمانية ستة منتخبات أوروبية، ومنتخبًا
واحدًا من أمريكا الجنوبية، إضافة إلى ممثل القارة الأفريقية الوحيد، في مشهد يؤكد
صعوبة المهمة التي يخوضها "أسود الأطلس" أمام منتخبات تمتلك تاريخًا
طويلًا في البطولة.
من كسر الحاجز إلى منافسة الكبار
لم يعد وصول المغرب إلى الأدوار المتقدمة في
كأس العالم مجرد مفاجأة إحصائية، بل أصبح عنوانًا لتحول في موقع الكرة الأفريقية
داخل الهرم العالمي. فبعد عقود ظل فيها بلوغ ربع النهائي أقصى حلم لمنتخبات
القارة، نجح المغرب في تحويل الاستثناء إلى مسار متكرر، ليصبح أول منتخب أفريقي
يصل إلى دور الثمانية في نسختين متتاليتين.
ويأتي هذا الإنجاز في وقت لم يسبق فيه
لمنتخبات عريقة في القارة الأوروبية أن حققت حضورًا مماثلًا في البطولة، بينما لا
تزال منتخبات مثل بلجيكا والمغرب تبحث عن أول وصول إلى النهائي، بعدما أخفق
الطرفان تاريخيًا في تجاوز الدور نصف النهائي.
ويمنح هذا الواقع المنتخب المغربي فرصة
لكتابة صفحة جديدة؛ فالفوز في الدور المقبل لن يعني فقط تجاوز منافس قوي، بل سيعني
العودة للمربع الذهبي للمرة الثانية تواليًا، وهو أمر لم يتحقق لأي منتخب أفريقي
في تاريخ كأس العالم.
غياب العمالقة يفتح الباب أمام التاريخ
تحمل نسخة 2026 طابعًا استثنائيًا بسبب خروج
اثنين من أكثر المنتخبات تتويجًا وشهرة في تاريخ البطولة؛ إذ تغيب البرازيل
وألمانيا معًا عن دور الثمانية للمرة الأولى منذ انطلاق كأس العالم.
وكان المنتخبان قد حضرا معًا في هذه المرحلة
خلال 11 نسخة من أصل 17 نسخة أقيم فيها هذا الدور، ما يجعل غيابهما مؤشرًا على
تغير موازين القوى في اللعبة، ويفتح الباب أمام منتخبات جديدة للذهاب بعيدًا.
وفي ظل هذا التحول، باتت الفرصة سانحة أمام
أربعة منتخبات لم تتوج سابقًا باللقب العالمي، وهي المغرب وبلجيكا وسويسرا
والنرويج، لتحقيق إنجاز تاريخي. وقد تشهد نسخة 2026 تتويج بطل جديد للمرة الأولى
منذ فوز إسبانيا باللقب عام 2010.
المغرب بين الواقعية والطموح
يدخل المنتخب المغربي الأدوار الإقصائية
بسجل يعكس صلابته وتوازنه؛ إذ حقق ثلاثة انتصارات وتعادلين خلال مشواره، وسجل عشرة
أهداف، بينما استقبلت شباكه أربعة أهداف فقط، وهو ما يجعله من أكثر المنتخبات
توازنًا بين الصلابة الدفاعية والفعالية الهجومية.
ولا يعتمد نجاح "أسود الأطلس" على
عامل المفاجأة وحده، بل يستند إلى منظومة جماعية أثبتت قدرتها على التعامل مع
مختلف أنماط المنافسين، سواء عبر الانضباط الدفاعي، أو التحولات السريعة، أو
امتلاك عناصر قادرة على صناعة الفارق في اللحظات الحاسمة.
كما أن استمرار حضور لاعبين من أصول مغربية
نشأوا في مدارس كروية أوروبية مختلفة منح المنتخب عمقًا فنيًا وخبرة تنافسية
كبيرة، وهو ما ظهر خلال النسخ الأخيرة من كأس العالم.
تحديات الطريق نحو الحلم
رغم الإنجاز التاريخي، يدرك المنتخب المغربي
أن الطريق نحو اللقب يزداد صعوبة كلما اقتربت البطولة من نهايتها. فالدور المقبل
يضم منتخبات تمتلك خبرة كبيرة في المواعيد الكبرى، من بينها فرنسا والأرجنتين
وإنجلترا وإسبانيا، وهي منتخبات سبق لها التتويج باللقب أو الوصول إلى النهائي.
وتبدو فرنسا الأكثر إثارة للإعجاب حتى الآن،
بعدما حققت خمسة انتصارات في البطولة دون الحاجة إلى وقت إضافي، فيما تواصل
الأرجنتين، بطلة العالم، تقديم مستويات قوية بقيادة نجمها ليونيل ميسي. أما
إسبانيا فتقدم نموذجًا دفاعيًا لافتًا بعدما حافظت على نظافة شباكها في جميع
مبارياتها حتى دور الثمانية.
في المقابل، لا يخوض المغرب المنافسة
باعتباره منتخبًا يبحث فقط عن تجاوز الأدوار، بل باعتباره فريقًا يمتلك تجربة
حديثة في صناعة المفاجآت الكبرى، بعدما أسقط في مونديال قطر منتخبات ذات تاريخ
عريق قبل أن يبلغ المربع الذهبي.
جيل يكتب إرثه الخاص
يمثل الجيل الحالي للمنتخب المغربي حالة
خاصة في تاريخ الكرة العربية والأفريقية؛ فهو جيل لم يعد يكتفي بالمشاركة المشرفة،
بل أصبح يطالب بموقع بين النخبة العالمية.
وبعد أن تجاوز المغرب حاجز الخوف من مواجهة
كبار اللعبة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في مونديال 2026 ليس فقط: هل يستطيع
"أسود الأطلس" تكرار إنجاز قطر؟ بل هل يمكنه الذهاب أبعد هذه المرة
وتحقيق ما لم يحققه أي منتخب أفريقي من قبل، وهو الوصول إلى المباراة النهائية أو
حتى رفع كأس العالم؟
في بطولة تشهد سقوط عمالقة وصعود قوى جديدة،
يبدو المغرب أمام فرصة تاريخية لإثبات أن إنجاز قطر لم يكن نهاية الحلم، بل بداية
عصر جديد لكرة القدم الأفريقية على المسرح العالمي.