نشرت صحيفة "نيويورك تايمز"
تقريرا مصورا للصحفي عبد اللطيف ضاهر والمصور إميل دوكي، اللذين زارا
إيران مؤخرا، قالا فيه إن آية الله علي
خامنئي، الزعيم الأعلى الراحل لإيران، بدا وكأنه ركن راسخ لا يتزحزح لعقود، فقد تغلغلت سلطته في نسيج الحياة السياسية والدينية في إيران لدرجة أن تصور البلاد بدونه كان يبدو أمرا شبه مستحيل.
وأضاف التقرير أن
طهران، العاصمة التي حكم منها خامنئي وشهدت وفاته وصاغت مسار حياته ومحور رحلته الأخيرة، تكتظ بالحشود التي جاءت للمشاركة في مراسم جنازته الممتدة على مدار عدة أيام، وهي مراسم تمزج بين الوداع والمشهد الاستعراضي ونقطة التحول التاريخية.
وأشار إلى أن مراسم الجنازة، التي ستتواصل في الأيام المقبلة لتشمل طهران ومدنا إيرانية أخرى، بل وحتى العراق المجاور، تبدو وكأنها صُممت لتحقيق غاية أكبر من مجرد مواراة جثمان الزعيم، إذ تمثل محاولة لإظهار الاستمرارية في لحظة تبدو فيها البلاد عالقة في مرحلة انتقالية تتسم بحالة من عدم اليقين.
وأوضح التقرير أن الدول، ولا سيما الأنظمة الاستبدادية كنظام إيران، غالبا ما تواجه حالة عدم اليقين باللجوء إلى الاستعراض الضخم، ولذلك وجدت العاصمة المنهكة نفسها وقد تحولت إلى مسرح لمراسم دفن مهيبة واستثنائية الحجم.
وفي مجمع "مصلى طهران الكبير"، توافد عشرات الآلاف خلال عطلة نهاية الأسبوع، وقد ارتدوا ملابس سوداء بالكامل تقريبا، للصلاة على الزعيم الروحي الشيعي وتقديم واجب العزاء. وتعالت صرخاتهم ونحيبهم، وراحوا يضربون صدورهم ورؤوسهم في طقوس الحداد، بينما جلس بعضهم على الأرض وقد غلب عليهم الإنهاك والذهول.
وقال محمد سليماني، القادم من طهران، وهو يجلس في باحة المسجد مطأطئ الرأس وممسكا بصورة لمجتبى خامنئي: "لقد كان خامنئي ركيزة حياتنا".
وأضاف التقرير أن الحزن سرعان ما أفسح المجال للغضب، إذ ارتفعت القبضات في الهواء، وصدحت الحشود بهتافات تطالب بالانتقام، موجهة غضبها نحو إسرائيل والولايات المتحدة، ومكررة مرارا اسم دونالد ترامب.
ولفت إلى أن الأيام التي سبقت مراسم الحداد العلنية الأولى شهدت تغيرا تدريجيا في المدينة، قبل أن يتحول ذلك التغيير فجأة إلى مشهد شامل يشبه ما يحدث في المدن قبيل اللحظات المصيرية.
وتوافدت العائلات من المدن والأقاليم إلى طهران لتنضم إلى الحشود التي كانت تبجل آية الله خامنئي باعتباره الأب الروحي وحامي الجمهورية الإسلامية، وهو نظام عارضه كثيرون طويلا وعانوا تحت وطأة قمعه الشديد، بحسب تعبير الصحيفة.
كما وصل مسؤولون أجانب، كثير منهم من دول ذات أنظمة سلطوية، إلى جانب عناصر من الميليشيات وقادة دينيين من أنحاء العالم، في مشهد عكس في آن واحد النفوذ العالمي لإيران وعزلتها عن الغرب.
ويبلغ عدد سكان هذه المدينة المكتظة نحو تسعة ملايين نسمة، وتمتد على مساحات شاسعة تضم مجمعات سكنية وأبراجا زجاجية وشوارع عريضة تصطف على جانبيها الأشجار، وتتباين طبيعة أحيائها من منطقة إلى أخرى.
وأضافا أنه إلى جانب مظاهر الأبهة والمراسم الرسمية، كانت مبان كثيرة تحمل ندوب الحرب على طول الطرق الرئيسية، فيما استمرت الحياة اليومية تحت وطأة نقص المياه وانقطاع التيار الكهربائي، بينما ظلت العائلات التي فقدت أحباءها خلال حملة القمع تعيش مرارة الحزن وتحدوها الآمال في تحقيق العدالة.
وأشار التقرير إلى أنه مع تزايد أعداد الوافدين، بدا حضور آية الله خامنئي يتعاظم في أنحاء المدينة، إذ انتشرت صوره على الطرق السريعة والأزقة الضيقة، وفي المقاهي الصغيرة ومتاجر الكتب.
وتُظهر بعض الصور خامنئي شابا بلحية داكنة وملامح صارمة، بينما تصوره أخرى رجلا مسنا وقد ابيضت لحيته، وهي الصورة التي اعتاد الإيرانيون رؤيته بها طوال عقود. وفي بعض الصور يظهر إلى جانب نجله وخليفته "مجتبى"، في مشهد لا يبدو مجرد صورة، بل تجسيدا للانتقال من فصل إلى آخر.
وبين التقرير أن الاستعدادات للجنازة جرت وفق ترتيبات دقيقة ومنظمة، شملت نقاط تفتيش أمنية، وتنظيما لحركة النقل، وإعلانات عامة، وتجهيزا متقنا للمساحات المخصصة للمراسم.
وأوضح أن الحكومة الإيرانية منحت الصحفيين إذنا مقيدا لتغطية مراسم الجنازة، مع فرض مرافقة مترجم ومرشد لهما طوال الوقت، في تذكير بمدى إحكام السيطرة على الرواية ومن يسمح له بسردها.
وأضاف أن الشوارع خضعت بدورها لتنظيمات مدروسة، إذ تباطأت حركة السير على طول شارع "ولي عصر" مع إفساح المجال لاستعدادات الجنازة، بينما أقام العمال محطات لتقديم الطعام والماء للوافدين.
كما صدحت مكبرات الصوت بالهتافات ومراسم الرثاء، مشيدة بالزعيم الأعلى الذي قُتل في مستهل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
وفي ساحة "انقلاب" (الثورة)، بدت صورة أخرى لطهران تتحرك تحت لوحة إعلانية ضخمة خُصصت للحداد، حيث تلاقت مسارات شابات سافرات يحملن السجائر ورجال يضعون أقراطا في آذانهم مع نساء محافظات يرتدين "التشادور" الأسود ويحملن الأعلام الإيرانية ويصلين في صمت.
ورأى التقرير أن هذا المشهد يختزل تناقضات إيران؛ أمة صاغها آية الله خامنئي على مدى عقود، لكنها أخذت في سنواته الأخيرة تتمرد بصورة متزايدة على قيود حكمه القمعي.
وأشار إلى أن الصحفيين أمضيا قرابة ساعتين في الساحة، حيث رفض معظم الناس الحديث معهما، متوجسين من وسائل الإعلام الأجنبية. وعندما طلبا إجراء مقابلة مع امرأة شقراء ترتدي تنورة من قماش الدنيم الأزرق الداكن وتضع مساحيق تجميل كاملة بينما استقر الحجاب بالكاد عند مقدمة شعرها، ابتسمت وقالت: "أخشى ألا أتمكن من البوح بما في قلبي".
وأضاف أن بعض الموجودين توقفوا لالتقاط صور للتمثال الضخم الذي يصور قبضة يد مشدودة، فيما واصل آخرون السير أو المرور بسياراتهم، وكانت الحياة اليومية تمضي مع كل مساء وسط الاستعدادات، بنداءات الباعة الجائلين، والدراجات النارية التي تشق طريقها بين السيارات، وأصوات ارتطام كؤوس الشاي في المقاهي الصغيرة.
وأشار التقرير إلى أنه خلف اللافتات والصور كانت هناك طهران أخرى؛ مدينة أنهكتها أشهر من الضغوط.
وأوضح أن الحرب الإقليمية مع دولة الاحتلال في العام الماضي فاقمت الأزمة المالية التي كانت قد اشتدت بسبب العقوبات، وتحولت تلك الإحباطات الاقتصادية إلى احتجاجات حاشدة بدأت في أواخر كانون الأول/ ديسمبر، قمعتها السلطات بقسوة مما أسفر عن مقتل الآلاف، ثم اندلعت الحرب مع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، لتزهق أرواح أطفال صغار في مدارسهم، وتلحق أضرارا بمواقع تاريخية مثل قصر "غولستان"، وتترك السكان في حالة ترقب دائم للسماء ومتابعة حثيثة لتنبيهات الأخبار، حتى بدت الأشهر الماضية وكأنها ضغطت حقبا متعددة من التوتر في موسم واحد.
وتمضي إيران حاليا تحت لافتات التأبين وصور آية الله خامنئي الضخمة، وهي لا تزال تحاول استيعاب ما الذي يشارف على الانتهاء، وما الذي يتبلور ليحل محله.